منهاج الخوف الجديد... التعايش مع الجحيم

السبت 2 يوليو 202211:00 ص

الخوف

يندرج المقال في ملف عن الخوف أعده وأشرف عليه تمّام الهنيدي، المحرر الضيف في رصيف22 لشهر حزيران/يونيو.

يخافُ الناسُ من الغيبِ لأنهُ مجهول، قد يحملُ الأسوأ أكثر مما قد ينطوي على الأفضل، وأخشى أنّه ينبغي على المرء أن يفقد عقله ليستطيع التأقلم مع الحياة بعد كل هذا الجنون، فقد تمرنّا في سوريا على تطويرِ أدواتٍ للتأقلم مع الكارثة خلال السنوات الماضية سيكونُ التخلّي عنها أمراً شاقاً، وقد يستغرقُ سنواتٍ أخرى. كيف أتخفف من كل تلك المهارات التي كان عليّ إتقانها للتعايش مع الجحيم، مع العتبة العالية للألم والسقف المتدنّي لكل شيء آخر.

أضطر للخروج ليلاً فأحمل في يدي ضوءاً خفيفاً بالكاد ينير خطوتي. سلاحي الوحيد في العتمة هو العتمة ذاتها، أخافها وأحتمي بها. أرفض حمل سكين لكني أقبض على مفتاح منزلي، وأخرج رأسه المدبب من بين أصابعي، ولا أدري إن كنت سأجرؤ حقاً على استخدامه، ترتخي يدي فأشدّها، وأتلفت حولي لعلي أباغت المتحرش أو السارق أو الخاطف المفترض، رغم علمي أنه ليس بحاجة للعتمة ليباغتني وهو الآمن في وضح النهار.

 أحفظ رقم فانوس سيارة الأجرة خلسة عن السائق قبل صعودي، وأرسله إلى برسالة إلى زوجي في بلد آخر، فتلك الخطوة الاحترازية أنقذتني من الخطف قبل سنوات. كانت المدينة قد فرغت من ناسها قبل غياب الشمس وفي طريقي إلى جرمانا فوجئت بأن السائق اتخذ طريقاً فرعياً باتجاه جسر الكباس الذي يفضي إلى منطقة مهجورة وخطرة دون تبرير، وحين اعترضت قال بلؤم: "يعني هلأ إذا بخطفك مين في يوقفني، شو فيكي تعملي؟".

أخرجت الموبايل من حقيبتي. حدقت في عيونه بالمرآة،  وأخبرته عن تلك الرسالة. ابتسم ساخراً من سرعة اختلاقي للفكرة. مددت الموبايل بيدٍ مرتعشة أمام وجهه، وطلبت منه أن يقرأ الرقم الموجود في الرسالة المرسلة إلى زوجي، ثمّ شاهدته ابتسامته تتضاءل شيئاً فشيئاً. شد الفرامل والتفت إلي: "هادا رقم فانوسي؟".

أخشى أنّه ينبغي على المرء أن يفقد عقله ليستطيع التأقلم مع الحياة بعد كل هذا الجنون

- نعم، صحيح.

ثم بدأت اختلاق السيناريو: حدثته عما سيحصل إن لم أصل إلى المنزل في الوقت المتوقع، عما يستطيع زوجي فعله بمكالمة واحدة، عن عائلتي ورجالها، ذكرتُ أسماء، واخترعتُ مناصب وعلاقاتٍ ومعارف، وابتسمت وأنا أراقب خوفي ينتقل إليه، وإلى يديه المرتعشتين على المقود، وهو يعود أدراجه،  ويقسم أنه كان يمازحني ويحدثني عن أطفاله وعائلته، ويرجوني ألا "أخرب بيته". أوصلني إلى منزلي سالمة. تظاهرت بتصديقه والإشفاق عليه. خرجت من السيارة وأنا أحمد الله أنه لم يفجع أمي بوحيدتها. تلك الرسالة لم تكن لتجدي حقاً لو اختطفني، فزوجي مطلوب ومتوارٍ، وعائلتي مغضوب عليها برجالها ونسائها، واختطافي لن يكون أكثر من كارثة جديدة تضاف إلى سجل العجز العائلي.

الخوف كأسلوب حياة

اعتقدت يومها أن ذلك أقصى ما يمكن أن أشعر به من خوف، لكنّها كانت البداية فحسب. اعتُقل زوجي بعدها بعامين، يومها غادرت المنزل في الصباح نحو عملي. كانت السماء تمطرنا بالقذائف، وبعد ساعة من وصولي اتصلت بهِ، وسمعت تلك النبوءة السورية الملعونة: "قد يكون الجهاز مغلقاً أو خارج نطاق التغطية"، وما إن وضعت الموبايل على المكتب حتى اتصلتْ بي جارتي صارخةً بصوتٍ خائف متقطع: "شو صاير عندك بالبيت؟".

"يعني هلأ إذا بخطفك مين في يوقفني، شو فيكي تعملي؟"

سؤال يخبر عن مصيبة؛ أسقطت قذيفة في منزلي؟ وحين لاحظت الجارةُ جهلي راحت ترسم لي ذلك المشهد المرعب لأربعة رجال مدججين بالسلاح اقتحموا بيتنا، وقلبوه رأساً على عقب، ثم اصطحبوا زوجي معهم في سيارة ستيشن بيضاء. لم تعد ركبتاي قادرتان على حملي شعرت بالغثيان اتجهت نحو الحمام بأنفاس منقطعة، تقيأت وغسلت وجهي، وقفت أمام المرآة أبحث في عقلي عن سبب لاعتقاله، فلم تكن هذه المرة الأولى، إنما كانت بلا مبرر واضح في تلك الدقائق الأكثر رعباً وأنا أبحث عن احتمالات وأسباب ونتائج.

كنت بحاجة لرأس آخر يفكر معي، اتصلتُ بصديقتي وأخبرتها بما حدث، اتفقنا على اللقاء في مكان عام، غادرتُ عملي ولم أكد أصلُ إليها حتى رنّ موبايلي وكان المتصل زوجي، كان علي في تلك اللحظة استدعاء كل ما أحفظه من شيفرات ورموز لتساعدني على فهم ما يجري فالحديث بطريقة رسمية مختلف عن طرح أسئلة غبية، وكل الكلمات حتى الشهيق بين الحروف قد تحتمل معاني أخرى.

تشظى الأصدقاء والأهل في أصقاع الأرض فوقها وتحتها، وأنا ما زلت هنا أجتهد في إتقان مفردات النجاة التي أغدق بها علينا النظام بعد أن انتصر على كل أشكال الحياة، وسمح لنا بالبقاء في الجحيم شريطة أن نتقن منهاج الخوف الجديد

ثم جاء سؤاله عن آخر تواصلٍ بيني وبين صديقتي، وكان زوجي يعلم أنها باتت في منزلنا في الليلتين السابقتين وفكُّ شيفرة ذلك السؤال يعني أنه علي فتح كتالوغ إنكار الأصدقاء: "التظاهر بالغباء وادعاء عدم معرفة الشخص المقصود، ثم تذكره وكأنه عصي على الذاكرة، والتحدث بما يوحي بسطحية العلاقة، ثم ذمه بحكمة كيلا يستخدم ذلك الذم ضده". كانت صديقتي تجلس أمامي حين قلت بكل ثقة إني لم أتواصل معها منذ أسابيع. ونجحت الكذبة. في تلك الليلة غادرت صديقتي البلاد، وخرج زوجي بعد أن تعهد بإخبار السلطات المعنية في حال جاءت تلك الصديقة لزيارتنا أو تواصلت معنا.

المرة الأولى التي جربتُ فيها تلك الوصفة السحرية كانت في العام 2011 بعد مرور أكثر من أسبوعين على اعتقال إحدى الصديقات. اتصل بي عنصرٌ عرّف عن نفسه وطلب مني مراجعة أحد الأفرع الأمنية، كان مقتضباً وحاسماً ثم أغلق الهاتف، وبدأت السيناريوهات المحتملة ونصائح الأصدقاء، وكان السيناريو الأرجح أنهم في الفرع لا يملكون من الأسباب ما يكفي لاعتقالي، لا شيء ضدي والأمر مجرد "شدة إذن" وعلي التعامل بحكمة واستهبال.

جلست أمام المحقق لمدة نصف ساعة، تحدثت ببراءة عن علاقتي السطحية جداً بأقرب صديقاتي، حتى أشفق على سذاجتي، وبدأ يعطيني النصائح عن كيفية انتقاء الأصدقاء الذين لا يسببون الصداع والمشاكل كالجرجرة إلى فروع الأمن. ثم طلب من أحد عناصره اصطحابي إلى القبو الذي كانت تفوح منه رائحة دماء عفنة. جلست إلى جانب إحدى الزنزانات كتبت تعهداً أملاه علي، أمسك إبهامي ووضع بصمتي على ثلاث أوراق فارغة. خرجتُ من الفرع، وخرجت صديقتي بعدها بقرابة الشهرين.

كانت تلكَ الحادثة جرس إنذارٍ لما سيحصلُ بعدها.

تشظى الأصدقاء والأهل في أصقاع الأرض فوقها وتحتها، وأنا ما زلت هنا أجتهد في إتقان مفردات النجاة التي أغدق بها علينا النظام بعد أن انتصر على كل أشكال الحياة، وسمح لنا بالبقاء في الجحيم شريطة أن نتقن منهاج الخوف الجديد. أتعلم وصل البطاريات، أحفظ مواعيد تقنين الماء والكهرباء، أتفقد الرسائل يومياً بانتظار اسطوانة الغاز، أفاضل بين الإنارة والمروحة والراوتر، ثم أتماهى في العتمة وأصغي لصوت المروحة وهي تدور ببطء شديد، وأشعر بالهلع من فكرة نفاذ البطارية في هذا الحرّ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard