"أنت مكسور الخاطر"... عن الراحة النفسية في الغربة

السبت 30 أكتوبر 202109:44 ص

لم أحلم بها، ولم أكن أنتظر الحالة التي ينتظرها الناس بقوّتهم كلها. هي حالة عاشرتها، واندمجت معها، طوال أيام حياتي، ولكن دون أن أطلبها، أو يدفعني إليها أحد. هي شيء يخالف القاع، وبعيد تماماً عن هذا المفهوم، أتوقع أنه النقيض من تلك الكلمة.

في بحثي عن كلمة المستنقع، أو القاع، تعددت المفاهيم حول ما تم العمل عليه من ترجمات، ومجلدات تاريخية توثيقية، تدلّ على الفكرة التي بحثت عنها. لكن، في نهاية المطاف، وجدت تفسيراً مختلفاً عما كنت أنظر إليه، ألا وهو ترجمة بعيدة تماماً عن ثقافتي، وجاءتني، وأنا بعيد عن بلد عشت فيه 28 عاماً، تقول لي إني مريضٌ نفسيٌّ!

هل بالفعل أنا مضطرب؟ كنت أرفض الحديث عن هذا الموضوع، وأذمّ كل من كان يقول لي إنني أعاني حقاً من تلك الأمور التي كانت تمرّ بي، خلال السنوات الماضية، والتي قضيتها في الحرب. وبالفعل، اتّبعت الناس في مكاني الجديد، لأسمع منهم، وأقبل أي كلمة توجَّه إليّ، بحكم عدم معرفتي بالمكان، وأن شروطي لا مكان لها من الإعراب.

قبلتُ، ورضيتُ، وسمعتُ أني لا أعاني من مرض نفسي، بل من تراكمات الحرب، التي لم تدعني والسوريين جميعهم، من غير ندوب طالت أرواحنا، أعمق مما لو أنها بقيت في الأجساد فحسب.

قبلتُ، ورضيتُ، وسمعتُ أني لا أعاني من مرض نفسي، بل من تراكمات الحرب، التي لم تدعني والسوريين جميعهم، من غير ندوب طالت أرواحنا، أعمق مما لو أنها بقيت في الأجساد فحسب

"اسمع... أنت مكسور الخاطر"؛ قالها لي من دون أن أشعر بوخزة تحرقني، أو تشعرني بالقلة، وعلمت أن الخواطر لا تُجبَر بالمال فحسب، بل بالكلمة الطيبة، وكانت هذه فرحةً لكل مغتربٍ ترك ما كان عليه، ليصل إلى الضفة الثانية من الحياة التي يعيشها الناس ببساطتها، أو على الأقل ببساطة الخدمات التي فيها، ليركّزوا على ما يريدون أن يفعلوا، فحسب.

قد تكون نظرتنا، نحن الأغراب، طوباويةً شيئاً ما، بالنسبة إلى السكان الأصليين، إذ نراهم بلا هموم، ولا تعب، ولا حرب، وأننا نحن الوحيدين من نعاني، ولا أحد سوانا. غالباً، هي نظرة من خارج الصندوق، إذ جعلتنا الحياة في بلدنا الأم، نبحث كثيراً، ونتمنى، ونسعى جاهدين للوصول إلى كل الأشياء معاً، ومن بينها الخدمات.

وهنا، في بلد اغترابنا، نجد أن كل شيء متوفر، فلا حاجة إلى السؤال عما يؤرّق الناس، ويتخوفون منه، وهذا ما شكّل معضلةً لي في الفترة الأولى. ثم تعلّمت الدرس الثاني، ألا وهو أن الهموم تلاحق البشر أينما حلّوا، وهم يتماشون مع الواقع، حتى يغدوا متجانسين في ما بينهم، وتصبح بعد ذلك عبئاً عليهم، وتمنعهم من البحث، والمضي في هذه الحياة.

أفكار متضاربة، تلك التي يستقبلها السوري في غربته، ولا يعرف من أين يبدأ.

أما الدرس الثالث الذي تعلّمته، فهو عدم البقاء متخوفاً من محيطي. "نعم أنت تضحك، لكنك تخفي الكثير خلف هذه الابتسامة"؛ جملة قالها لي أحدهم، عندما كنا نتحدث عن الوضع الاقتصادي في سوريا. وبعد أن وقعت جملته على مسمعي، ارتبكتُ، واختفت الضحكة من فورها، وأجبته: "في الحقيقة أنا لا أخفي شيئاً، ولكني جديد على الحياة هنا".

لم يعلّق صاحبي الجديد على إجابتي، ورمقني بنظرة العارف، ومضى إلى مكتبه ليتابع أعماله، وتركني في حيرة البحث عما يمكن أن يدور من حولي، وهل أخاف من الناس؟ أو ربما هل يشون بي لأمور لم أفعلها؟ هل هنالك من يريد التقاط كلمة ليوصلها عني، أنا الذي لم أعبث بالكلمات طوال السنوات الماضية، حتى لا يعلم الناس، وحتى الأقرباء، ما يدور في بالي؟

قد يكون البحث عمن يقتنص كلمةً مني، لينقلها إلى الآخرين، هو ما قصده صاحبي، لذا شعرت بعد ذلك بالراحة، لكوني لست مريضاً، وخائفاً، ومعزولاً عن الناس.

أمور عديدة يشعر بها المغترب السوري، دون غيره من المغتربين، والسكان الأصليين، وتختلف من شخص إلى آخر، ولكن القاسم المشترك بينها، هو الأرق من الحالة الجديدة، والتخوّف من المستقبل، لا سيما إن كان لديه طموح يريد تحقيقه، وينظر إلى سوريا من بعيدٍ على أنها جنّة يزورها بين حين وآخر، ويرى شوارعها، ويستنشق هواءها، ويضمّ من يحب، ويمكنه أن يشمّ الياسمين، وحتى التراب، وبعد ذلك يعود من حيث آتى.

أفكار متضاربة، تلك التي يستقبلها السوري في غربته، ولا يعرف من أين يبدأ. تركيزه كله ينصبّ على العمل، أو الدراسة، بحيث يؤمّن مكاناً لينام، ويحصل على طعام يومه، وهذا الأمر يشكّل القاسم المشترك بين غالبية السوريين، لا الفئة القليلة من أصحاب المال الوفير، وهؤلاء، أينما حلّوا يعيشون.

قد تكون نظرتنا، نحن الأغراب، طوباويةً شيئاً ما، بالنسبة إلى السكان الأصليين، إذ نراهم بلا هموم، ولا تعب، ولا حرب، وأننا نحن الوحيدين من نعاني، ولا أحد سوانا

في رحلة البحث عن المستقَرّ والأمان، ناهيك عن حالة عدم الاستقرار التي يفقدها أي مغترب عن بلده، تُلاحَظ أمور عدة، منها عدم الخوض في نقاشات سياسية، سواء مع مواطنيه، أو مع سكان البلد الذي يقيم فيه، ويبتعد البعد كله عن الإساءة، والظهور بشكل مغاير عما كان عليه في سوريا، بالإضافة إلى كسب استحسان الآخرين، وودّهم.

يريد السوري في بلده الثاني، ألا يزعج ويقسو، "يريد سلّته بلا عنب"، حسب المثل السائد في سوريا، وتجده عوناً لذويه في بعض الأحيان، وهذه التفاصيل قلّما كانت موجودةً في سوريا، فترى الحب الناتج عن الراحة والاطمئنان، مبعثاً جديداً للحياة الجديدة، وتأخذنا والمغتربين، في رحلةٍ جديدة، بعيداً عن الأزمات التي كانت تعصف بهم، أيام كانوا في بلدهم.

وأبقى أنا الباحث عن حياة مشابهة لحياة من سبقني، حتى لو كنت متأخراً، فصعوبة المشكلات النفسية، تؤدي إلى الكثير من المشكلات، أما عدا ذلك، فإن الراحة في الحصول على الخدمات الأساسية، تكاد تكون السبيل إلى العمل على تحقيق شيء من ذلك الطموح الذي رسمته منذ زمن.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard