خوذ وفوارغ رصاص وجدران مهدمة.. تركات الحروب والكوارث في سوق الفن

الأربعاء 20 يوليو 202211:00 ص

منذ زمن بعيد جداً، وحتى من قبل أن يتعثر مزارع يوناني عام 1820 بتمثال "فينوس دي ميلو" مقطوع الذراعين، ويقدمه إلى عالم الفن المعاصر، ليتنقل بين جزيرته الأصلية "ميلو" وبين باريس وفلورنسا، ويستقر أخيراً في متحف اللوفر كأحد أهم التماثيل "المشوهة" المثيرة للجدل، كان للفن محاولاته الدائمة لخلق مساحات جديدة في آليات التفكير، فالحياد غير وارد حين يتعلق الأمر بأعمال تخبئ في عمقها نظرة مغايرة لرؤية العالم، وتمارين عملية على معاصرة ـــ حقيقية وغير زائفة ـــ للتحولات العميقة في الفكر والعلوم والمعلومات.

ولم يكن هذا التمثال هو أول من وضع النقاد والمشاهدين أمام فكرة صدامية عن "الجمال المشوه"، لكنه أدّى دوراً في تثبيتها، إذ تذهب إحدى نظريات إلى أن النحات أراد الاحتفاء بالنقص، وتحدّي مفهوم الجمال بصورته الكاملة، فقدم أفروديت دون ذراعيها، تقف مزهوة أعلى هرم الجمال.

من المؤكد أن الفن لم يتوقف عند رؤية أحادية لما هو "جميل"، وفي العصور الأحدث، نوّع أدواته وغيرها وكذلك مسارح تنفيذ الفنون البصرية والتشكيلية، وفي منطقتنا العربية تحديداً، المسرح الأكثر غرابة الذي فرض نفسه كان مسرح الحرب، اقتحمه الفنانون بمشاريع تتنوع توظيفاتها الفنية والدلالية لتبني مشهديات شائكة وغير مألوفة، وكأن ثمة مَيل نحو عقلنة الكارثة وإيجاد معنى ما خلف الصورة المريعة كيلا يصاب العقل بالجنون، مع أن "خالد خليفة" كان قد ترك نصيحة في روايته "الموت عمل شاق"، تقول "إن أفضل الوسائل لهزم الحرب، هي التوقف عن الحديث عنها"، لكن يبدو أن التجاهل لم يكن كافياً أمام حجم الدمار.

"على الطراز السوري"

في الصين، قرر أحد مالكي المقاهي أن يستلهم الديكور الداخلي من مخلفات الحرب السورية ويضعها ضمن إطار فني لافت، تجربة ربما لم يراهن هو نفسه على نجاحها بهذه السرعة، لكن يبدو أن مقولة أوشو أن "الدمار له جاذبية كبيرة جداً" صحيحة، فهذا المقهى اكتسب شعبية واسعة، وصار مقصداً للزوار المتلهفين لالتقاط الصور قرب جدران تبدو كأنها مهدمة بفعل القصف ونيران المدفعيات، وأعمدة متهالكة وأسقف متصدعة. لا نعرف إن كانوا قد جربوا تشغيل ساوند تراك لطائرات حربية تقوم بقصف أبنية سكنية، أو ربما صوت الرشاشات وقاذفات الصواريخ، لكنهم دون شك وضعوا مرآة عاكسة لحالة الإنسان المعاصر الذي بات يعاني من تبلد الحواس وانعدام القدرة على التعاطف مع الكوارث الحقيقية، التي يراقبها من خلف الشاشة، أو تظهر له عرضاً على شكل مشاهد مجتزأة، وهو يـ"سكرول داون" على صفحات الإنترنت.

 قرر أحد مالكي المقاهي في الصين أن يستلهم الديكور الداخلي من مخلفات الحرب السورية ويضعها ضمن إطار فني لافت، تجربة ربما لم يراهن هو نفسه على نجاحها بهذه السرعة، لكن يبدو أن مقولة أوشو أن "الدمار له جاذبية كبيرة جداً" صحيحة، فهذا المقهى اكتسب شعبية واسعة

قلّد العديد من رواد الأعمال هذه التصميمات الداخلية التي روج لها المؤثرون على السوشيال ميديا، وانتشرت مجموعة واسعة من المطاعم والمقاهي والحانات التي صُنفت على أنها "على الطراز السوري، Syrian-style مثل مقهى يُدعى "لا توجد قواعد" الذي روج لنفسه على أنه على "ستايل الحرب السورية" في شياو هونغ شو، بل وبات هذا المصطلح يستخدم أيضاً لوصف الأشياء المتهالكة بشكل عام، ويكفي أن نكتبه على محركات البحث الصينية كي تظهر لائحة من الجدران المكشوفة من الطوب وأغراض وألعاب مدمرة بشكل وهمي.

كما تقترح عدة مواقع صينية للبيع على الإنترنت، على غرار موقع "تاو باو"، عدة سلع على هذا النمط. حتى أن الأمر وصل بالبعض إلى اقتراح مساكن كاملة على "النمط السوري"، كما نرى في هذا المقطع المصور لمستثمر عقاري، يعرض شقة في مدينة غولين للبيع.

هل سنرتدي دماء الناس وجراحهم؟

كانت تجربة تسويقية من هذا النوع قد لاقت صدى معاكساً في بيروت إثر انفجار المرفأ الذي حصل في صيف عام 2020، حيث قامت شركة الحقائب والإكسسوارات VANINA بإطلاق مجموعة حقائب اليد المصنعة يدوياً من الزجاج الذي حطمه الانفجار. بحسب صناع الحقائب، كانت هذه محاولة لبث الأمل والتفاؤل وإهداء إلى ضحايا الانفجار وأحبائهم، لكن زوبعة الانتقادات التي ثارت بعد إطلاق المجموعة، دفعت أصحابها إلى سحبها من السوق والاعتذار عنها.

550 دولاراً سعر الحقيبة الواحدة المصنعة يدوياً من الزجاج الذي حطمه انفجار مرفأ بيروت. هل سنحمل دماء الناس وجراحهم؟

ولم تستطع العلامة التجارية تبرير الصبغة التسويقية التي طغت على المنتج، بعد أن اتهمها كثيرون بالمتاجرة على حساب دم الضحايا ومصائبهم، ولعل السبب يعود للأسعار التي لم تكن في متناول الجميع، فقد بلغ سعر الحقيبة الواحدة 550 دولاراً. وللمفارقة لاقت مشاريع أخرى مشابهة الاستحسان والتشجيع، بل واعتبرت صديقة للبيئة ومحاولة لإعادة تدوير أكوام الزجاج المحطم التي غطت شوارع العاصمة. وقد أشارت التقديرات إلى أن الانفجار في مرفأ بيروت تسبب بتكسير أكثر من 5000 طن من الزجاج.

ومنذ الأيام الأولى التي تلت الانفجار، سارعت بعض الشركات بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني ومجموعات المتطوعين لوضع خطة لتفادي رمي أكوام الزجاج الضخمة في مكبات النفايات. واختارت المصانع التعاون مع مبادرة أطلقها ناشطون بيئيون لإعادة تصنيع الزجاج وتحويله إلى أوان وأباريق وأدوات منزلية أخرى، لا شك أنها دخلت أكثر من بيت لبناني.

سوق الفن

لا يأتي الفن بأجوبة قطعية، فما ينجزه البعض قد لا يحيلنا إلى مرجعيات في ذاكرتنا البصرية، لذلك يتطلب فعل التلقي وعياً خاصاً. وقد نجح بعض الفنانين في مناطق الكوارث، مثل سوريا والعراق وليبيا، في صناعة فن تشكيلي من تركات الحروب والأسلحة والدمار.
هل نكون، دون أن ننتبه، قد بالغنا في "فبركة" صورة رومانسية للحروب؟ خاصة وأن السوشيال ميديا تجتاحها صور قبلات حارة تجمع محبين يفترقان عند النقاط الحدودية، راقصة باليه فوق أنقاض حمص، عناق أمام مبنى متهدم في حلب، وردة تخرج من ركام الرقة، حبة زيتون في شجرة محترقة في إدلب

ضمن مشروع أطلق عليه اسم "الرسم على الموت"، بحث الفنان أكرم سويدان في ركام المباني المهدمة عن بقايا الصواريخ والرصاص بعد عمليات القصف، وعمل على تنظيفها وتلوينها وزخرفتها، ليجعلها تحفاً صغيرة. هو الذي عايش في مسقط رأسه مدينة دوما، كغيره من أهالي الغوطة الشرقية، القصف والجوع والحصار الذي استمر أكثر من 5 سنوات، وفي مفارقة تحمل كثيراً من الدلالة، فإنه على النقيض من شح المواد الأساسية الضرورية للبقاء في أسواق الغوطة الشرقية، بفعل حصار القوات الحكومية لها، كانت تتوافر وبكثرة المواد الأولية التي يقوم عليها فن سويدان؛ إذ "لا يخلو شارع أو حي من فوارغ ذخيرة أو حواضن متفجرات"، كما يقول.

Une image contenant terrain, roche, fermer  Description générée automatiquement

لم يعد الخراب فعلاً ماديا خالصاً، بل حالة ذهنية. ودائماً في إعادة قراءة لوجع وطني من خلال توليفات بصرية، جعل الكثير من الفنانين العرب من مخلفات الحروب، كفوارغ الأسلحة والشظايا والقذائف، مجسمات تشكيلية وفنية تترك لدى من يراها شعوراً يتأرجح بين الرعب والدهشة. وقد اشتهر الرسام السوري الشاب عزيز الأسمر، برسوم غرافيتي على الجدران المدمرة توثق المعاناة والذكريات، وغالباً ما يستعين بأطفال يساعدونه في تلوين الجداريات سعياً منهم لإدخال الفرح إلى قلوبهم. وهناك العديد ممن سبقوه من أهالي كفرنبل وداريا وسراقب، لكنه تميز عنهم بالعمل على مساحات كبيرة.

ولتمام عزام كذلك العديد من أعمال الكولاج والرسومات الرقمية التي لفتت الانتباه على نطاق عالمي، ونذكر على سبيل الخصوص مجموعة أعماله الرقمية "المتحف السوري" التي تستعير مفردات من لوحات عالمية وتدمجها مع صور لمبانٍ سكنية مدمَّرة وبيوت بجدران وغرف مفتوحة ومتصدّعة، بإمكان أي شخص رؤية ما في داخلها. وهنا يحل الدمج والتحريف والإعجاب بالمفارقة محل الانشغال بقسوة الحرب، حين نرى راقصات ماتيس فوق أكوام من الأنقاض وجميلات غوغان في مخيم للاجئين.

Une image contenant bâtiment, vieux, pierre  Description générée automatiquement

"خامات الحرب" أخذت دوراً جوهرياً كوسيط بصري وتقني قادر على خلق محفزات وتأثيرات، ففي العراق ظهر فنانون مثل وسام الفراتي الذي صنع تشكيلاته الفنية أيضاً من بقايا القذائف والأسلحة، واستطاع تحويل بعضها إلى آلات موسيقية، وفي ليبيا كانت المواد الخام للفنان علي الوكواك هي الخوذ الفارغة وفوارغ الرصاص لصنع المنحوتات المعدنية، وفي فلسطين قدّمت ليلى الشوا تجهيزاً بألوان البوب آرت لبندقية AK 47 مشغولة بريش وفراشات ملونة وكريستال شوارفسكي.

ولا نغفل ما يتضمنه مشروع سلسلة "غيرنيكا غزة" لمحمد الحواجري، من جنوح حقيقي لتمرير ما يمكن اعتباره ممتعا، حين يدمج بين لوحات لفنانين عالميين وصور فوتوغرافية من الواقع الفلسطيني. هكذا نجد عاشقي شاغال المحلّقين فوق مدينة "فيتبسك" في سماء القدس المشطورة بالجدار العازل، وتتحول ساحة الباستيل في لوحة دولاكروا الشهيرة "الحرية تقود الشعب" إلى إحدى ساحات المجازر الفلسطينية.

Une image contenant texte  Description générée automatiquement

التحريف يحرّض المتلقي على قبول اقتراحات جمالية غير مألوفة، ربما لأن أحداً لم يعد يرغب في رؤية صور "نيئة" للجثث والحرائق واللاجئين المذعورين. وبحثاً عن بديل مناسب للمشاهد الحية الحافلة بالرعب والألم، أصبح الفن يطرق أبواباً أخرى لمقاربة المأساة، وقد يرى البعض في هذه التجارب قفزة زمنية تشير إلى ما بعد الكارثة، أي أنها في مضمونها نظرة تفاؤلية لاستمرار العيش، ورسالة من المستقبل عن إمكانية تجدد الحياة بعد الدمار.

ولكن، هل نكون، دون أن ننتبه، قد بالغنا في "فبركة" صورة رومانسية للحروب؟ خاصة وأن السوشيال ميديا تجتاحها يومياً صور قبلات حارة تجمع محبين يفترقان عند النقاط الحدودية الأوكرانية، راقصة باليه فوق أنقاض حمص، عناق أمام مبنى متهدم في حلب، وردة تخرج من ركام الرقة، حبة زيتون في شجرة محترقة في إدلب؛ كل هذه الصور التي تُلتقط وتؤطر، لتقول إن الحياة بالفعل استمرت، وأن الموت والدمار لم ينالا من الجميع ـ يتم تداولها بشكل مكثّف حتى صرنا نخشى أن يُلهي الإطار "الجميل" الناس عن المأساة الحقيقية والحيوات التي تتمزق وتتشظى على أرض الواقع.

قد تكون محاكاة الواقع الكارثي أمراً يبعث على الطمأنينة أكثر من الرعب، لأننا نرى المشاهد من الخارج، فالصورة هي "فعل عدم تدخل"، كما تقول سوزان سونتاغ، وبالتالي تُبقي المتفرج على مسافة من الحدث، بل وتُشعره بالرضا عن نفسه بسبب استثارة شعور التعاطف لديه، ولهذا لا تُهاجَم الفنون المستوحاة من الحرب إلا إذا كانت بعيدة عن هذه الاستثارة، كما في حالة المنتجات التجارية، أما بالنسبة للخوف، فمن الواضح أننا لم نعد نخشى سقفاً منهاراً أو فجوة في جدار، وأنه لا شيء يبعث الرعب في الإنسان سوى أخيه الإنسان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard