خسرت مجموعتي المفضلة من الأغاني العربية بسبب مواقف أصحابها...

الخميس 7 يوليو 202205:47 م

أحب دوماً أن أسرق وقتاً من يومياتي البرلينية لأنطلق برحلة غريبة في رأسي، رحلة نحو تفاصيلٍ صغيرةٍ أحاول ألا أنساها أو حتى أن أحميها من التشوه، كأن أجرب مثلاً أن أتخيل المشي من منطقة جرمانا إلى منطقة ساروجا في دمشق، مع تذكر كل الشوارع واللفات.

أو أن أعدد أسماء المطاعم وأطيب ما تقدمه.

أو أن أدندن بعض الأغاني التي كانت أنيسة لي في فترات قد مضت.

ولكني دوماً  أفشل في تلك الأخيرة ليس لأنني أنسى الكلمات والألحان، ولكن لأنني خسرت في مجمل ما خسرت هذه المجموعة من الأغاني الناطقة باللغة العربية. فقد صارت الآراء السياسية الغبية والعنيفة والشمولية لأصحابها وصاحباتها بمثابة صك وفاة لهذه الأغاني وذكرياتها أيضاً في رأسي، وصرت بوعي وبلا وعي أحذف قوائم هذه الأغاني من التفضيلات، وأرفقها أحياناً بتبليغ وأحياناً بـ(dislike) وأنا أعلم أن هذه الأفعال لا تغير شيئاً وإنما تعبر عن غضبي.

خسرت في مجمل ما خسرت، مجموعة من الأغاني العربية. فقد صارت الآراء السياسية الغبية والعنيفة والشمولية لأصحابها وصاحباتها بمثابة صك وفاة لهذه الأغاني وذكرياتها أيضاً في رأسي

عبر هذه العملية الغاضبة انتبهت إلى افتقار قائمة الأغاني لدي وشحها وأنه صار لي ولجمع غفير ممن أعرف حيز موسيقي عربي حاد الأطراف، الاشتراك فيه واضح المعالم، والأسماء فيه لا تتزايد إلا بعد فحص وتمحيص، وربما أحياناً تقف قائمة الأغاني عن التوسع لفترات طويلة.

طبعاً يمكن لنا جميعنا أن نتغاضى عن كل الأفكار المتطرفة هذه في حفلات أعياد الميلاد أو حفلات الرقص، ولن يكون من المؤذي لنا أن تحضر أغاني الحب القديمة من "البوب العربي" في التسعينيات، وذلك ولأننا بشكل من الأشكال تضامنا على أن مجموعة الأغاني هذه "تجارية، موسمية، عادية"، بمعنى أننا لم ننتظر من أصحابها شيئاً، ولن يثير استغرابنا صاحبات وأصحاب هذه الأغاني مهما كانوا وكن رماديين ورماديات ومجانين ومجنونات، لأن الحكم عليها كان دوماً أنها أغاني للرقص وستمر حتماً في كل الحفلات.

 تحضر أغاني الحب القديمة من "البوب العربي" في التسعينيات، ضمن حفلات الرقص والأعياد، وذلك ولأننا بشكل من الأشكال تضامنا على أن مجموعة الأغاني هذه "تجارية، موسمية، عادية".

أما تلك الأغاني التي كنت أقصدها، فهي تلك التي كان لكلماتها معنى، ولألحانها حكاية، تلك التي كانت تصلح للرقص، ولكن أيضاً حاضرة لأجل السماع، لأجل الطرب، للجلوس والتأمل، تلك التي أعلنت عليها غضبي حين تماهت كلماتها ومعانيها مع رداءة أصحابها وصاحباتها في لحظات انتظرت منهن ومنهم أن يكونوا ويكن معنا في الشارع، بينما بدوا وبدين باهتين وباهتات على الشاشات الرسمية المنافقة مثلهن ومثلهم.

تلك هي خسارتي الموسيقية، أو ربما ربحي في أن أكون على النقيض منها، ولكن ربحي هذا خلق خوفاً من خسارة المزيد، هذه الخسارة التي جعلتني مهتمة أكثر بمعلومات عن المغنين والمغنيات حيناً وبالتعامي عنها حيناً آخر، والقفز بين الحالتين تباعاً لحذف حزين أو إضافة سعيدة.

ولأن قائمتي قصيرة جداً، ولأن الأغاني التي ترافق الجلي والرقص مختلفة، ولأني صرت مهتمة بالسياق البديل لكل الأفكار السائدة والرسمية، صرت أسمع الراب!

بل أحب بعضه، وأهتم بمتابعة الشبان والشابات الجدد والجديدات وأتلقف أغاني جديدة لمواضيع مختلفة، ولكن أيضاً وبانزياح غريب صرت أحفر في الذاكرة الإنترنيتية عن أغان قديمة، عن أغان تراثية، عن أغان منسية، عن أغان يمكنها أن تملأ النقص بلطافة.

هكذا ومع كل الاستعادة التي تحدث في حياتنا اليوم، للتراث كحيز يشبهنا في الأكل واللبس والحكايات، ويومياتنا في هذه البلاد البعيدة التي لسخرية القدر صارت بعضاً من أكثر الممارسات نفوراً لي هناك، لحظات جميلة وحساسة هنا! 

ولأن قائمتي قصيرة جداً، ولأن الأغاني التي ترافق الجلي والرقص مختلفة، ولأني صرت مهتمة بالسياق البديل لكل الأفكار السائدة والرسمية، صرت أسمع الراب!

حدث معي استعادة جدية للأغنية التراثية، فهذه الجمل الريفية الركيكة أحياناً والمغرقة في مناطقيتها أحياناً، الحساسة مرة والقاسية مرات، صارت ارتباطاً جديداً أساسياً وغير قابل للكسر مع جزء لم يتشوه بعد من ذاكرتي.

بالطبع يمكن وضع هذه الأفكار كلها على أنها بحث محموم عن الهوية، والرغبة بالتمسك بشيء ما من حياة أخرى تبدو اليوم مستحيلة، وأيضاً هوس في الإبقاء على تفاصيل لم تستخدم كبروباغندا سياسية للنظام حتى الآن على حد علمي.

إلا أنني لن أحللها وسأكتفي بأن أسمعها، أدندنها وأحب حينما تستعاد من أصوات شابة مختلفة، ولكن أيضاً أحبها كأغانٍ كانت موجودة في قعر الذاكرة في الحي والشارع. 

بالطبع يمكن وضع هذه الأفكار كلها على أنها بحث محموم عن الهوية، والرغبة بالتمسك بشيء ما من حياة أخرى تبدو اليوم مستحيلة

فلتكن أغنية "يا بنية سكتي" هي ببساطة ملمح عن تعقيدات الحياة في بلادنا وخارجها كنساء حزينات نحمل ندوباً أكثر من ملامح.

وأن تكون "سمرا وصغيرة عالحب" أغنيتي التقليدية والمعتادة عن الحب. 

و"بالفلا جمال ساري" أغنيتي البديلة عن البحث عن وطن. 

كل ذلك مقبول بالنسبة لي ومحتمل، وربما أحياناً غير ذي أهمية، فالأهم أنني ولكل الأسباب السابقة وربما لأسباب أخرى أكثر تفصيلية، أستمع اليوم لتراثنا، وأفكر فيه، وأتمنى معه أن تكبر قائمة الأغاني في موبايلي أكثر فأكثر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard