عندما هزمت السقف الزجاجي والأرضية اللزجة وجدران الأمومة

السبت 2 يوليو 202201:50 م

نساء خارج الصندوق


أرسلت لي صديقة تطلب معرفة تجربتي في العمل ككاتبة وتغيير مساري الوظيفي لتضمنها في مقال تكتبه، بعد أن حكيت لها باستفاضة أقرب إلى الفضفضة أكثر من نقل التجربة، وجدتها في النهاية تخبرني: "يارب أبقى زيك". استغربت، فلماذا تريد أي امرأة أن تصبح مثلي؟

أنا فخورة بالتأكيد بمسيرتي العملية، بكل خطوة مشيتها منذ عام 2014 وحتى اليوم، لكني لم أر أبداً أن ذلك شيئاً خارقاً تتمناه زميلة لطيفة تصغرني بسبع سنوات.

لكن هذه الحيرة انكشفت لي بعد قراءة مقال بعنوان "حياة العمل بوصفها بيتاً: قصة الأرضيات والحوائط والأسقف" للين فارادي براش، في كتاب "النسوية وحقوق المرأة حول العالم"، وصفت فيها قصتي بمصطلحات نسوية، لأعرف أني هزمت السقف الزجاجي والأرضية اللزجة وجدار الأمومة التي لم أسمع عنهم قبل هذا المقال، وأن ذلك ما تتمناه صديقتي، لكن لا أنا ولا هي عرفنا ذلك!

سقف النساء الزجاجي

ببساطة، السقف الزجاجي للنساء هو الحد الأعلى لطموحاتهن العملية، يوصف بأنه زجاجي لأنه شفاف، لكنه في النهاية موجود، تصدم به أي امرأة تسعى للترقي عملياً، كلنا تعلونا هذه الأسقف الزجاجية، لا لشيء سوى جيناتنا، لكن دعوني أحكي عن سقفي الخاص.

أنهيت الدراسة الثانوية. رغبت في الانضمام لكلية تسمح لي بالتخصص في الكتابة والصحافة، لا أعلم عن الآخرين، لكني الطفلة الوحيدة التي عرفتها كانت تتمنى أن تصبح كاتبة منذ وعيت بمعنى الدنيا، لكن ها هو السقف يلوح في الأفق.

 رأى من حولي أن ذلك حلماً طموح للغاية، لن أفلح في النجاح فيه، لن أصل لشيء وستكون نهايتي سيئة، لذلك الحل الأسهل هو إدخالي كلية التجارة، مع وعود بدعمي للحصول على وظيفة في شركة خاصة بعد ذلك.

 تضافرت القوى العائلية التي لم تتحد قبل ذلك قط، بالإضافة إلى ما اعتبره الآن ضعف مني في الدفاع عن طموحاتي، ووجدت نفسي متورطة في الدراسة بكلية لا أتذكر الآن حتى أسماء المواد الدراسية الخاصة بها.

الصحافة والكتابة بالنسبة للجميع كانت أعلى من سقفي الزجاجي وسقف الكثيرات كذلك، لكن على الجانب الآخر يميل سوق العمل لاستيعاب الفتيات خريجات كليات التجارة والآداب لتوظيفهن في وظائف لا مجالات كبيرة في الترقي بها، مثل الإدارة والسكرتارية وغيرها من الأعمال التي لا تحتاج إلى الكثير من الطموح، وتحمل مرونة في الوقت تسمح بالزواج وإنجاب الأطفال ورعاية أسرتي المفترضة. تلك هي الحياة المثالية التي رسمتها لي أسرتي.

السقف الزجاجي للنساء هو الحد الأعلى لطموحاتهن العملية، يوصف بأنه زجاجي لأنه شفاف، لكنه في النهاية موجود، تصدم به أي امرأة تسعى للترقي عملياً، كلنا تعلونا هذه الأسقف الزجاجية، لا لشيء سوى جيناتنا... مجاز

حاولت أن أشكل نفسي حتى أعيش تحت هذا السقف، أحنيت قامتي، وقلّصت من مساحة جسدي، لكن روحي كانت دوماً تحلق بعيداً بطموح قديم يظهر إلى السطح كلما يئست من أيامي، ولذلك وبعد تقريباً 12 عاماً من محاولات التأقلم الفاشلة مع سقفي الزجاجي حطمته، جلست على مائدة الطعام، أكتب وأنا مشتعلة غضباً مقالاً بعنوان "عزيزتي الزوجة"، يتحدث عن المتطلبات غير المنطقية والمتناقضة التي تتطلبها أدوارها كأم وزوجة، كنت غاضبة من زوجي، من ابنتي، من أسرتي، لكن الأثقل وطأة، كنت غاضبة من نفسي.

في هذه اللحظة تضافر حسن الطالع مع البركان المستعر في داخلي، ونُشر المقال في موقع غير مدفوع في ذات اليوم، وكانت تلك أول طرقة على سقفي الزجاجي، تكاثرت هذه الطرقات بعد ذلك حتى حطمته تحطيماً برّد القليل من ناري. التحقت بالعمل في أكثر من موقع شهير، وبعد ثلاثة أعوام أصبحت رئيسة قسم في أحدهم، أدير فريقاً تكوّن من أكثر من 40 كاتبة وكاتب، وكلما ظهر لي سقف جديد سعيت لتحطيمه في جذل امرأة عاشت محبوسة سنين طوال، وحان وقت انتقامها الذي وقع على هذا السقف غير المسكين.

أرضية الشكوك اللزجة

إذا كانت سقفك زجاجياً فلا تطمئني للأرضية، فهي كذلك مليئة بالفخاخ!

الأرضية اللزجة مصطلح آخر لكنه عكس السقف الزجاجي، ليس المقصود بذلك هندسياً بالطبع، لكن السقف هو سلاح المجتمع لوقف طموح المرأة، لكن هذه الأرضية هي رمال الشكوك في الذات والمخاوف التي تبتلع هذا الطموح.

إذا كانت سقفك زجاجياً فلا تطمئني للأرضية، فهي كذلك مليئة بالفخاخ!

الكثيرات عندما تصبح أمامهن السبل مفتوحة للمزيد من الترقي الوظيفي توقفهن التساؤلات الذاتية المخيفة حول الصعوبات التي قد يلاقينها، وقدرتهن على إحداث التوازن بين الحياة الشخصية والحياة العملية، الخوف من التمييز على أساس الجنس الذي قد يلاقونه في بيئة العمل، أو مخاطر أخرى مثل التحرش الجنسي أو المضايقات من الزملاء، أو حتى مصاعب جغرافية مثل بعد مكان العمل عن المنزل، أو المواصلات العامة.

أنا كذلك كنت ضحية أرضيتي اللزجة الخاصة. مع مرور تقريباً عام على عملي في رئاسة القسم ظهر أمامي على صفحة فيسبوك إعلان عن دبلوم في النقد السينمائي تابع لجامعة عين شمس. ها هو حلم الدراسة يلوح في الأفق، قرأت كل الشروط التي انطبقت علي، لكن الأمر ليس بهذه السهولة بالتأكيد!

لم تكن التهديدات هذه المرة خارجية، فلا تستطيع أسرتي أن تمنعني الآن، لكنها أتت من الداخل: شكوك في قدرتي على الدراسة مع العمل اليومي، عن التوفيق بين متطلبات ابنتي والخروج ثلاث مرات في الأسبوع لحضور المحاضرات، ثم المذاكرة، الخوف من التقديم ثم الرفض، وبالتالي كسر ثقتي في نفسي المكتسبة حديثاً.

استطعت تجاوز بعض هذه الشكوك بما يسمح للتقديم، ثم النجاح في امتحانات القبول، لكن تلك الأرضية اللزجة ليس من السهل الخلاص منها، فمع كل يوم تنبت زرعة شيطانية جديدة.

مقارنات بيني وبين باقي الزملاء، وقدراتهم/ن على تخصيص أوقاتهم/ن لمشاهدة الأفلام، أو المذاكرة، بينما أنا مثقلة بمسئوليات عائلية وعملية، تصوراتي البائسة لنفسي وقدرتها على المنافسة كادت أن تخرجني منها بالفعل.

لكن مثل أي عقبة أخرى مررت بها، كان الحل في تقسيمها إلى عقبات صغيرة ووضع الهدف الرئيسي جانباً، أصبحت مهمتي ليس الحصول على الدبلوم بتقدير عال، بل بإنهاء كل يوم بأفضل طريقة ممكنة. كان عاما الدراسة هذان هم الأكثر فعالية في استغلال الوقت وإثمار في حياتي.

ترغبين في أن تعملي؟ جميل جداً، لكن احذري، يجب ألا يجعلك العمل تقصرين في مهامك الأخرى، خاصة وظيفتك الأولى والأهم الأمومة، وبالتالي لا يصطدم طموحك فقط بسقف زجاجي، ويخوض في أرضية لزجة، لكنه يُحبس بين جدران الأمومة التي تضيق عليه يوماً بعد يوم... مجاز

 المنافسون أصبحوا حلفاء وأصدقاء، الضغط بين الكتابة والعمل والمذاكرة والمشاهدة خلق مني إنسانة جديدة، أفضل في كل المجالات تقريباً ربما ما عدا صحتي التي كانت ضحية لبعض الوقت لكل هذا الإنهاك الجسدي، لكن خرجت من التجربة شخص أكثر ثقة بنفسه بالتأكيد، وتعلمت تكتيكات جديدة للقفز بين البقع اللزجة الجديدة التي تظهر كل يوم في ارضيتي.

جدران الأمومة العصية على التحطيم

على الرغم من أن المجتمعات الحديثة تشجع على عمل المرأة، إلا أنها تعطي النساء الطموح بيد وتستلّه باليد الأخرى.

ترغبين في أن تعملي؟ جميل جداً، لكن احذري، يجب ألا يجعلك العمل تقصرين في مهامك الأخرى، خاصة وظيفتك الأولى والأهم الأمومة، وبالتالي لا يصطدم طموحك فقط بسقف زجاجي، ويخوض في أرضية لزجة، لكنه يُحبس بين جدران الأمومة التي تضيق عليه يوماً بعد يوم.

هل تعلمين ما هو أول شيء فكرت به بعد تقديمي للدراسات العليا؟ هل تظنين أن الإجابة هل سأنجح أم لا في امتحانات القبول؟

الإجابة هي لا! أول ما فكرت فيه بالطبع -وأول ما يخطر على ذهن أي أم في مكاني- ماذا سأفعل بابنتي ذات الخمس سنوات؟

كيف أوفق بين مواعيد المحاضرات ومواعيد مدرستها؟ ماذا ستفعل خلال غيابي؟ من سيستلمها من أتوبيس المدرسة؟ هل ستكرهني لعدم وجودي معها لوقت طويل كما اعتدنا؟ هل ستكبر وهي تحتقرني، أنا وكل الأمهات العاملات، وترغب في أن تصبح ربة منزل حتى تعكس النموذج الخاص بي؟ وغيرها من عشرات الأسئلة التي تشكل جدران الأمومة كما اسمتها لين فارادي براش.

تحطيم هذه الجدران تطلب مني أن أصبح مرنة للغاية، قمت بعشرات الخطط التي غيرتها مئات المرات، هناك أسابيع كاملة لا أتذكرها الآن، ذهني كان مثل مفكرة مواعيد عملاقة، أدير كل شيء من عن بعد، أنام الحد الأدنى من الساعات يومياً، أو أوجل النوم لنهاية الأسبوع، لا أعرف كيف قمت بكل هذا الآن، لكن قمت به.

لم أعِ سماكة هذه الجدران أو المجهود الذي قمت به لتحطيمها حتى مكالمة هاتفية من أستاذي ومرشدي إلى المرحلة التالية من دراستي الأكاديمية وهي الماجستير، تحدث معي عن المحاضرات التي يجب أن أحضرها لاجتياز المرحلة التمهيدية، محاولاً مساعدتي في إيجاد نقطة توازن بين الدراسة وعملي ورعاية ابنتي، وقلقي بداخلي يتصاعد: هل أستطيع القيام بذلك لسنة إضافية؟ في نهاية المكالمة قال ببساطة: "لكنك قمتِ بذلك من قبل بالفعل"، أتت هذه الجملة برداً وسلاماً على قلبي، لقد قمت بذلك من قبل يا جدران الأمومة العفنة!

أنا لست ساذجة، ولن أضحك عليكِ يا صديقتي أو على نفسي، لقد كسرت سقفاً، وتملصت من أرضية لزجة، ولكمت جدران الأمومة في أنفها، لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فهو مثل طبقات متعددة، كلما حطمت أحدها وجدتِ بعدها آخر، إنه كفاح يومي مكتوب علينا نحن النسوة، أدفع الثمن بالتأكيد، لكن ما حصلت/سأحصل عليه يستحق هذا الثمن وأكثر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard