عندما يتمرد الرقيب على الرقابة... رواية بثينة العيسى "حارس سطح العالم"

الأربعاء 26 مايو 202110:09 ص

عندما يتورّط الرقيب في عشق الكتب التي يمنعها، تتسلّل تلك المعاني والعوالم لتسيطر على كيانه، وتسرق منه حالة الراحة والهدوء اللازمين للتلاؤم مع المجتمع القطيعي السائد من حوله.

الرقيب كقارئ جديد

ضمن هذه الأجواء تدخل بنا بثينة العيسى عبر منجزها "حارس سطح العالم" من منشورات تكوين لعام 2019، والحائزة على جائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية عن فرع الرواية لعام 2021، إلى عمق الفكرة التي تغزل خيوط منجزها في استهلال شبيه لاستيقاظ بطل كافكا في رواية "التحوّل"، ذاك الذي استيقظ صباحاً ورأى نفسه وقد تحول إلى حشرة، وأما بطل بثينة العيسى فقد استيقظ صباحاً وقد تحول إلى قارئ وهو الرقيب عليها.

قارئ بكل ما يحفل به معنى القراءة من تواصل مع العالم والتاريخ، مع الماضي والحاضر، وما يعنيه ذلك من استشراف للمستقبل. قارئ يعني ضوءاً منسكباً على الوعي وما يفترضه هذا الوعي من مخالفة للمسموح والأخطار المتعلقة به، وقد نجحت الكاتبة في نقل الخوف والتوجس مما نقرأ، وكأننا نقدِم على عمل خطير وسري، فهذا الوعي هو خطورة بحد ذاته في مجتمعات الطغمة التوتاليتارية المهيمنة، والحل لديها يكمن في تجميد المعنى والبقاء على السطح، والفهم الهامشي للأمور وملامسة قشور الأشياء لا معانيها.

قوة القمع لا تريد غير فهم واحد ومحدود لكل الأمور من دين وجنس وسياسة،التابوهات الثلاثة المحورية للوجود الإنساني

لأن الوقوع في المعنى يعني تحولاً إلى كائن آخر غير قادر على العيش في المجتمع القطيعي، الذي حاكت أستاره بما يشابه عالم جوروج أورويل الذي تنبأ به في روايته 1984، وفي تماهٍ مع عوالمه الديستوبية، حيث الجهات الوصائية تفرض أسلوبها في التقولب والتنميط لكل السلوكيات والأفعال والأفكار والمبادئ، حيث يسود الخوف والرعب من كل شيء محيط بالكائن، نتيجة الأسلوب الخانق والمحطم لكل خصوصية يعيشها الفرد.

يقول رولان بارت إنه ما من كتابة أصيلة على وجه الإطلاق، وإنما هي في الغالب كتابة على كتابة، أو ما اصطلح على تسميته بـ التناص، بما احتوته ذاكرتنا الجمعية من حكايا وقصص سمعناها أو رويت لنا أو قرأنا عنها.

كل نص يتربّع على أنقاض وملامح وإشارات من نصوص أخرى، شفاهية كانت أم مكتوبة، الأمر الذي استثمرته الكاتبة في تجريب سردي، رأينا ملامحه في أعمال متعددة. وكأنها ظاهرة تعتمد على تراكم سير وقصص شكلت ذاكرة حكائية، والاستفادة منه بشكل صريح ومعلن في حشدها لأعمال أدبية سابقة (التحول لكافكا، أليس في بلاد العجائب للويس كارول، زوربا نيكوس كزانتزاكي، 451 فهرنهايت لراي برادبيري، 1984 لجورج أورويل، بينوكيو لكارلو غولدوني، وظل الريح لكارلوس زافون، والمتاهة المكتبة في اسم الوردة لامبرتو إيكو).

وعند غابرييل غارسيا ماركيز أيضاً في "الذيل البارز" للطفلة وكأنه علامة خطيئة ما في علاقة تناصية مع ذيل المخلوق الأخير في مائة عام من العزلة.

رواية بثينة العيسى "حارس سطح العالم": "إياك والوقوع في المعنى، من تصيبه لوثة المعنى لن يهنأ أبداً"، لأن الشخص لا يبقى هو نفسه بعد القراءة، كدلالة على ما يجسّده فعل القراءة من تبدل وتغير على مستوى الوعي والعقل 

أما فكرة وجود الأرانب وتجوالها في مبنى الرقابة، تلك المستعارة من أرنب "أليس في بلد العجائب" وهي تقتفي آثاره في نفق تحت الأرض، فربما هو الأرنب الدليل الباقي للمعنى وللخيال كظلال للأمل الذي لا ينطفئ، في تطويع لحركة شخوصها، والاستفادة من مراميها ورموزها، الذي شكل ذاكرة أدبية جامعة بإدراك واع عندما استهلت عملها بعبارة البرتو مانغويل: القصص جميعها هي تأويلاتنا للقصص وما من كتابة بريئة.

الاستسلام للذهنية الدينية

بثينة العيسى، ورغم أن نصها يدور حول التقييد والخوف من القراءة والوعي، يبدو أنها لم تنج من إسارها في تغييبها لإطاري الزمان والمكان، في قصدية مرونة التعميم على من تطاله الإشارة، وتأويل أوسع للفكرة في تعدد وجوهها المتتالي.

فمن الواضح أيضاً أن الكاتبة لم توجه سهامها النقدية للذهنيات الدينية التي ترى كذلك فهماً واحداً للحياة مستقاة من مراجع الفقهاء، حيث الجهات النافذة في العمل ترفض مفاهيم الجنة والنار، وتصرّ أن الفهم المناسب والمقبول للعالم الآخر هو الذي يوافق أحكامها من الظاهر والسطحي والمقبول والموافق عليه، حتى يكون إنساناً صالحاً ومواطناً جيداً في حرفية المشابهة مع عالم ومجتمع جورج أوريل.

ولم توظّفه محلياً، بالوقت الذي كان يمكن لها الاستفادة منها بإسقاطه على واقعنا، نظراً للفعل الكارثي الذي تفعله المرجعيات الفقهية الداعشية في محيطنا العربي.

قوة القمع لا تريد غير فهم واحد ومحدود لكل الأمور من دين وجنس وسياسة. التابوهات الثلاثة المحورية للوجود الإنساني، ولكن الطفلة المهووسة بملابس الأميرات، غبار الجنيات، حكايات الذئاب مع ليلى وجدتها وطاقة التخيل المحمولة على الروح الفطرية العفوية التي لم تدجن بعد، هي الصوت الصارخ المنفلت من معايير هذه القوة التي يراد لها أن توأد، وأن تندرج في القوالب المصمتة والجاهزة للمجتمع المراد تطويعه.

تصدم الكاتبة بثينة العيسى قارئ رواية "حارس سطح العالم"بأن الكائن الذي تتحدث عنه هو شخصية في رواية تكتبها الورّاقة، في تقنية نصّ ضمن نصّ، وفي تداخل بين الواقع والخيال والتباس الحكاية بين الإيهام والحقيقة

لذا كان مصيرها أن تنتهي في سراديب الإعداد الإجباري في معتقلات إعادة التأهيل. وهنا كان صراع الأب الرقيب القارئ المتورّط بفعل القراءة بالسؤال الحيوي والأكثر أهمية: أيهما الأجدى، إنقاذ الأطفال أم إنقاذ الكتب؟؟ وكلاهما فيه بذور الغد الآتي والمستقبل، وحتى خياره العاطفي بإنقاذ الطفلة، الأمل مغامراً، بتصحيح صحيفته عند أولي الأمر وإعادة الاندماج مع القطيع السائد وقيامه بالوشاية على حقيقة وضع الوراقة، المرأة الكاتبة التي أحبها، فلم يجد نفعاً، لم يساعد ابنته لتنجو من الانتحار ولم يساهم في نجاة الكتب من المحرقة.

هذا الصراع المدمر والبائس قاده لأن يتجرّد من ملابسه كفعل تطهّري، ويلقي بنفسه في لجة النار المشتعلة في حفلة إحراق الكتب التي عمل على تهريبها ردحاً من الزمن، في تصعيد درامي للحدث السردي ومشهدية بصرية فاتنة.

لتعود الكاتبة وتصدم قارئها بأن هذا الكائن ما هو إلا شخصية في رواية تكتبها الوراقة التي سيقت إلى الاحتجاز والتغييب بعد وشايته بها لإنقاذ الطفلة، في تقنية نصّ ضمن نصّ، وفي تداخل بين الواقع والخيال والتباس الحكاية بين الإيهام والحقيقة، في تلمس واضح لتقنيات ما بعد الحداثة لجهة التشكيك والارتياب بالمسلمات المتعارف عليها وتقويض الحقائق السائدة.

"أن تتأقلم هو أسوأ ما يمكن أن يحصل"، قد تكون هذه العبارة هي المقولة التي تريد الكاتبة إيصالها إلى قرائها، لأن فيها ما فيها من امتهان لإنسانية الفرد، وإغلاق بوابة العقل والتفكير، والتسليم بما هو قائم، رغم ما فيه من قلق السؤال: "إياك والوقوع في المعنى، من تصيبه لوثة المعنى لن يهنأ أبداً"، لأن الشخص لا يبقى هو نفسه بعد القراءة، كدلالة على ما يجسّده فعل القراءة من تبدل وتغير على مستوى الوعي والعقل، وكشف للطاقات الكامنة، وتحريض على الابتكار والإبداع.

فقوة الخيال والتخيل لا نستطيع قمعها مهما حاولنا، وهي البقية الباقية من الإنسانية المحاصرة في الحيوات المقولبة والمعلبة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard