بين المضحك والمبكي "راحت لبعد العيد" ظاهرة التأجيل مستشرية في الأردن

الخميس 7 يوليو 202202:02 م


الوقت يوضع على الرف لأسبوعين

اللافت في أي سلوك اجتماعي عربي سلبي أنه، بالإضافة إلى كونه معدياً، صريح ومتصالح مع ذاته، بحيث تجد شعوباً عربية معروفة بالإتكالية وشعوباً أخرى "عليها سمعة" أنها لا تحترم المواعيد، وفي نفس الوقت لا نجد أن أبناء هذا الشعب نفسه بنكرون التهمة، مثل الشعب الأردني المتناغم مع سلوكه الاجتماعي المتمثل بالتأجيل. 

الملاحظ في هذا السلوك أنه موسمي ويتزايد في مناسبات محددة خلال العام، إذ تدرج كلمة "أجلها لبعد رمضان" مثلاً أو "خليها للصيف" التي تقال في "عز الشتا"، حتى أن امتحانات التوجيهي لها نصيب من سلوك تأجيل المواعيد حتى انتهائها، وزيادةَ في الغرابة فمن الوارد جداً ألا يكون من يؤجل مواعيده إلى ما بعد الامتحانات فرداً في عائلة طالب/ة التوجيهي؛ لكنها هكذا تقال من وحي العدوى التأجيلية الأردنية. 
المعاملات الإنسانية والإدارية في كل البلد ستتعطل لأسبوع ما قبل العيد، وأسبوع العيد، وعطلة نهاية الأسبوع الملاصقة لها. نحن نتحدث عن أكثر من 14 يوماً تنزل بها إنتاجية البلد تقريباً إلى الحد الأدنى.
خلال هذه الأيام تدرج مقولة "راحت لبعد العيد"، فكأنك تشاهد رفاً في إحدى الدوائر الحكومية وقد تراكمت عليه الملفات الخضراء التي تكاد تلامس السقف، وبطريقة ما تشعرك أن المواطن الأردني "مواعيده من ذهب" مثل محاميي أوروبا الذين يضعون ساعات رملية في مكاتبهم تحدد بدء وانتهاء وقت الجلسة مع الموكلين. 

معنى الحديث أن المعاملات الإنسانية والإدارية في كل البلد ستتعطل لأسبوع ما قبل العيد، وأسبوع العيد، وعطلة نهاية الأسبوع الملاصقة لها. نحن نتحدث عن أكثر من 14 يوماً تنزل بها إنتاجية البلد تقريباً إلى الحد الأدنى.

"عيب عليّ إذا بعرف ليش أجلت"

ظاهرة ترحيل الأردني لمواعيده إلى ما بعد العيد، بها بعض الزوايا المبهمة والأخرى الكوميدية، ناهيك بالزاوية الصعبة التقبل، فمثلاً أن تسمع عن تأجيل حصة رياضية فهذا مبهم وغير مفهوم. الكوميدي أن تعرف أن مشوار المقهى تأجل لأن إظفر احدى الفتيات في الشلة مكسور ولا تريد أن تصلحة إلا ليلة العيد. في المقابل من غير المستساغ أن تسمع عن تأجيل عملية طارئة أو جلسة محاكمة لقضية نفقة، هنا يصبح الموضوع مستهجناً وغير مقبول. 

في هذا التقرير جولة بين المبهم والمضحك والمرفوض لقصص عنوانها "راحت لبعد العيد" في الشارع الأردني، مثل قصة الشاب مازن الفياض الذي وشى لرصيف22 أنه أجل موعد معاملته بطلب قرض تمويلي من البنك إلى ما بعد العيد، والسبب بحسب قوله: "والله عيب علي إذا بعرف ليش أجلت!". 

يضحك مازن ويحاول تفسير الغموض الكامن وراء دافعه لتأجيل معاملة قرضه، ويقول: "لا أدري ما الذي يحدث، تشعرين أن هناك حالة عامة سائدة هذه الأيام تدفعكِ لتأجيل كل الترتيبات الضرورية وغير الضرورية إلى ما بعد العيد. يقول:
"قبل يومين ذهبت إلى البنك بنية البدء بمعاملة قرضي، لكنني عندما نظرت إلى وجه موظف البنك شعرت وكأنه يقول لي: مش وقتك، خليها لبعد العيد". 
"هو مش مفهوم؟ صح مش مفهوم" يسأل مازن ويجيب نفسه في نهاية حديثه معنا، ويرى أن هناك سلوكيات كأنها تأتي "بالرش على سماء الأردن" تسبب العدوى بين الجميع.



"لن أخرج في الأزمة، كل شيء قابل للتأجيل" 


أما ذريعة الشابة منال الحسن بتأجيل موعد لقائها مع صديقتها التي جاءت من قطر لقضاء الإجازة في عمّان إلى ما بعد العيد، فهو أنها "غير مستعدة للقيادة في شوارع عمّان خلال هذه الفترة بسبب الأزمة الخانقة"، فمشاوير منال حالياً تقتصر على مشوارها من منزلها إلى عملها وبالعكس و"نقطة"! 

"شوارع عمّان هذه الأيام تشبه مكعب الماجي" تصف منال سببها لتأجيل لقائها بصديقتها التي مضى عام ونصف منذ آخر لقاء بينهما، تقول: "رتبت أولوياتي هذه الفترة، واعتبرت أن سلامتي النفسية من ضوضاء الأزمة وجنون الشوارع أهم من السلام على صديقتي التي تفهمت سبب تأجيلي لمعرفتها المسبقة بكرهي للأزمة، تخيلي أنني حتى لم أشتر ملابس العيد من السوق، أرحت نفسي واشتريتها أونلاين".  

وتختم: "هكذا تجديننا في الأردن نعطي الأمور أكبر من حجمها، امتحانات التوجيهي نتعامل معها على أنها فيلم رعب، نتعامل مع الثلج وكأننا نعيش في دولة خليجية ليس من الوارد أن تشاهد الثلج، ننعجق ونعجق من حولنا، والآن أيام ما قبل العيد تبدو وكأنها زمن مفصلي يحدد مصير حياتنا قبله وبعده". 

هنالك تأجيلات حتى أصحابها لا يعرفون أسبابها، لكن عندما تصل الأمور إلى ما يؤثّر بشكل مباشر على صحة وحياة، تصبح التساؤلات من نوع آخر.

تأجيلات غير مضحكة: قضايا النفقة والعمليات الجراحية

مثل قصة داليا "اسم مستعار" التي تعاني منذ حوالي خمسة أيام من نزيف حاد خارج من بطانة الرحم جرّاء مشاكل صحية شخّصتها طبيبتها. وضعها الصحي وفق ما فهمته وروته لنا يستدعي إجراء عملية "تنظيفات" لوقف النزيف ولوجود كيس في المبيض قد يتسبب بالانفجار. وبحسب ما أجرته من فحوص طلبتها منها طبيبتها ونتائج تلك الفحوص "من الطبيعي، أن أكون قد أجريت عملية التنظيفات اليوم أو كحد أقسى يوم الخميس القادم"، كما تروي لنا. 

"خليها لبعد العيد" هكذا كان جواب طبيبة داليا عندما سألتها عن موعد عمليتها
وتقول: "أخبرتها أنني لا أشعر بالراحة جراء النزيف المتواصل، حتى لو لم يكن تأجيل موعد العملية خطراً علي، فإني نفسياً بحاجة إلى إجرائها، لكن الطبيبة أصرت على تأجيل العملية إلى ما بعد العيد بحجة أن مواعيدها هذه الأيام متراكمة". 



"لم أقتنع بحجتها" تقول داليا، مرجحة أن سبب تأجيل الطبيبة لعمليتها هو شكل من أشكال السلوك الاجتماعي الأردني هذه الفترة وموضة تأجيل المواعيد، مبينة أن الطبيبة حاولت إقناعها بـ"جدوى" تأجيل العملية بقولها: "أحسن ما تضلك نايمة بالعيد، خلص أجليها". 

وتعتبر داليا نفسها محظوظة لأنها استطاعت أن تجد موعداً لإجراء عمليتها من قبل طبيب آخر، وتقول في ختام الحديث: "الحمد لله أنني لم أضعف لإغراءات الطبيبة بأن ألتهي بفرحة العيد على حساب صحتي". 
تختلف قصة مروة "فضلت عدم الكشف عن اسم عائلتها" عن قصة داليا، لكنها تحوم في نفس الدائرة وخلط "المزح مع الجد" في سلوك تأجيل المواعيد المهمّة إلى ما بعد العيد.
مروة مطلقة ولديها قضية نفقة قد رفعتها على طليقها. ولأن محاميها "مشغول ويستعد للذهاب إلى شرم الشيخ في العيد مع عائلته، أجّل جلسة الاستماع لآخر شهود للقضية إلى ما بعد العيد". 
تقول مروة: "المشكلة أنني علقت آمالاً على الجلسة التي أجلها المحامي، لأنها كادت أن تكون الجلسة ما قبل الأخيرة في البت بقضية نفقتي ونفقة أبنائي، وأنت تعلمين أن جلسات المحاكم الشرعية في الأردن بدون واسطة وبدون عيد أحبالها طويلة". 

وختمت: "يكفي استهتار" واصفة تأجيل المواعيد إلى ما بعد انتهاء عطلة العيد في الأردن بـ"الموضة المقززة!". 

مروة مطلقة ولديها قضية نفقة قد رفعتها على طليقها. ولأن محاميها "مشغول ويستعد للذهاب إلى شرم الشيخ في العيد مع عائلته، أجّل جلسة الاستماع لآخر شهود للقضية إلى ما بعد العيد". 

الـ"ما بعد الأردنية"!


يرى الدكتور في علم الاجتماع وعلم الجريمة في جامعة مؤتة حسين محادين لرصيف22 أن السلوك الأردني الدارج حالياً بتأجيل المواعيد إلى بعد العيد، أنه جزء من الثقافة الـ"ما بعدية الأردنية".
يضيف: "الأردني بطبعه لا يحب الالتزام بالمواعيد، لأن البدوي الصغير في داخله يميل دائماً إلى كسر النظام، ناهيك بشعور الشخص بأنه إذا أجل مواعيد فكأنه فارس قادر على خرق الضرورات والتزامات الآخرين، ففي ذهنه يعتقد أنه الأقوى الذي يجب أن يفوز دائماً". 
ويختم: "علينا أن نؤمن أن الوقت هو عبارة عن ميزانية ويجب أن يكون متوازناً، فاختلاله هو استمرار لسلوك الـ"ما بعدية الأردنية" التي تؤثر تأثيراً مباشراً على أساسياتنا الحياتية". 


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard