الانتماء إلى الأرواح الطليقة… أسامة علام وحكايات الجنون والوحدة في المدن البعيدة

الأحد 3 يوليو 202204:27 م

في مدن الوحدة، أو بالتعبير الأكثر قسوة، في "المدينة الوحيدة" –وهو عنوان كتاب شهير للكاتبة "أوليفيا لانغ" ويصلح عنواناً لكل المدن الحديثة- سيكون أمام المرء طريقتان في الحياة: إما أن يُصبح ترساً في عجلة الحياة، أو أن يُقدم نفسه للوحدة بصمتها وبرودتها، لتغرس إبرها في روحه، وفي الحالتين سيفقد الإنسان ذاته، على أعتاب المدينة. هناك طريق آخر، بالأحرى عالم آخر، تدخله تلك الأرواح الحرة، التي ترفض الخضوع للنظام الصارم، المتعارف عليه في مدن الغرب الأوروبي والأمريكي.

ينتمي الكاتب الروائي المصري أسامة علام الذي يعيش في المهجر، إلى هذه الأرواح الحرة الطليقة، ومن ثم كان عليه أن يدخل دهاليز عالم آخر، يُساعده على تبديد "الوحدة والصرامة، والجفاء"، وكل "موبيقات" المدن الحديثة، التي هاجر إليها منذ سنوات طويلة، طالباً للماجيستير والدكتوراه في الطب البيطري، حتى صار طبيباً شهيراً في عيادتها وتحديداً في مدن أمريكية وكندية.

" أسامة علام، لا ينظر إلى المدن كأبنية مرصوصة وشوارع مرصوفة، ولكن كأساطير حية، عليه أن يُعيد تأويل رموزها، ويستشف معالمها من وجوه ساكنيها"

تجول بل تشرد، أسامة علام في دهاليز العوالم الخفية لهذه المدن، وهي عوالم مصنوعة من "السحر والجنون والخرافة"، فهو لم ينشغل بـ"ناطحات السحاب" التي "تجز ضفائر المطر" بتعبير الشاعر لوركا في قصيدته الشهيرة عن أمريكا، وكذلك لم يقف منبهراً أمام المتاحف الشهيرة، أو حتى كنيسة "نوتردام"، بل إنه يترك كل هذا ليتتبع "بائعة الأحلام"، ومجنون "مونتريال" الذي يصطاد الطيور وهمياً، ويحتفظ في حقيبته الرثة بكتاب "الضوء الأزرق" لحسين البرغوثي، ثم يذهب مع هذا الرجل في زيارة إلى مدينة المجانين، وهكذا ارتمى علام في أحضان عالم آخر، عاش فيه على حدود الواقع والخيال.

وبمخيلته صنع لنا أسامة عالماً مغوياً، انسلت منه حكاياته العجيبة من 12 مدينة، جمعها في كتاب تحت عنوان"طريق متسع لشخص وحيد"، صدر حديثاً عن دار الشروق، بمقدمة للكاتب محمد المنسي قنديل، قال فيها إن "أسامة علام، لا ينظر إلى المدن كأبنية مرصوصة وشوارع مرصوفة، ولكن كأساطير حية، عليه أن يُعيد تأويل رموزها، ويستشف معالمها من وجوه ساكنيها، البشر الذين يلتقيهم في الشوارع والمقاهي وسرعان ما يُقيم معهم علاقة إنسانية ويستمع في صبر إلى بَوْحهم الدفين".


المدينة التي لا تحب أحداً

أمام متحف المتروبوليتان الشهير بنيويورك، تقف فتاة شقراء نحيفة، وفي يدها ماريونت لرجل عجوز، يحكي قصته من جهاز تسجيل صغير تضعه بجوار قدمها، يقول الرجل: أنا والفتاة التي تُحركني، ننتمي إلى أسرة واحدة، تقطن بقرية صغيرة في جورجيا. ساعدتنا ساحرة عجوز على الهرب إلى أمريكا، لكنها طلبت أن يُضحي أحدنا بحياته من أجل الآخر، فقررتُ أن أصبح دمية خشبية، من أجل هذه الفتاة الفاتنة.

تبكي الفتاة، فتحتضنها الدمية، قبل أن تضعها في حقيبة كبيرة بجوارها، لتُخرج ماريونت أخرى لسيدة عجوز، تقول: إنها زوجة هذا الرجل العجوز المهووس، وأنه كاذب، حتى أنه اختلق هذه الحكاية، لأنه يُحب أن يعيش دور الضحية، وأن حفيدتها الرائعة هي السبب الوحيد في استمرارها في الحياة مع هذا العجوز السكير.

تقول ذلك، ثم تلتفت لتحتضن الفتاة التي لا تكف عن البكاء، وهي تضع جدتها الدمية في الحقيبة بجوار الجد المهووس، ثم تُخرج دمية أخرى، هي نفسها الفتاة الشقراء، وحين ترفعها في مستوى رأسها، تنساب من جهاز التسجيل، موسيقى كمنجات حزينة، وتمر الفتاة على المتفرجين الذين التفوا حولها في حلقة دائرية، ثم تضع الدمية التوأم بجوارها، في وضع القرفصاء، وتفتح ذراعيها، فيما جهاز التسجيل يتحدث للجمهور: أنا فتاة صماء تشعر بالوحدة في مدينة لا تحب أحداً. عانقْني فأنا أحبك كشخص مازال قادراً على الحب.

هنا لم يتمالك أسامة علام نفسه، فيسير باتجاه الفتاة، ويقوم باحتضانها، فهو أيضاً شخص وحيد في نيويورك أو المدينة التي لا تحب أحداً، فهي مدينة مقبضة بالنسبة إليه، تشعره بالخوف والضياع ويقول: "لا أعرف سبب خوفي المستمر من نيويورك. فهي أكبر من قدرة عقلي على الاحتواء. مدينة تجبرك على الخضوع لمنطقها الخاص. تعرف قدرتها الطاغية على ترويضك، فلا تسألك عن هويتك. لأنك ستكون بلا شك تفصيلة صغيرة جداً فيها. ستسكن تحت جلدك قهراً. وستترك وشمها الخاص على روحك، دون حتى موافقتك التي لا تعني لها أي شيء".

وفي محاولة بائسة لمصاحبة هذه "المدينة المتوحشة"، يجبر الكاتب نفسَه على زيارتها في أيام عطلات نهاية الأسبوع، يترك سيارته في نيوجيرسي، ويركب الحافلات، مستمتعاً بصحبة الآلاف من العمال الذين يذهبون إليها كل يوم، ويقرر الضياع وسط البشر، ليجد نفسه في "سوق البراغيث"، -وهو منجم لكل ما هو قديم وعجيب-، فتقع عينيه على صورة قديمة بالأبيض والأسود لرجل وزوجته، يشتريها بـ 20 دولار من بائع أمريكي عجوز، ويعلقها في شقته، فرحاً بالصورة المميزة، حتى أنه، سيخبر الأصدقاء بأنها صورة جده وجدته الأمريكيين، لكن هذه السعادة الصغيرة، ستتحول إلى لعنة، فالزوج والزوجة، سيقتحمان أحلام "الكاتب"، ويتسببان له في الأرق، والاضطراب، فيقوم بحمل الصورة، ويذهب بها إلى سوق البراغيث لإعادتها للبائع، الذي ما إن يراه حتى يضحك قائلاً: "تستطيع أن تتركهما هنا، لكني لن أعيد لك نقودك. هذه الصورة أعجب ما أملكه. إنها لأبي وأمي اللذين لم يتوقفا عن التدخل في حياة كل من يعرفونه حتى وهما ميتان".

مكالمات منتصف الليل

في الغربة، وبين جدران "الجبروت الأمريكي"، يبحث أسامة علام عن خرافة ما، وعندما يعثر عليها يصدقها، ويصاحبها، ويتخذها رفيقاً له، كما أنه لا يكتفي بالبحث عن الخرافات، بل يصنعها، بالأحرى؛ يضيف بعداً أسطورياً وهالات من الخيال، على الشخصيات التي تأسره، وكأنه يسحبها من واقعها، إلى عالم اللامعقول، لكن هذا العالم "الخيالي" ليس مجانياً، أو مبتذلاً، بل محكوماً بالبناء الدرامي والفني للشخصيات والحكايات، أي منبثقاً من واقعها.

في مدن الوحدة، أو بالتعبير الأكثر قسوة، في "المدينة الوحيدة" سيكون أمام المرء طريقتين في الحياة؛ إما أن يُصبح ترساً في عجلة الحياة، أو أن يُقدم نفسه للوحدة بصمتها وبرودتها، لتغرس إبرها في روحه

في نيويورك التي لا يحبها، سيعثر أسامة على شقة صغيرة ونظيفة، بعد محاولات مضنية في البحث عن شقة خالية من الفئران والحشرات، وبعد الليلة الأولى، تأتيه مكالمة هاتفية من جاره، الذي يبدي غضبه وانزعاجه من صوت التليفزيون، وبعد أن يغلق هذا الجار الغاضب، الهاتفَ في وجه أسامة، يأتيه اتصالاً آخر من الحفيدة، لتقول له بـ"صوت رقيق": "أرجو أن لا أكون قد أزعجتك. أولاً دعني أعتذر عن مكالمة جدي لك. والآن أستطيع أن أرحب بك كجار جديد لنا. ربما من المربك قليلاً أن أقدم لك نفسي. فنحن جاراك اللذان لن تستطيع أن تُقابلهما أبداً لظروف خاصة تمنعنا من ذلك. لكنك تستطيع بشكل ما أن تعتبرنا نسكن معك. وحتى لا يذهب عقلك بعيداً، فنحن لسنا شبحين أو نعيش داخل عقلك. نحن فقط لنا جسدان صغيران بدرجة لا تستطيع تخيلها".

هذه الكائنات الصغيرة التي لا تُرى بالعين المجردة، كانت سبباً في أن تتحول مشاعر الكاتب تجاه نيويورك من الكراهية إلى الحب، خاصة وهو يُنصت إلى مكالمات منتصف الليل للحفيدة "سوزي"، التي ودعته بباقة أزهار متناهية الصغر، ورسالة رقيقة: "أخرج إلى شوارع نيويورك التي استطعت أخيراً محبتها. أشعر وسط الزحام بأني صغير جداً. تماماً كباقة أزهار غاية في الصغر أقبض راحتي عليها. أشعر بأنني لم أكن وحيداً قط".

زيارة إلى مدينة المجانين

في مونتريال الكندية، سيكون الكاتب على موعد خاص مع الجنون، ليتكشف له وجه مونتريال الإنساني الفاتن، التي تحرص على إخفائه، ككل المدن الحديثة التي تخفي عواراتها الإنسانية وتصدر في الواجهة صور المتريضين مع كلابهم السعيدة.

في شارع سان دوني المزدحم، كان الرجل الأربعيني، بملابسه الرثة، يلقي التحية العسكرية لجندي كندي، تتبعه الكاتب بحماس بالغ، فمن غير المعتاد أن يترك أحد المجانين، حراً طليقاً في مدينة منظمة وصارمة مثل مونتريال. كان الرجل يتحدث لنفسه أو للكاتب: "هناك الكثير من الطيور يا رجل. كل هذه الطيور يجب أن تكون على المائدة".

كان يقول ذلك، وهو يُطلق رصاص بندقيته الوهمية إلى السماء، ويجمع الطيور الميتة في حقيبته التي امتلأت بكتب ولوحات جمعها من صناديق القمامة. ترك الكاتب، الرجل، ليكمل صيده، وراح يفتش في الحقيبة، لتنحبس أنفاسه، حين يعثر على نسخة من كتاب "الضوء الأزرق" لحسين البرغوثي عن مجانين سياتل الأمريكية ومشرديها. ينتبه الرجل إلى الكاتب الذي بدا كمن عثر على كنز، ويأمره أن يتبعه، ليجد الكاتب نفسه في مكان أسطوري، جدرانه مزينة برسومات طفولية، يقول له صديقه المجنون: "أنت تعلم أن وضعك هنا غير قانوني. وربما سيعاقبونك عليه، فنحن في نظرهم غير موجودين، ولا يُسمح بالكشف عنا. لكنك تبدو كالشخص الذي كنا نبحث عنه. أو ربما قدره أن يبحث عنا. فإن لم تخرج الآن بجسدك، فلن يخرج عقلك من هنا أبداً. ستمحو شرطة المدينة عنوانك وبطاقة تعريفك الشخصية. لكنه سيسمح لك بزيارتنا دائماً. وربما تقيم معنا. أنا أدعى الرقم سبعة، وأنت من الآن اسمك نورس.  صمم الكاتب على أن يكمل هذه اللعبة رغم ما قاله الرجل، فهذه "فرصة لن تُكررها الحياة. فمونتريال الأخرى المجنونة التي طالما بحثت عنها تفتح ذراعيها لاحتضانك.

فهل من الممكن رفض الارتماء في أحضان مدينة مجنونة؟ وأثناء جلوسه على مائدة العشاء، بينما كان يأكل الطيور الوهمية، التي اصطادها الرجل، دخل شرطي وشرطية إلى المكان، واقتادا الكاتب إلى عربة الشرطة، ومنه إلى المخفر الذي لم تدم إقامته به طويلاً، بعد أن اصطحبته الشرطية الشابة إلى حجرة التحقيق: "سيد علام، نعلم أنها المرة الأولى التي تذهب فيها إلى المدينة، هكذا نسمي في دوائر الشرطة المنزل الذي ضبطت بزيارته. نسميه هكذا، لأن له القدرة على ابتلاع أعداد هائلة من البشر والذوبان فيه. ويهمني أن أخبرك بأن ما حكاه لك الرقم سبعة عن فقدانك كينونتك كمواطن معترف به من الحكومة، صادق تماماً". وأمام التهديد والجدية في صوت المحققة الشابة، وقع الكاتب على إقرار بألا يعود أبداً إلى هذه المدينة الأسطورية المختبئة في الجوانب الخفية للمدينة.

مصنع الدمى العجيبة

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تلعب فيها مونتريال لعبتها الأثيرة في التخفي والتجمل، فثمة حكاية بعيدة، راسخة في ذاكرة الكاتب، في ركن الذكريات العجيبة، وهي عن "مصنع الدمى العجيبة"، الذي تغيرت هويته، وأصبح قصراً بديعاً يسمى "سانت أمبروزي"؛ فقبل نحو عشرين عاماً، حين ارتحل الكاتب إلى كندا للدراسة، كان يبحث عن فرصة عمل، تعينه على الحياة في الغربة، وعبر مكتب التوظيف، عثر على عمل في مبنى قديم، قاده إليه شاب عربي بسيارته.

وجد "الشاب الطموح" نفسه، في حجرة واسعة، مظلمة، حتى اشتعلت الأضواء المبهرة في سقف المكان، ليجد الكاتب المكان مزدحماً بمئات من العلب لدمى صغيرة في علبها الكرتونية، ومهمته – كما أخبره الشاب- هي أن يقوم باخراج الدمى من العلب، ثم يُدمر هذه العلب قبل أن يقوم بإلقائها في صناديق القمامة، حيث أخبره الشاب بأن: "هذا المكان الواسع كان يوماً ما مصنعاً للدمى، لشركة لم يعد لها وجود بالمدينة. وأن أصحاب المكان يريدونه فارغاً بعد يومين".

"لا أعرف سبب خوفي المستمر من نيويورك. فهي أكبر من قدرة عقلي على الاحتواء. مدينة تجبرك على الخضوع لمنطقها الخاص. تعرف قدرتها الطاغية على ترويضك، فلا تسألك عن هويتك. لأنك ستكون بلا شك تفصيلة صغيرة جداً فيها" 

ومن بين كل الدمى أحب أسامة دمية جميلة، احتفظ بها لابنه الصغير وكتب عليها: إلى أسعد طفل في العالم، لكن الاجهاد والتعب، جعلاه يستغرق في النوم في هذا المكان المهول، ولم يعثر على دمية ابنة، ولأن الزمن يسير فعلاً في دوائر، وبعد أعوام طويلة، يزور الكاتب القصر الذي كان مصنعاً للدمى مع أسرته، ويقف مذهولاً أمام فاترينة بها عدة دمى لأطفال مبتسمين، خاصة عندما وقع نظره على الدمية التي في المنتصف، الذي احتفظ بها لإبنه: "كنت أعرف الدمية التي في المنتصف. كان على طرف العلبة أثر لكتابة محاها الزمن. بخط أحمر رفيع قرأت: إلى أجمل طفل في العالم".

كاتب عجوز يتحول إلى نورس

ومن مونتريال إلى نيوجيرسي، حيث الكاتب العجوز الذي تمنى أن يتحول إلى نورس بعد الموت، يفاجأ الكاتب بـنورس على زجاج نافذته، يوم وفاة صديقه الكاتب، ويقول: "لقد تحققت أمنيتك يا صديقي". ثم يصحبنا الكاتب في رحلته الغرائبية إلى تولوز فهناك المرأة العجيبة، التي تجر عربة أمامها، واضعة عليها لافتة: بائعة الأحلام. يتتبعها الكاتب، فيحكي لها حلماً قديماً يؤرقه، ويُذهب النوم من عينه، فتمنحه حلماً آخر، ينسيه حلمه الأزلي، وهكذا نتجول مع أسامة علام في عوالمه الخفية، إلى أن يحط الرحال في مدينته القاهرة، فيتحول إلى حكاء بل بـتعبيره "ثرثاراً"، بعد أن كان مستمعاً ومتأملاً في ترحاله، وكأنه كان يدخر لمدينته، كل الحكايات التي خبأها من مدن غربته الطويلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard