مونولوج امرأة قبيحة

السبت 23 يوليو 202201:30 م

حياكة الكلام


 على النافذة المزحة السخيفة لجدران غرفتي الصغيرة كنت أنظر للمارّة، للحكايا المختبئة خلف تلك الوجوه الكثيرة، لحظّ الأشياء الجيد بأن لا وجوه لها.

لا وجه للطاولة، لا وجه للغيمة، لا وجه لقلم الرصاص الذي أفقدته نصفه للتو، لا وجه للفساتين، للملابس الداخلية، لا وجه للساعة.

أفكّر بسوء حظي أنّي أتخيّل وجهاً لكلّ شيء. أكره الوجوه كثيراً، لذلك كنت أخترعها دائماً، أفصّلها على مقاس الرغبة، الوقت، الموت، الحياة، الأسرّة، اللحظات الحميمة، الحزن، اللقاء الأوّل، يا ليتني امتلكت خزانةً من الوجوه وكلّما احتجت وجهاً لأتوازن فتحت درجاً وغيّرت سير الحكاية.

وجوه الناس عبء ثقيل يحملونه، حياة كاملة يحشرونها في كرات أعينهم، في أنفاق أنوفهم ودهاليز آذانهم، والأهم من هذا كلّه تلك الطعمات تحت ألسنتهم، وإن لم تكن وجهك، تأكّد لن يراك أحد، لن يعرفك أحد، لن يرغب بك أحد، لن تحلّق في سماء أحد، ولن تزور إلّا أحلامك البائسة لكنس بقايا مشاعرك ورميها بعيداً عنك.

هنا في هذا العالم النتن البائس يصير القبح هوية، تموت الأحلام على أسرّة الانتظار قبل أن تبدأ، تُرسم الحدود على مقاس انتفاخ الشفاه ولون البشرة وطول الشعر ولونه. مررت كثيراً  ولم ينتبه أحد لي أنا، انتبهوا فقط لوجهي.

 أنا الموجودة تحت كلّ هذا الحطام، أنا التي تحتاجون للنبش لإيجادي، تحتاجون للنظر، تحتاجون للجهد، تحتاجون أنفسكم للعثور عليّ كاملة، كنت أصعب بكثير من أن تجدوني يوماً، كنت أعقد من أن تتحملني عقولكم المربوطة برسن، كنت أجمل من نظرتكم ذاتها، ولكنكم دائماً كنتم أقوى من هشاشتي. غول الخوف داخلي كَبُر أكثر منّي، وسخطي صار أطول من لساني، وحزني أكل أكثر من نصفي،  لكن من أنتم حقيقةً، من خلف وجوهكم؟

الأصابع صوت الشهوة، مفتاح الرغبة، مجاز الحرية، شريكة الليالي الدافئة لامرأةٍ وحيدة. تحت الغطاء في يوم ماطر كنّا معاً، أنا وأفكاري وأصابعي وهو، وفي الصيف كان لدي طفل يشبهه... مجاز

أنا...

أنا، أثدائي الضامرة، مؤخرتي الضامرة، قلبي الضامر.

أنا، حزني الضامر، صوت القهر الخفي.

 أنا، لون الأرق الذي غطّى جلدي.

أنا المسخ البشري نظراتكم الكريهة

عواطفكم النتنة، مشاعركم البائسة، أصواتكم الممحونة. أنا لست أنا. لا وجود لي، لا رائحة لي. أختبئ من الضوء، متفاديةً رفع وجهي. وجهي البشع. وجهي الممسوخ، وجهي خارج مقاييسكم عن الكمال، عن القبول، وجهي أنا ولكنّي لست وجهي، لم أكن لحظةً وجهي، أنا لست وجهي.

 أنا ملايين من الديدان تتفتك بداخلي.

أنا فارغة من الأحشاء، من الأعضاء، فقط أكوام من الأفكار المكدّسة هنا وهناك.

  .مكان القلب فكرة قذرة عن الحب، ومكان المعدة فكرة قذرة عن الطعام مكان كلّ شيء فكرة قذرة عن كلّ شيء، وخلف كل فكرة قذرة نظرة قذرة منكم، من الجميع لا أعفي أحداً من سخطي من غضبي من كرهي

من نحن من خلف وجوهنا؟ من يشكلنا؟

إلى العدم نمشي بثبات جميعاً.

أنا ووجهي القبيح وجسدي الهزيل وحقدي وكرهي وأصابعي إلى العدم. أنا وأنتم وقلوبكم وأصواتكم ونظراتكم إلى العدم.

وجهي كان دائماً بالأرض، قلبي دائماً بالأرض، وعيني لم تعرف يوماً سماء، وصوتي إلى الأرض كذلك، يرتد منها لتتكلم عنّي، كنت دائماً ممتنةً للتراب لأنّه لم يكن مرآة، كنت فقدت صوتي أيضاً.

من بعيدٍ كنت أراقبه، كان بائعاً وسيماً، كنت مثلكم، أشبهكم وأنا أتناول وجهه لأبقى حيّة، وأجعله حطب خيالاتي لأختبر الرغبة.

"أريد علبة سجائر"، أقولها له مترددةً وخائفة.

لم أكن أعرف تماماً لماذا أشتريها، هل أدخنها أم تدخنني، أنفثها أم تنفثني، أنا في فمها أم هي في فمي. حقيقةً لم أجد يوماً فرقاً. فقط أحببتها لأنّها  تحوّل الأفكار إلى دخان، تحوّل قلبي دخان، غرفتي دخان، أختي دخان، أبي وأمّي وجيراني وهو وأنتم مجرّد دخانٍ، دخان.

كان يمدّ يده، فأمدّ يدي وعيني في الأرض، كنت أراه بأذني، وأحاول ابتلاع وجهي مع قلبه. أصابعه كانت المفتاح الوحيد الذي أملكه، لنبقى وحيدين في فراغ ما، فراغ بين عالمين مختلفين، حيث لا تتشوه الحكايا، ولا تحتاج الأميرة أن تكون جميلة، ولا تبكي الفتاة القبيحة بجانب حذاء ضخم من الأحذية بفردة واحدة، ولا يعاقب الأمير بأن يصير ضفدعاً.

أمشي والعالم تحت قدميّ، أمشي والحياة تتلاشى كصوت أغنية بعيدة، أمشي وأنا أقبّل أصابعي.

حمل الأصابع

الأصابع صوت الشهوة، فتاح الرغبة، مجاز الحرية، شريكة الليالي الدافئة لامرأةٍ وحيدة. تحت الغطاء في يوم ماطر كنّا معاً، أنا وأفكاري وأصابعي وهو، وفي الصيف كان لدي طفل يشبهه، طفل جميلٌ بقدر مجيئه من الخيال الفسيح لامرأة مسجونة بوجهها وجسدها وأبيها وأختها.

كانت حرب أبي دائماً مع العصافير، حوّلني إلى عصفورة  مسجونة داخل غرفة صغيرة وقذرة. وهناك لم أكن أفعل  شيئاً إلّا مراقبة سلّة المهملات المليئة بالأطفال الصامتين، الأطفال الذين أصنعهم بأصابعي، وأنتظر أن ينجح أحدهم بالبكاء لأطير... مجاز

كنت أحمله معي دائماً عندما أمشي، أمسكه، ألمسه، أهدهده. أوّل مرة خاف مني، بكى بشدّة، فمحيت وجهي، وحملته، وضعته على صدري، وكنت أنتصر، أشعر أنّي في تلك اللحظة بالذات أنتصر. لديّ طفل ولد من أصابعنا حين تلامست مرّات، لدي رائحة الوجود ذاتها. أنا الآن كما يراني والأطفال لا يرون بأعينهم، ربما بجلدهم بأيديهم بقلوبهم. أنا معه كيف ألمسه، كيف أحبّه. ثدي الضامر صار نبعاً، وجسدي الهزيل بستاناً. أحببته بشدة، كلّ شيء داخلي كان يصرخ. تصرخ عيوني، تصرخ عظامي، يصرخ قلبي حتّى رائحة الحليب كانت تصرخ. لكنكم كنتم أقوى، وبيتي في نهاية الشارع كان أقوى وفي المعركة الأخيرة انتصر، وحزني في نهاية الحلم كان أقوى وصرع لحظة السعادة.

الشارع  الذي مشيته اليوم وكأنّي أمشيه للمرّة الأولى انتصر أيضاً. طفلي لم يكن يملك صوتاً، لم يكن يبكي، ونهاية كلّ يوم كنت أرميه هناك في سلّة المهملات وكأنّه فائض عن حاجة البشر كلّهم، عن حاجتي. أبي بعقله الراجح، أمّي برصانتها، وأختي الجميلة التي تمتلك صدراً بارزاً وصوتاً ناعماً ووجهاً جميلاً وقلباً قاسياً، ما حاجتهم جميعاً لطفل لا يبكي؟

كان لسان الكره ينمو بحذر، حتّى أصبح طويلاً لا يصمت، وحزني كان لديه آذان كبيرة، وشعر أختي لم يتوقف عن اللمعان في الليل، لا حاجة لي بشعرها الطويل، لم أفكّر لحظة وأنا أقصّه وأرميه في سلّة المهملات، اعتقدت أنّها مقايضة عادلة.

كان الصباح التالي الأشدّ حزناً. كانت حرب أبي دائماً مع العصافير، وفي ذلك الصباح هزمها، ومن يومها لم أعرف الشارع، حوّلني إلى عصفورة  مسجونة داخل غرفة صغيرة وقذرة. وهناك لم أكن أفعل  شيئاً إلّا مراقبة سلّة المهملات المليئة بالأطفال الصامتين، الأطفال الذين أصنعهم بأصابعي، وأنتظر أن ينجح أحدهم بالبكاء لأطير.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard