وصفات الماكرة المسماة "منى وفيق"... نبض وشهوة ولذة وإعادة خلق الأشياء

الخميس 7 يوليو 202211:00 ص

"حين سألوا الشاعر ريفا نسكي - وهو شاعر غير موجود، اخترعته كي يكون لي صديق روسي في حياة غير روسية- عن الشيء الذي يثبت للمرء أنه عاش فعلاً هذه الحياة، كان جوابه: هو أن تفعل كل ما يضمن لك رصيداً من الكراهية يكفيك حتى آخر يوم في عمرك. فقيل له: أليس رصيد الحب أولى وأجدر؟ رد ريفا نسكي وهو يكسر صحناً ويجرح بحافته الحادة معصمه: هو نفس الرصيد، لكن البشر أغبياء بشكل عتيد"، بقلم الشاعر الناقد ريفا نسكي، ترجمه للعربية بشكل رديء، عمر علوي ناسنا.

"الشيء الذي يثبت للمرء أنه عاش فعلاً هذه الحياة... هو أن تفعل كل ما يضمن لك رصيداً من الكراهية يكفيك حتى آخر يوم في عمرك"...

امرأة تضحك حين تقصد البكاء، وتبكي حين تقصد الضحك، امرأة تخبرك أنها شبعت وأنها لا تستطيع أكل حبة شيبس واحدة، فيما يكشف أي منظار للمعدة أنك محشور بالكامل في بطنها. امرأة تكره السياسة فتحرجها بجولة مع الأطفال، حيث بوسع كل طفل (يُقَبِّلُهُ أشهر رئيس دولة) أن يسأل أمه وهو يمسح ما علق بخده من رذاذ الدم: ماما، من هذا الرجل القبيح؟

 امرأة تبدو أكثر من عادية، تماماً كما تبدو أية امرأة تسير في الشارع بهدوء، فيما هي في الحقيقة أخطر جندية من جنود المارينز. امرأة استعار الله أمها كي يلمس الحب، فهربتها في القصيدة كي تريه جريمته التي ارتكبها في حق طفلة لا تكبر.

حين كسرتُ الصحن وجرحتُ بحافة نصفه المكسور معصمي، وضَعَت هي (منى وفيق الشاعرة) كأسها أسفل معصمي، وانتظرت حتى امتلأ نصف الكأس بدمي، فرفعته نخبا وقالت: نخبك أيها الصحن الذي عرف كيف يصير دماً في الكأس ونبيذاً في العروق.

حين عادت لبيتها كتبت ديوانا سمته "حافة حادة لنصف صحن مكسور"، وقدمته لي قائلة: "سيد ريفا نسكي، شربت دمك بالأمس، خذ دمي هو بالكامل هنا، اشرب دمي هو كامل الدسم".

كي تكون شاعراً معناه أن يستطيع الكون التكلم بلسانك، أن تستطيع لحظتك ارتداءك بالكامل. كثير من الشعراء والشاعرات ينشرن شعرهم وشعرهن، ولكنه في الغالب شعر مستعار من لحظة أخرى من جيل سابق، شعر مستعار ومجفف بسيشوار يجعله يقف فوق المنصة كما يليق ببنطلون مكوي عذّبته المكواة، فصار أنيقاً لكنه ميت، لا يمكن مقارنة شعر مكوي بشعر مبلل لامرأة خرجت للتو من تحت شلال هادر.

منى وفيق تكتب شعراً من تحت شلال ماء هادر، وتكتب شعراً وهي تنزلق من فوق الصخور، بصيحات طفلة منبهرة، لا يشغلها السقوط أكثر مما يشغلها ما يفعله الهواء بشعرها.

 لم ينتبه كثيرون للكاميرا التي ترافقها وبها تلتقط الصور، هذه الكاميرا سرّها وكرامتها في الوقت نفسه، للشعراء كرامات كما للأولياء، لكن الشاعر الحقيقي ليست له وقاحة الأولياء في عرض الكرامات في السوق، أحياناً تخرج منى وفيق متأبطة عينها (الكاميرا شرّها البصري) فتلتقط صوراً، لكنها أحياناً تخرج دون أن تحمل الكاميرا، هنا أيضا تخرج كاميرا بدون حزام جلدي، بدون عدسة، تخرج من صدرها قلبها وبه تلتقط الصور، تلتقط صوراً تسميها شعراً، تسميها قصائد.

 في كل حال أنا أعرف أنها تلتقط صوراً بصرية أو شعرية. إن الأمر مندغم متماه متشابك لدرجة أنك لا تعرف الحدود بين ما تلتقطه الكاميرتان. لا توجد حدود فاصلة بين ما تلتقطه العدستان، هي مغرمة بالتقاط التفاصيل، هل قال أحدهم في التفاصيل يكمن الشيطان، منى وفيق تجيب: "في التفاصيل يكمن الإنسان". الكليات تركتها منى وفيق للآلهة، أما الحياة فهي في التفاصيل، يمكن أن ينشغل الناس بكلام حكيم يتحدث عن وجود الله، لكن منى وفيق تنشغل أكثر بشعرة بيضاء في ليل لحيته، ثم تقول: "وحدها تلك الشعرة البيضاء تعرف وجود الله".

امرأة استعار الله أمها كي يلمس الحب، فهربتها في القصيدة كي تريه جريمته التي ارتكبها في حق طفلة لا تكبر

حين أمدتني بديوانها "حافة حادة لنصف صحن مكسور"، قلت إنها ماكرة، لا أحب إلا الشاعر الماكر، في المكر تكمن الأخلاق التي لم يدرسها أحد في المدارس، ماكرة لأنها في العنوان، وهذه لعبتها المفضلة، تمدك بالعنوان ثم تنظر في قلبك لتستبين أي جهة سلبتك، ما هو الهاجس الذي شغلك أكثر: عنف وقسوة وشراسة الحافة الحادة، أم ألم ووجع الصحن المكسور؟ ها أنت الآن في ورطة، ورطة أن كل جرح يخلف حافتين حادتين، هل انتبهت للجرح في وجهك ذلك التي تسميه فما؟ هل انتبهت امرأة للجرح بين فخذيها ذلك الذي تسميه فرجاً؟ ماذا عن الجروح التي لا يراها أحد ولكن لمعة دمع أو لمعة دم في مكان ما من الروح أو الجسد تشي بها للضوء.

حين أمدتني بديوانها "حافة حادة لنصف صحن مكسور"، قلت إنها ماكرة، لا أحب إلا الشاعر الماكر، في المكر تكمن الأخلاق التي لم يدرسها أحد في المدارس، ماكرة لأنها في العنوان، وهذه لعبتها المفضلة، تمدك بالعنوان ثم تنظر في قلبك لتستبين أي جهة سلبتك، ما هو الهاجس الذي شغلك أكثر: عنف وقسوة وشراسة الحافة الحادة، أم ألم ووجع الصحن المكسور؟

هل انتبهتم للمجرمين والمجرمات، تلك الصحون المكسورة، التي تقولون ما أشرس وأعنف حوافها الحادة؟ لكن هل انتبه أحد للكسر، لألم الصحن الذي لم يعد صحناً؟ للإنسان الذي لم يعد يصلح لسكب حساء الحياة فوقه كصحن مكسور، لكنه صار صالحاً ليكون سكيناً، هل يجرح؟ هل يذبح؟ يا إلهي ماذا تريدون للحافة الحادة أن تفعل؟ هل انتبهتم للصحون المكسورة في كل مكان؟ قد تسمعون الصحون التي خلف صوت ارتطامها بالحياة صوتاً، لكن ماذا عن الصحون التي كسرتها يد كاتمة للصوت؟

دعوت منى وفيق لنجلس في المطبخ، قالت: ألا نجلس في البهو؟ قلت: مهلاً أيتها الماكرة، ديوانك يؤكل هنا وأنا سأفضح وصفاتك هنا، كل قصيدة هي وصفة لطبخ معنى ما، كل شيء بمقدار لكن على القارئ أن يكون ماكراً كما الشاعر، لأن منى تذكر المقادير لكنها تخفي ما يخفيه كل طباخ، تخفي الروح، النفس الذي يضاف كآخر رشة فوق الطبخة.

وصفة الشذرة

هذه الماكرة المسماة "منى وفيق"، عرفت أن الشعر يفقد كثيراً من ماء وجهه ودم قلبه ونفسه في الطبخ عندما يترجم، هي تعرف أن ذلك الكثير الذي يسقط منه في هجرته من لغة إلى لغة موصول بالإيقاع تحديداً، الإيقاع لا يمكن أن يترجم، إنه أشبه باللغة الأم لكل قصيدة، ( ستفهمون لاحقاً أن هذا الخطأ لم تنتبه له بعض الآلهة، فأصبحت لنصوصها حافة مكسورة، لم يفلح أحد في تهريب الإيقاع عبر سفن اللغة) لذلك كانت وصفة منى السحرية هي التركيز على الفكرة في النص، الفكرة التي يجري تقديمها بشكل شذري مكثف ينبني على المفارقة الذكية، ثم التركيز على الصورة الشعرية، تستطيع الفكرة الهجرة من لغة إلى لغة دون أن تتفلح أقدامها في الطريق أو تسلبها المسافة قوة عطرها.

نقرأ في الديوان:

"لا أميل للمذهبين

الذهب لا يطيق

إلا أن يستلقي

فوق غيره

ليكون ذهباً".

ترجم هذه الشذرة الذكية القوية لأي لغة لن تفقد شيئاً من قوة الفكرة ولمعة المفارقة. جميع نصوص الديوان الكثيرة تستثمر بشكل ذكي قيام الفكرة على المفارقة غير المسبوقة.

وصفة الإيروتيك الذكي

تقدم منى وفيق ديوانها كدليل كامسوترا شعرية مختلفة ومتفردة، حيث كل ما تعرفه سلفاً لا يصلح سلاحاً للغواية، القصائد التي وظفت الملمح الإيروتيكي كثيرة، لكنها لم تصل إلى ذكاء الكتابة الذي تشتغل به منى وفيق بحرفية غاوية متمرسة، ولعبتها هي الحديث عن الإيروتيك دون الحديث عنه، حيث يمكن لعلبة الفشار أن تكون وضعاً من وضعيات الكامسوترا الشعرية، وهنا أقدم كثيرا من القصائد كوضعيات كامسوترا وكل قراءة غواية وكل تلق شبق:

"كلا

إنه

لا

يلحس

فخذيك

بلسانه

إنه

يصطاد

السمكات

الصغيرات

العالقات

بين

الرمل

و

الموج

هناك".

في هذه القصيدة تضع منى وفيق كل خبرتها الجمالية، سواء على مستوى اقتناص التفاصيل أو على مستوى استثمار بياضات النص، وهنا ينبغي أن يطرح كل واحد السؤال التالي: لماذا جعلت كل كلمة، وأحياناً كل حرف، تستقل بسطر شعري لوحدها، وهو درس لمن لم يفهم بعد أن بياض النص وغرافيته جزء من رهانه الدلالي، جزء مما ينبغي أن ندرك أهميته، العين ينبغي أن تفتح تماماً في كل تجاويف المعنى، المضمون يتكلم لكن الشكل يقول كلمته أيضاً. لماذا تقطر الكلمات على مهل؟ لأنها بصدد نقلك من خبرتك الفاسدة الجاهزة لخبرة تصحح فيها مفاهيمك، إنها تجعلك تتهجى الوضعية كلمة كلمة، وكل مرحلة كل لمسة كل لحظة تأخذ كاملا وقتها.

منى وفيق بصدد نقلك من خبرتك الفاسدة الجاهزة لخبرة تصحح فيها مفاهيمك

"لا يقع أحدكم على أهله، يقول الرسول، كالحمار"، ولكن ليسقط قطرة قطرة. تريد لذة شاهقة؟ سر على الجسد سير الحلزون، تنصت لكل خلية تلمس كل نبض، لا تكن حصاناً يقفز فيترك بياضات لم يشمها أنف الشهوة ولم يلحسها لسان الشوق، لكنك لا تبحث في الجسد عن الذي تعرفه. لا... أنت تكتشف البحر في الجسد، تكتشف السمكات التي ستسميها فيما بعد نبضاً، شهوة، لذة، إعادة خلق الأشياء جزء من القوة الجمالية التي تملكها هذه الماكرة المسماة منى وفيق.

في نص آخر نقرأ:

"بين اللحمتين

الشبقيتين

تقيم

قبيلة

إفريقية

تدق

الطبول".

في هذا النص الذي كتب بمهارة جراح حاذق، تعيد منى وفيق بناء المشهد الإيروتيكي بما يجعل الجسد يسافر نحو الجسد، باحثاً عن شيء لا يمكن أن تلمسه إلا بلغة جمالية عالية الكعب، حيث الجسد ثقافته وتاريخه، وحيث يصبح السفر في الجسد اكتشافاً جغرافياً وثقافياً، وحيث يمكن أن تجد فهداً يرتاح في ظل نهد، وبوسعك أن تلتذ بكوبرا تخرج من بين الشفتين لتلدغك، وحيث يمكنك أن تجد في الشفاه قبيلة أفريقية كاملة تمنحك بدل اللغة صوت حصان. وحيث بوسع امرأة أفريقية أن تقول لك: "أيها الرعديد ها أنا أهرب أمامك كأرنب بري، جرد بندقيتك وأمطرني بالرصاص".

"شفتاك

هما

الوجه الداخلي

لشفتي

كلما قبلتهما

لا تتورم شفتاي

يال الأسف

شفتاك معها

شفرة حلاقة

بحلقة واحدة

فقط

في نص آخر نقرأ:

كنت تنظر إلي من ثقب الباب

والآن

وقد وضعت من الداخل

مفتاحا مكان الثقب

أغلق

رجلي

كي

ربما

أخيرا

تنتبه

إلى قلبي"

تقدم منى وفيق ديوانها كدليل كامسوترا شعرية مختلفة ومتفردة، حيث كل ما تعرفه سلفاً لا يصلح سلاحاً للغواية… كثير من القصائد وضعيات كامسوترا وكل قراءة غواية وكل تلق شبق

تستثمر الشاعرة هنا ملمحا إيروتيكياً هو التلذذ بالنظر من ثقب الباب لملمح جنسي، وتعيد بناء تلصص آخر هو تلصص على القلب، حيث نغلق ثقباً لنفتح آخر، ثقب لا يطل على الجسد بل يطل على الروح، وحيث يمكن للروح أن تسقط ثيابها قطعة قطعة، حتى مطلع الجسد.

أما النص الخارق إيروتيكياً فهو النص التالي:

"انزع بذر الرمان

حبة... حبة

وبلسانك

ناولني ماء ولحم الرمان

قبلة الرمان

لا يجيدها

إلا

شعراء

المتوسط".

ولأني أعرف الذكاء الجمالي الذي كتبت به الكثير من النصوص التي استثمرت هذا المحفل الإيروتيكي، أترك للقارئ أن يطل من ثقب كل قصيدة، ويكتشف بنفسه ملمحين أساسيين حيث تتعرى الروح أو يتعرى الجسد، جسد اللغة تحديداً، وحيث الستريبتيز مسألة تخص اللغة أيضاً.

على القارئ أن يكون ماكراً كما الشاعر، لأن منى وفيق تذكر المقادير لكنها تخفي ما يخفيه كل طباخ، تخفي الروح، النفس الذي يضاف كآخر رشة فوق الطبخة

وصفة التفاصيل

بمهارة مصور يعرف كيف يقيم كاملاً في عدسة كاميرته، تعرف منى وفيق في هذا الديوان كيف تلتقط التفاصيل، التفاصيل الصغيرة جداً، تفاصيل الأشياء، تفاصيل المشاهد اليومية، تفاصيل لا ينتبه إليها أحد، ومنها تصنع محفلاً جمالياً وشعرياً أخّاذاً، وهنا لنتذكر القوة التي رسخها الشاعر الكبير جاك بريفير، بجعله اليومي مسرحاً شعرياً ومصدراً لثراء جمالي ظل بعيداً عن الجماليات التي اجترحها التراث الشعري السابق.

مع منى وفيق كل شيء يمكن أن يتحول لموضوع شعري، لقطة جمالية، يمكن أن تحول أي شيء صغير وجزئي ومهمل لموضوع جمالي، من الآن لا يمكن أن ترتاح فردة حذاء أسفل السرير، قارورة سم لا تكف عن الكلام فوق المكتب، مسدس يتوسّد خشب الدرج بعين مفتوحة، فوطة صحية نظيفة لسيدة قاطعتها العادة الشهرية، يبحث عنها في حاوية الزبالة متشرد، يجرح يده ويبلل الفوطة بدمه ويعيدها إلى مكانها، وعنه تبحث الشاعرة لتجده، فتمص جرح يده بفمها الذي به تقرأ الشعر.

وصفة العناوين

في ديوان منى وفيق العناوين ليست عتبات كما يحلو لبعض الأكاديميين الذين سمموا الدراسة الأدبية أن يسموها، وكما قلت دائماً "من سماه فقد قتله". عناوين منى وفيق هي النص وليست جزءاً من النص، ليست رأسه وليست قدميه، ففي العناق ينبغي أن يختلط كل شيء، كل قصيدة يظهر منها الرأس والقدمان لا يعوّل عليها، ففي كل قصيدة أنت أمام مشهد جنسي فائق الجمال، حيث البطلان لا يعرف أحدهما في العناق يده من يد معشوقه، ولا يستبين صدره من صدره، وقد ينتهيان فيقف كل واحد منهما ممتشقاً جسد الآخر.

وهنا ينبغي أن ننتبه لكثرة العناوين في هذا الديوان، وهو ثراء جمالي لا حدود للدهشة فيه،  ولكم أن تطالعوا هذه العناوين لتعرفوا أننا أمام شاعرة غير عادية تماماً:

"كاندي كراش، قليل الغيوم إلى غائم جزئياً، غير شائعة، دخان مخزن، من باب اللعب، يفسر بالأزرق، عداءة جريحة، صمت العارف، حرج غير قابل للنسيان، لازمة بصرية، بلا أسف، صرخة كاملة، قبلة الرمان، ملاحظة وحسب، معلوم، الأسف وصفة متأخر، مشهد جاد في انشغاله، العرج دليل، كمتألمة قديمة أعرف، واضح،  انتباه أخرس، تصريف شهوة، ألم لا يدركه وصف، المنسيون على حق، يأس كثير، من غير حسد، شغف شهيد، الأحمر يصغي إلى النشيد، من لا يصدق فقد عرف، تشويش لم يعلن عنه النظام، ضائعة في المقاصد، أدرينالين مثلاً، مزحة متوقعة، في اللغة وخارجها، تاريخ صغير موثق، خلاص مشترك، ستريبتيز بالمقلوب، عدالة عابرة، الدائخون في وسط الإيقاع، بلا انتهاء، حكات طينية، ضحكة أحادية، آن فوق بنفسجي، نصيحة باردة، مجرد بلاغة شتوية، سكر مغشوش، عيون غائرة في الماء، من غير إطالة، مرافعة حكاء، إبهام مرفوعة، الحب يضحك فيه سره، مما لن يحدث، عقاب يليق بك، سيرة الكي، بطولة كبيرة عليها، نبض يؤخذ باللون، إيقاع لاحم، قف، وميض جماعي، الخطأ يسأل دائماً، نار بيضاء، مقاس XLARGE8، لسان فصيح، مياو علي، لا أحتاج إلى شكر، الحب خطأ يتكرر، الهارب يعود دائماً إلى مكان الجريمة، ضجر المجيب من السائل، يا أحدهم، نقطة نهائية، نخب المرتد إلى أعلاه، الثعلب الحزين الواقف يميني في صورة بالأبيض والأسود من ألبوم الشعر، في الأمر كذب ما، تنميل معالج، رد للجميل، في إطار دعم برنامج انتخابي، مغلف ورقي يصطدم بصناديق إلكترونية، قسوة لا تترك أثراً، امتنان متأخر، شال من غيم، معجم يصرف بعضه بفظاظة، سحيقة واثقة، كيف كبرياء ساهم في القريب، آخر النكت الشعرية، المعنى في الطرق، وعد محقق، تحية للرجل الداكن، غصة وأكثر، مقامر جيد لا يخبئ شيئاً، مكاشفة فوارة، ما تبقى من سقوط لوجه مائل، ارتطام من بعيد ،تفسخ ناجح، من باب الطيبة من باب السوء، إمعاناً في الغرق، جروح صغيرة، شباك مرمى مثقوبة، إلى الرقص داخل المعنى، شفرة حاذقة، معالجة خاطئة، من فن البرادة، موتان لا ثالث لهما، بقعة دم لم يخرجها أحد من العيادة، أنثى مفردة لامرادفة لها، شماتة مستمتعة بالأسفل، رهان  أقدام مالحة، سقوط آمن ، واقعة تحرش مائية، ثمة أكثر من جناح لتربيته، تحت مرشة فادحة، خروج من باب صغير للبيت اللعبة، درس تقويم، الزومبي في مظاهرة ليلية بينهما، لوحة كلاكيت حائرة، سبورة متطلبة، أنصاف دوائر قطرها صفر، زفير متواصل، النبلاء ينصرفون، مكار مدبر، حلو لية مشتهاة، حادثة عارضة تتكرر يومياً، متفق عليه، أعمق من الدغدغة، تأفف لائق تماماً، بافاروتي يعرف الإجابة، إلى جي بي اس لا يعرف الحب، لا يلتقطهن قمر ،عندما يشتغل نظام الإنذار الفوري، ضوء غير مسموع، ضربة استباقية ضد المرارة ،يد غير معنية بالروموت كونترول، لوعة دامعة، شريك في الوحدة، فوق الصفات، عرض ليس بطيئاً، منتخب القميئين، لحاقا بالنباتيين، هنيئا للرؤوس، إغاظة مقابلة، الضمادات تبتسم ببلاهة، نص طامع في نقشه على نعش، طنين ثنائي، مطبات ليست تنتهي، السبابة والوسطى مقطوعتان، ارفع عني شارة النصر، الفوتوشوب لا ينظر في عيني مخاطبه، عتاب شاهق، من الصفحة الشخصية للشجن، في حال أصالة في التشبيه، اعتذار علني، مازوخية مستثارة، نداء عبر مكبر صوت، غير مسموح بالتعليق".

جعلت منى وفيق من الإهداء نصاً شعرياً مكتمل الجريمة، وهي حيلة جمالية باذخة كي يصير النص أكبر من جسده، وكي تختلط في النص دماء الشاعر ودماء من يهدى إليه النص، لينفتح النص على مداه الكامل

وصفة شعرية الإهداء

يهدي الكاتب نصاً كيلا يتحمل وزره لوحده، لكن منى وفيق جعلت من الإهداء نصاً شعرياً مكتمل الجريمة، وهي حيلة جمالية باذخة كي يصير النص أكبر من جسده، وكي تختلط في النص دماء الشاعر ودماء من يهدى إليه النص، لينفتح النص على مداه الكامل، وقد اختارت أسماء بعينها تمثل مشاهد جمالية تجد أثرها في كثير من الأدوات الفنية التي اشتغلت عليها الشاعرة في هذا الديوان حاد الجمال، ولكني أعرف أن كل الإهداءات في جانب والإهداء للأم في جانب لوحده، حيث هناك إهداء شعري وهناك إهداء وجودي.

وصفة شعرية البياض

في هذا الديوان لا يصبح البياض خارج الدلالة، بل أكاد أقول إنه مكون دلالي وإيقاعي في الوقت نفسه، ولنا أن نلتفت لبعض النصوص التي راهنت عليه بشكل قوي:

أنا

و

أنا

حبتا

بازلاء

في

وعاء

البياض هنا جزء من الرهان الدلالي والإيقاعي للنص، ينبغي أن تعيش الكلمة عزلتها في السطر، وينبغي أن تسقط الكلمات كالمطر، وينبغي أن تقرأ البطء وتقرأ السرعة في ما يتشكل من بياضات النص، إنه البياض الممتلئ تماماً مثلما يمكن لعاشقين أن ينسيا كل ثرثراتهما لكنهما لن ينسيا لحظات صمت ذبحتهما من الوريد للوريد.

وصفة التعريف

تشتغل الشاعرة بذكاء على إعادة بناء معجمها الخاص، معجم يقتات على التفاصيل، على المطبخ، على الموضة، على المواد الاستهلاكية، على الإكسسوارات، على كل التفاصيل التي تحفل بها الحياة اليومية، ليتم عمل زووم شعري عليها بحيث تصبح شيئاً آخر، إن ثقباً في نافذة لا يعني للعابرين شيئاً، لكنه يعني احتلال الشتاء لبيت عجوز فقيرة مقعدة.

- الفصول:

أسلاك

 الأرض

الشائكة

- العرج وجاهة:

عندما يتعلق الأمر بأبي

- الأنثى:

سكة

الحديد

الشبقة

فكن

قطاراً

لا

يلف

عند

الزوايا

تخلق الشاعرة تعاريف جديدة تمكنك من النظر بعينين مختلفتين للأشياء، حيث يمكنك بعد قراءة  هذا الديوان، وبعد أن تقرر المشاركة في مسابقة للتصوير الفوتوغرافي في موضوع العائلة، أن تلتقط صورة لشجرة ودراجة هوائية وكلب ورجل في أقصى يمين الصورة، أن تكتب التعليق التالي على الصورة: "الرجل في أقصى يمين الصورة ليس من العائلة".

يضيق المقام عن بسط كل الجماليات الشعرية التي اشتغلت عليها منى وفيق في ديوانها حاد الجمال من شعرية الضحك مع المقدس بمقدرة طفل، وشعرية بناء المفاهيم بشكل مختلف وشعرية السخرية

يضيق المقام عن بسط كل الجماليات الشعرية التي اشتغلت عليها منى وفيق في ديوانها حاد الجمال من شعرية الضحك مع المقدس بمقدرة طفل، وشعرية بناء المفاهيم بشكل مختلف وشعرية السخرية، ولعل مقالاً آخر سيكون منصفاً أكثر لهذه التجربة الشعرية المختلفة التي صنعت لها جزيرة مفتوحة على كل جهات الجمال، وقد صدقت، فلنصوصها لؤم الدود وصبره العظيم.

حين انتهيت من كتابة هذا المقال كانت منى وفيق تنظر لصحن نظيف على الطاولة كانت قد رأته قبل هذا في نفس المكان، وفيه كنت أضع للقطة طعامها، وغالباً ما تجد منى وفيق بعض البقايا فيه قالت منى بحزن:

- ماتت القطة؟

قلت:

- ومات الصحن

أخذته منى وفيق وكسرته، ونز دم من يدها جرحتها حافة حادة لنصف صحن مكسور، كان الدم الذي ينزف من يدها دم قطتي...

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard