استحالة التيه في الإسكندرية: يمكنك دائماً أن تتجه ناحية البحر

السبت 16 يوليو 202212:27 م

الأبدية، طريق طويل إلى إيثاكا


هذه النصوص كتبتها متفرقة، وقد كتبتهم جميعاً لسببٍ واحد أرى أنه يجعلهم نصوصاً متصلة بخطٍ خفي على الرغم من انفصالهم؛ ومثلما يمكنني القول إن هذه النصوص عن الحب، يمكنني أيضاً أن أقول إنها نصوص عن الهدوء، وعن الراحة، وهذا عصبُ الحُب وأساسه عندي، أن يكون الإنسان في راحةٍ، وتناغم مع الأشياء من حوله، حتى في أوقات الولع.

الآن أفهمك يا صديقي القديم

الحب ظلي الثاني، ظلي الذي لا يحتكم لقوانين الفيزيقا، ولا يهتم لضربات الضوء على الجسد، بل الحب على الروح، الحب ظلي الذي لا يفارقني، نوعٌ من أنواع التشتت -الإلهاء- المحمود، أصارعُ به الحياة، وتصارعني فيه؛ تريدُني الحياة حاضراً بكُلي حتى تغرقني في بحرٍ من العبث وسفاسف الأمور، أما أنا فأريدُ أن أحمل الحب في حقيبةٍ على ظهري وأرحل.

أحياناً أريد من الدنيا كل شيء، وأحياناً أخرى لا أريد منها حتى كسرة الخبز، أما الآن فأنا مترفعٌ كما أنا، غير أني قررت التزهّد في محراب الحب، أشاكس النسمات الصباحية، والندى على جبين حبيبتي، استحضر أقوال الأوليين، وأقول لهم: "الآن فهمتكم"، جملة واحدة في لحظة واحدة، أما ابن عربي فسأبتسم له من بينهم، وسأخبره أني مستعد: "أنا الآن جاهز يا صديقي، غسلني بماء المعمودية لأشاركك الدين". الآن أرحل بعيداً لعل الدنيا تيأس مني وتتركني، لعلي أخيراً أذوب في عينيها، وأنسى فيها الحياة، لعل الأحوال تنقلب، وأنسى من أنا بمعتركٍ غير المعترك، لعلي أخيراً أغرق في شيء لا يدرجه في قائمة السفاسف والأمور العبثية إلا مجرم. أفكاري تتكالب عليَّ كما هي منذ عهدتُني، تخبرني أنها الهرمونات، وأنها الكيمياء، وأن البحر لا روح فيه، وأن المحيطات هي كوب ماء كبير، وأن الأضواء في الأعالي نجوم ميتة، وأني غبار أجدادها، وتخبرني أن الهُوّة العميقة في النفس قد تكون روح الله فيَّ أو أثر جناح فراشة قابلتها منذ سنتين.

تتكالب الأفكار، وتتثاقل رأسي، غير أني هذه المرة أبتسم، وأردد في محرابي، في سكناتِ نفسي ودقائق الروح أني سأكمل لتذهب الكيمياء إلى الجحيم، سأضع الحب في حقيبة ظهري بجوار عدة أرغفة وقطعة من الجبن، وسأضع زجاجتي في كيسٍ بلاستيكي حتى لا يتزحزح الغطاء ويُعلل الحب فأضطر إلى تجفيفه فيما بعد، الآن أرددُ في نفسي، أني أفهم ما كتبُ في الحب، جُملة واحدة، في ساعةٍ واحدة، الآن ياصديقي القديم أدين مثلك بدين الحب.

يوم رأيتُها

يوم رأيتُها، هدأت الرياح وأصبحت أكثرُ حناناً ورحمة، استسلمت أوراق الأشجار بسرعة، لم يعد الهواء يصفر عند مروره من فراغات الأماكن والأزقة، كانت الأشياء هادئة وناعمة، وانطلق الكون بأكمله يرقص في تناغمٍ مهيب يمكنه أن يشفي أي إنسان إذا أغمضَ وأنصت.

يوم رأيتُها، رأيتُ الله: الآن أفهمه على مستويات عديدة، وأخجل من أيام أعطيته فيها ظهري وجحدت؛ كانت لحبيبتي العديد من التفاصيل الرقيقة التي يمكن ملاحظتها، كل تفصيلة كانت تقيم مملكة من الجمال وتحكمها... مجاز

يوم رأيتُها، أصبحت الأشياء كلها بلا أهمية، كانت الحياة مثل شوارع الإسكندرية الفارغة، كنت أجد في اللحظة يقيناً أني في شارعٍ فارغ؛ عندما تتيقن أنك في مكانٍ فارغ وأنه لا يمكن بشكلٍ من الأشكالِ أو بصورةٍ من الصور أن يخرج شخصٌ ما، فجأة! ستكتنفُكَ الطمأنينة والراحة اللحظية، ولحظات الراحة والطمأنينة تعطيك الأبد في المحدود؛ وشوارع الإسكندرية بها أشياء كثيرة تجعلها تحضر في أحاديث الحب، البحر الواسع غير المفهوم، تغرق فيه وأنت أمامه، وتتركه وأنت لا تفهم شيئاً، لا تدرك شيئاً.

وإذا كنت تسير في الشوارع الداخلية والأزقة فأنت تعرف أن البحر هناك لن يختفي ولن يذهب إلى أي مكان، وهذه الراحة التي ينشدها ويتمناها كل مُحِب، لكن هنا الأمر مختلف، عندما رأيتُها كانت كبحر الإسكندرية وراحتي هنا أني أعرفُ أنه لن يتركني ويذهب يقيناً في روحي وليست مجرد أمنية، إذا أخبرت سائق التاكسي مرةً من المرات أني أريد الذهاب من طريق البحر فلن يكون رده: "عذراً لا ماء بعد الآن. لقد ابتلعتها حرارة الشمس".

وجه الشبه الثاني بين العذبة والبحر، أن طريق البحر معروف، وذكرني هذا بحديث قرأته من مدة يصف استحالة التيه في الإسكندرية، يمكنك دائماً أن تتجه ناحية البحر.

يوم رأيتُها، رأيتُ الله: الآن أفهمه على مستويات عديدة، وأخجل من أيام أعطيته فيها ظهري وجحدت؛ كانت لحبيبتي العديد من التفاصيل الرقيقة التي يمكن ملاحظتها، كل تفصيلة كانت تقيم مملكة من الجمال وتحكمها. كانت حبيبتي رقيقة كحبوب الإفطار، وخفيفة كأرجل فورست جامب وهي تنطلق به للمرةِ الأولى في المروج الخضراء الواسع. كانت تبتسم فأبتسم، وتضحك فأحمدُ السماوات، لكن هذه الابتسامات والضحكات والكلمات التي تشكلها وتعجنها ثم تمررها إليَّ، لم تكن مثالية في نظر الكثير من البشر.

كانت تخبرني أن والدها لا يرى ذلك ويضيق عليها كثيراً، ووالدتها تعاملها بطريقة عادية، فتطلب منها أن "تغسل المواعين" و أن "تعد الطعام معها"، وبائع الخضروات يأخذ الورقة النقدية ويمرر إليها "الفكة" وكأنها حدث عادي في يومه، في هذه الأوقات أدركت أن الحب يحول العادي في عيوننا إلى إلهي، يحول الأرض إلى السماء السابعة، والأهم من كل هذا أنه يجعلنا نتقبل هذا العادي ونسلم له أنفسنا وحياتنا، حتى نتأكد أن العادي هو أي شيء سواه، وإن ظلت الحبيبة تغير الحفاضات أو تقف في طابورٍ مترهلٍ لتبتاع بعض الأرغفة. عندما تغرق في الحب تكون هذه التفاصيل الطبيعية والصغيرة مصدر من مصادر المتعة، بل وأحياناً كثيرة الامتنان! وفي هذه التفاصيل من الجمال ما قد يوازن مقادير هذه الحياة البائسة، ففي لحظة واحدة تنسى كل الهزائم والليالي الطويلة والحزن الذي يبتسم لك أسفل سريرك يومياً، وترى الله، وتسامحه.

الحب يجعل الحبيبين كسوائل سهلة الامتزاج، بعد أيام قليلة، نتبادل المفردات والجمل نفسها، كما تبدأ الأفكار والاهتمامات بالتبلور في النفس بخفة، فجأة ترحم، وفجأة تحب، وفجأة تسامح... مجاز

يوم رأيتُها كانت كل الأشياء تتداخل وتختلج في رأسي، الرياح الهادئة، الشمس الدافئة، والأمطار الحنونة، وشوارع الإسكندرية، والله، والعادي الذي يتحول إلى مقدس؛ أما هي فقد لاحظت أني غِبتُ للحظة فقالت: " أنت معي؟!".

شردتُ. ثم همستُ في سكون نفسي وإلى الرياح من حولي: "فيكِ".

محاجرك

الآن يا حبيبتي أُحبكِ أكثر من أي وقتٍ مضى، قلبي لا يهلل إلا باسمكِ، واليقين -يا ظلي اللطيف- لم أعرفه إلا في هواكِ. في هواكِ يا حبيبتي عرفتُ الله، وعرفت الرياح الهادئة التي تربُت على أرواح مساكين العشق، وعرفتُ المسافات التي ترقص بين المخلدين معاً؛ عرفتُ الرحمة التي تمُد الحليب خطاً متصلاً بين ثدي الأم وطفلها الرضيع، وعرفت أن الوردة التي تُعطى للحبيبة لا تختلف كثيراً عن الوردة التي تُلقى على القبور، عرفت أن الإنسان يمكنه أن يعشق الجسد كعشقه للروح، وعشق الجسد أحياناً يتخلله الكثير من الطهر والإيمان، عرفت الكثير يا حبيبتي بين حدَقتي عينك، وحينما تحركت عيني قليلاً، ووقعت في محراب محاجرك، عرفتُ أني لم أعرف أي شيء.

الحياة مع القليل من الدقيق والكثير من الحب

من الصعب أن تكتب عن الحب من بعيدٍ ولا يخرج النص مبتذلاً، ومن المستحيل أن تنطلق من الحب ويكون هذا النص مكرراً ومألوفاً، منذ عدة أعوام كنت أجد أن الكتابة عن الحرفين، الحاء والباء مهمة صعبة، ويظل الأمر كذلك بالفعل حتى تتفجر بداخلك هذه الحروف، وتتحول من هجائية جامدة إلى أرانب وعُشب. لا مقدمات لهذا المس الروحاني، فجأةً تضيء أركانك بأكملها، حتى الزاوية المظلمة التي لا تقترب منها، يتسلل إليها الضوء والدفء، فجأةً تتغير الحياة لأنك تشابكت مع حرفين، وبهذه الفُجائية أيضاً يخبو الأمر في صدرك.

في البداية كنت أجد صعوبة في تسليم قلبي للهوى، كان من الصعب أن أتأكد هل هذا الدفء حقيقي، وهل هذه العين التي تُذهبك أنت، كُلك، حقيقية تماماً، أم أن العقل يمارس واحدة من ألاعيبه، أما الآن فأنا أعرف الحب جيداً: حينما يقترب مني تصبح كل الأشياء رقيقة، وهشة، أسمع حينها العصافير بشكلٍ دائم، وأنا على يقين أن الطيور لا تُجرب الصمت أبداً ولكن الضوضاء ترتفع في النهار وتغشى على صوتها.

ببساطة قراءة هذه الكلمات تجد الطيور طريقها إلى أُذني دون أن أغمض عيني، أرى الكون بهالة هادئة مهيبة، وكأن الكون بأكمله يتحرك على ألحان جنائزية، أو ألحان جاز كلاسيكية، الحب يجعل الإنسان رقيقاً، يجعل للصبحِ معنى، ويجعل في الحركات مغنى؛ ومن الغريب أيضاً أن الحب يجعل الحبيبين كسوائل سهلة الامتزاج، بعد أيام قليلة، نتبادل المفردات والجمل نفسها، كما تبدأ الأفكار والاهتمامات بالتبلور في النفس بخفة، فجأة ترحم، وفجأة تحب، وفجأة تسامح، نسيم يضرب النفس فيغير دقائقها ويبدل خصائصها ويشكل حقائقها، والحُب كلُّه نور، لا يمكنك أن تخطو خطوة فيه إلى الوراء، وعلى الرغم من كل الألم والمشاكل وصروف الواقع وعودام السيارات التي يمكن أن تقابل علاقات الحب، إلا أن الحب يظل موجوداً ومستنداً على روحانيته في الإنسان، عندما تتشبع فقط بنغماته وحركات أوتاره، وتحسن الاستماع إليه، يمكنك حينها أن تتعامل مع الواقع، بلبنه وخبزه، بضوضاء طرق الحديد، وبدقة تنضيد عقد من الزُمرد، مع أفواه الباعة الجائلين وهي تلوك الكلمات نفسها يومياً، ومع شكائر الرمل وهي تصعد الدور السابع لتشكل مبنى إسمنتياً آخر. في الحب فقط يمكن أن تجري حديثاً مع الله، وفي الحب فقط سينمو اليقين داخلك، وتعرف أنه في أحلك الظروف وأصعبها، يمكن للابتسامة دائماً أن تنام على وجهك حينما ترى حبيبتك، وحتى الأمطار التي ستفسد الشوارع نتيجة التخطيط السيء للبنية التحتية على يد الحكومة، ستسقط عليك بحنانٍ ورقة، وكأنها الدمع ينسكب من عين الملائكة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard