ينتابني الذعر لمجرّد التفكير في الخروج من "منطقة الراحة"

الثلاثاء 2 أغسطس 202201:33 م

تمرّ في خاطري منذ توظفت، عبارة "عدم المخاطرة هو أكبر مخاطرة". أطردها دائماً من عقلي، وأسعى جاهدةً لئلا أفكر فيها. أمنّن النفس بأنّي تخرجت من كلية الهندسة، وبأنّي حظيت بوظيفةٍ ثابتةٍ "قد تكون حلماً لغيري"، في تلك الفترة. أذكر أنّي وجهت لومي إلى صديقة غالية على قلبي، لأنها اتجهت نحو العمل الخاص آنذاك، انطلاقاً من إيماني بأنّ الوظيفة الثابتة هي الضمان للفتيات اللواتي في مطلع أعمارهنّ. لكن للأسف، اكتشفت لاحقاً أنّ هذه الوظيفة هي تحجيمٌ لقدراتي الكامنة، وتقليلٌ من شأن إمكاناتي الهندسية والفكرية، وأنّ صديقتي كانت على حقّ يومذاك. أما الآن، فإني أرى أنّ هذه الوظيفة اللعينة هي قراري الخطأ، ولعنتي الدائمة. فيها "كل يوم متل الي قبلو"، ولا مجال للتطوير ولا التحديث، ولا حتى الترقية. بينما صديقتي تتطور وتترقي حتى أنها أصبحت مديرةً فذّةً في القطاع الخاص. أجلس لأفكر بيني وبين نفسي عن السبب الكامن خلف تعلّقي بتلك الوظيفة؛ أهو الخوف من المجهول؟

تأتيني في بعض الأحيان فرصٌ للسفر وللتعاقد مع شركات أجنبية وبرواتب مغرية. لكني كنت أرفض تلك العروض من دون أن أعرف السبب الخفيّ لرفضي غير المبرر.

أم أنّه الخوف من الفشل والاصطدام بأشياء غير مألوفة؟
تأتيني في بعض الأحيان فرصٌ للسفر وللتعاقد مع شركات أجنبية وبرواتب مغرية. لكني كنت أرفض تلك العروض من دون أن أعرف السبب الخفيّ لرفضي غير المبرر.
تعرفت في الآونة الأخيرة على مصطلح منطقة الراحة (comfort zone)، الذي يجد الكثيرون فيه راحةً مزيفةً، واستقراراً كاذباً، فيعيش الإنسان طوال حياته، مخادعاً لنفسه وللمحيطين به، ويرمي خلالها البعض كل قدراته الإبداعية ومواهبه الفذّة في سلة المهملات، مقنعاً نفسه بأن الحياة ضمن تلك القوقعة هي الحياة المريحة والسهلة والتي لا تحتاج إلى أي جهد أو تعب، من دون أن يدرك أن تلك المماطلة "والضحك على نفسه"، سيولدان فيه لحظة انفجار من دون أن يدري في أي لحظةٍ أو ساعةٍ ستكون. فهذه الراحة الزائفة تولّد في الإنسان القرف والمقت والملل على المستوى البعيد.
قرّرت أن أستمع إلى الكثير من الندوات التشجيعية التي تدعو للخروج من "منطقة الراحة"، والوسائل والطرق التحفيزية المتّبعة التي تمكّن الشخص من كسر قيود تلك "المنطقة"، كي أمتلك الشجاعة للتملص من تلك الوظيفة المقيتة. أجلس بيني وبين نفسي لأفكر هل دائرة الراحة تلك هي فعلاً منطقة للراحة والاستقرار والأمان؟ فكيف للإنسان أن يخرج عن عاداته وتقاليده وسلوكياته اليومية، ويواجه أشياءً جديدةً غير مسبوقة لم يسبق أن يجربها؟ ينتابني الذعر لمجرّد التفكير في تلك الأفكار والخطط. لقد اعتدت دائماً أن أستيقظ باكراً، وأن أرتّب المنزل وأرسل الأولاد إلى المدارس. أذهب إلى العمل لأعود إلى المنزل، وأدرّس الأطفال وألقي نفسي في السرير. هذا الروتين اليومي الذي يشبه الركض المؤبد في عجلة الهامستر، على الرغم من سذاجته، إلا أني أعدّه مصدر أمنياتي.

قرّرت أن أستمع إلى الكثير من الندوات التشجيعية التي تدعو للخروج من "منطقة الراحة"، والوسائل والطرق التحفيزية المتّبعة التي تمكّن الشخص من كسر قيود تلك "المنطقة"، كي أمتلك الشجاعة للتملص من تلك الوظيفة المقيتة

أرفض كل محاولات عقلي اللا واعي، للثورة على عملي أو الانتفاض فيه. ألجأ إلى المناورات والمقولات المأثورة، كي أُخضع عقلي الباطن للبقاء في دائرة راحته، "وعدم الانصياع لرغباته المرعبة". أسمع الكثير من مقولات التحفيز عن حب العمل "فأقنعه بأن الذهاب إلى العمل يجب أن يكون كالذهاب إلى موعد غرامي"، ثم أُتبع ذلك بمقولة "لولا العمل لمات الإنسان من الملل"، كي أخفف عن نفسي عدم تقبّلي لهذا العمل وكرهي الباطني له.

أرفض كل محاولات عقلي اللا واعي، للثورة على عملي أو الانتفاض فيه.

لكن في المساء وقبل النوم، تأتيني دائماً أحلام اليقظة التي تزعزع كياني، وتزيل كل الأمان والاطمئنان الذي أحاول غرسه طوال النهار، فأتذكر تعبي وسهري في كلية الهندسة، ومعدلي الممتاز عند التخرج، والأمراض والمعاناة التي اعترضتني في سبيل الدراسة والامتحانات، فأنهض من سريري حاقدةً حانقةً. أحضر ورقةً وقلماً لأكتب طلب الاستقالة الذي أعزم على تقديمه في الصباح لمديري الفظّ النرجسيّ (الذي يمنّنني بوظيفة أكرهها وأعلم أنها مصدر شقائي وبؤسي)، وأرسم في مخيلتي صوراً عن دخولي غاضبةً إلى مكتبه، ورميي طلب الاستقالة في وجهه. أشحن ذهني وعقلي بعبارات ومقولات ترفع الأدرينالين وتشحذ الهمم، وتتحدث عن فوائد الخروج من منطقة الراحة وعن جمالية الحياة بعد كسر حاجز الخوف، ومنها مقولة روي بينيت: "لن تغير حياتك أبداً حتى تخرج من منطقة الراحة الخاصة بك؛ التغيير يبدأ في نهاية منطقة الراحة الخاصة بك". 

أنهض صباح اليوم التالي منهكةً من التفكير الزائد والقرارات الحاسمة التي اتخذتها في "أحلام يقظتي"، والتي ستغير مجرى حياتي وتبعث الحماسة والتشويق في مسيرتي المهنية لكن المفاجأة الدائمة التي أنتظرها تكون بالصوت الذي يطنّ في أذني، ويقول لي: "لا تتهوّري..."

أنهض صباح اليوم التالي منهكةً من التفكير الزائد والقرارات الحاسمة التي اتخذتها في "أحلام يقظتي"، والتي ستغير مجرى حياتي وتبعث الحماسة والتشويق في مسيرتي المهنية لكن المفاجأة الدائمة التي أنتظرها تكون بالصوت الذي يطنّ في أذني، ويقول لي: "لا تتهوّري... شغلك ضمانك، يمكن ما تلاقي شغل أحسن". أنهض من سريري مثقلةً متعبةً وكأنّ حملاً يكسر ظهري، لألغي كل قراراتي الحاسمة التي اتّخذتها مساءً، وأمزّق ورقة الاستقالة المزعومة، وأعود لأعتني بنفسي وأذهب إلى موعدي الغرامي الزائف خانعةً راضيةً، على أمل أن تأتيني لحظة الشجاعة تلك التي سوف تنقذني وتخرجني من منطقة راحتي، وتكسر قيود ذلك الروتين الممل القاتل.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard