"فرونت لاين إن فوكس"... مشروع ينقل العالم الخارجي إلى قلب المأساة السورية

الأربعاء 29 يونيو 202205:25 م

قبل أحد عشر عاماً، بدأت الانتفاضة الشعبية في سوريا في ظل تصحّر إعلامي كانت تعيشه البلاد نتيجة القبضة الأمنية المتزايدة من قبل النظام على كل وسائل الإعلام والصحافيين، ولكن مع تطور الأحداث كتوسع دائرة المظاهرات وازدياد الإجرام من قمع وقتل واعتقال، بدأ تسليط الضوء الإعلامي على ما يحصل بالتوسع، بشكل لم تعرفه البلاد منذ عقود، ساعدت في ذلك عوامل عدة، لعلّ من أهمّها وجود وسائل التواصل الاجتماعي.

مع مرور الوقت، انتقل الحراك في سوريا من الحراك السلمي إلى المسلح، ثم أتى تدخل الميليشيات الإيرانية والتدخل الروسي وبقيت التغطية الإعلامية المستمرّة وازدادت مع مرور السنوات إلى أن بدأت بالانحسار، مع تراجع الثورة وقواها وتوزعهم في الخارج وفي شمال غرب سوريا، توازياً مع نهاية المواجهة مع النظام بالشكل الذي كانت عليه بين عامي 2011 و2015.

ساهم انخفاض اهتمام الإعلام العالمي بسوريا، وخروج العالم التدريجي من الملف السوري، في تراجع وسائل الإعلام البديلة التي وصلت عام 2013 إلى 450 وسيلةً إعلاميةً مطبوعةً بحسب تقديرات إعلاميين وناشطين حينها، لم يبقَ منها سوى عدد قليل ومنها من يُصارع للبقاء، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المواقع الإلكترونية والمحطات الإذاعية وقنوات التلفزة.

وأتت جائحة كورونا لتزيد الأزمة، ومع تراجع الاهتمام، ساهمت الجائحة في الحد من الدعم الذي كان يصل إلى منابر معارضة تنطق بواقع السوريين، وتحديداً المعارضين منهم، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية العالمية الناشئة وتبعات حرب روسيا على أوكرانيا التي زادت من تهميش القضية السورية.

ساهم انخفاض اهتمام الإعلام العالمي بسوريا، وخروج العالم التدريجي من الملف السوري، في تراجع وسائل الإعلام البديلة التي وصلت عام 2013 إلى 450 وسيلةً إعلاميةً مطبوعةً

ما الحل؟

وسط كل هذه المعطيات، عاد النقاش في الوسط الإعلامي حول وسائل إعادة القضية السورية إلى دائرة اهتمام الإعلام العالمي، إذ تمّ العمل على عدد من الأفكار والمشاريع لهذا الهدف منها مشروع frontlineinfocusxr، الذي انطلق في عام 2019 كوكالة إعلامية توفر مواد صحافية لمختلف المنظمات الإنسانية والوسائل الإعلامية الأجنبية والعربية من سوريا، واليمن وليبيا.

وفاز المشروع في تحدي الابتكار من غوغل 2021، كأوّل مشروع سوري يحصل على هذه الجائزة، وكان التحدي هو العمل على إنتاج مواد إعلامية من مناطق الحروب والنزاعات وبشكل خاص من سوريا باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز.

بحسب هديل عرجة، الشريك المؤسس في المشروع والمحررة الأولى فيه، "يعمل المشروع على توفير تجربة الواقع الافتراضي في مناطق الحروب والمناطق التي يصعب الوصول إليها وهي أول منصة رقمية توفر تجربة VR خاصةً للصحافيين والموظفين في المنظمات عن طريق نقلهم إلى مناطق لا يمكنهم الوصول إليها وإنشاء اتصال حقيقي معها من خلال فريق من المراسلين المحليّين المدربين على استخدام مختلف الأدوات التكنولوجية الحديثة من معدات تصوير ومونتاج".

يسعى القائمون على المشروع إلى أن يكون نافذة العالم على الخطوط الأمامية من الصراعات والتي يصعب الوصول إليها، عن طريق تصوير قصص تلك الخطوط بتقنية الواقع الافتراضي التي تنقل كامل الصورة ويركز المشروع على القصص الإنسانية كالنزوح والفقد والمعاناة وخاصةً قصص النساء والأطفال بالإضافة إلى قصص الوجه الثاني للحرب وهي الحياة التي تصارع لتبقي حيزاً لها في بلاد تعصف الحرب فيها منذ سنين.

الأهداف والواقع

بحسب عرجة، "كان من أهداف المشروع إيصال الصوت عبر إنتاج قصص من مناطق سوريا كافة، كإدلب وريف حلب بشكل أساسي، بسبب كون المنطقة مسرحاً للأحداث بالإضافة إلى مواد من مناطق أخرى في سوريا كدمشق وريفها والمنطقة الشرقية".

تضيف: "بعد عام من انطلاق فرونت لاين، أسسنا مشروع tiny hand (يد صغيرة)، وهو موقع إعلامي متخصص بقضايا الأطفال في مناطق الحروب والنزاعات، والهدف من هاتين المنصتين توفير مواد إعلامية بالاعتماد على مختلف الوسائل التكنولوجية ليشعر القارئ أو المشاهد بأنه جزء من الحدث، وأن مرور وقت طويل على حرب في منطقة ما، لا يعني انتهاءها بل على العكس هي مستمرة والأشخاص في الخطوط الأمامية يعانون يومياً من تبعاتها عليهم".

تروي هديل قصة خروجها من سوريا كصحافية وأسفها الشديد لما حل بأبناء بلدها وخاصةً بعد دخول الحرب في سوريا عامها الحادي عشر، تقول: "كان لا بد من إيجاد طريقة جديدة للفت الانتباه إلى ما يجري هناك وما يعانيه النازحون والمتضررون من الحرب، وقمنا بذلك من خلال توظيف تقنيات الواقع الافتراضي ولتنفيذ ذلك قمنا بتدريب مراسلين محليين على استخدام كاميرات تصوير مخصصة لتصوير 360، وكل ما له علاقة بتقنيات العمل هذه".

"فرونت لاين" مشروع شبابي يحاول أن ينقل المعاناة السورية كما تحصل على أرض الواقع مستفيداً من تقنية الواقع الافتراضي، كي لا تبقى المأساة داخل حدود بلاد يبدو أن العالم قرّر أنها لم تعد أولوية

وبحسب مواقع تكنولوجية، فإن تقنية الواقع الافتراضي، هي تقنية تصوير وعرض تستطيع من خلال المرئيات المصورة من خلالها الالتفات والنظر في جميع الجهات مع تغيير المشهد بناءً على زاوية التفافك عن طريق نظّارات الواقع الافتراضي أو من خلال استخدام إصبعِك لتوجيه الصورة أو الفيديو، وباستخدام تقنية التصوير 360 درجةً يشعر المشاهد بأنه جزء من القصة، وكأنه شاهد عيان لما يحدث في داخلها، كأنّه كان موجوداً حين التقاطها.

والجدير ذكره أنّ ما زاد من انتشار هذه التقنية دعمُها من مواقع التواصل الاجتماعي، مِثل فيسبوك ويوتيوب وغيرها من المواقع الشهيرة، إذ أصبحت متوافقةً مع هذه المنصّات كما تُعدّ شركة غوغل واحدةً من أكبر مطوّري هذه التكنولوجيا.

برأي عرجة، فإن "توظيف الواقع الافتراضي في إنتاج هذا النمط من القصص الإنسانية سيردم الفجوات بين ما يحصل على الأرض وبين العالم في الخارج الذي يعتقد أن الأزمة انتهت في سوريا وأن توقف ضخ الأخبار بكثافة من منطقة حرب لا يعني أنها تعافت، بل على العكس الوضع سيئ إذ يزداد عدد النازحين والأطفال المتسربين من المدارس، كما ارتفعت نسبة الفقر في البلاد. كل هذه قضايا نعالجها باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي لننقل العالم الخارجي إلى قلب الحدث ليعيش تفاصيله ويدرك أن الأزمة في سوريا لم تنتهِ، بل تفاقمت".

كيفية العمل

ويعمل فريق "فرونت لاين" في اتجاهين، الأول إنتاج مواد إعلامية خاصة به، والثاني يتم إنجازه بعد الاتفاق مع وسيلة إعلامية معينة أو منظمة إنسانية وفق احتياجاتها، إذ يتم الاتفاق على الفكرة ومن ثم يتم تنفيذها.

تشير هديل إلى أن الطريق لم يكن سهلاً بسبب الصعوبات الكثيرة التي واجهتنا للوصول إلى هذه المناطق، حيث يواجه الصحافيون والمراسلون العاملون مع وسائل الإعلام المختلفة تحدياً للوصول إلى القصص وتغطيتها في مناطق النزاع بالإضافة إلى إدخال المعدات المناسبة إلى مناطق الحدث، فضلاً عن القصف أو المخاطر التي قد يتعرض لها الفريق الميداني، وتضيف: "نحن اتخذنا خيارنا بالعمل في مناطق النزاع وتغطية أخبارها لذلك أصبحت هذه الصعوبات جزءاً من عملنا اليومي".

وذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها السنوي هذا العام الصادر في اليوم العالمي لحرية الصحافة، أن "كافة أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا انتهكت العديد من قواعد وقوانين القانون الدولي لحقوق الإنسان في المناطق التي تسيطر عليها، وبشكلٍ خاص حرية الرأي والتعبير، مثل المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (19-2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما انتهكت العديد من قواعد وقوانين القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها القاعدة 34 من القانون العرفي التي توجب احترام وحماية الصحافيين".

يقول خليل العشاوي، الشريك المؤسس أيضاً وهو كذلك عمل في التصوير ضمن المشروع: "أتتنا فكرة المشروع لأنه في أثناء التغطية الميدانية كنا نشعر بأن الكاميرا العادية كانت تنقل الصورة من زوايا واحدة ونحن كانت لدينا الرغبة في أن يرى العالم الصورة وقصّتها من جميع الزوايا ليرى الناس المهتمون بالحدث السوري جميع التفاصيل التي تعجز اللقطات التقليدية عن نقلها ومن هنا بدأنا بالمشروع".

فكرة المشروع أن يرى الناس المهتمون بالحدث السوري جميع التفاصيل التي تعجز اللقطات التقليدية عن نقلها في مناطق تعاني من الحرب وتبعاتها

ويضيف: "ما زلنا مستمرين بالرغم من مواجهتنا بعض التحديات والتي تكمن في وجودنا في منطقة حرب ومنها أن التنقل بين مكان وآخر فيها صعب وأحياناً مستحيل وكذلك الحصول على موافقات للتصوير، وخاصةً في المناطق التي تُعدّ عسكريةً أو أمنيةً، والتحدي الأبرز كان الموازنة في التغطية من خلال تدريب شبكة مراسلين لتغطية ميدانية من مختلف المناطق إذ كانت هناك صعوبات في جمع المراسلين في مكان واحد لتدريبهم".

نقل المأساة

بالنسبة لخليل، القصص المرتبطة بالأطفال دوماً تُعدّ الأصعب، فهو ما زال يذكر قصة الطفلة نايا التي خسرت بسبب القصف والدتها ووالدها وشقيقتها وهي تعيش اليوم مع جدتها، فـ"الطريقة التي روت فيها الطفلة التي لم تتجاوز الحادية عشرة من عمرها معاناتها وما فيها من حرقة ووجع مستخدمةً تعابير أكبر من عمرها كان مصدر ألم كبير بالنسبة إليّ، ولكنه أيضاً كان مصدر إصرار على متابعة هذه المشروع لإيصال قصص آلاف الأطفال الذين لا تقلّ معاناتهم عن معاناة نايا".

وتقول منظمة "يونيسيف" في تقرير صادر في أيار/ مايو الماضي، إن "ملايين الأطفال السوريين يعيشون في خوف وحاجة وعدم يقين، سواء في داخل سوريا أو في دول الجوار، فأكثر من 6.5 مليون طفل في سوريا يحتاجون إلى المساعدة، وهو أعلى رقم جرى تسجيله منذ بداية الأزمة السورية المستمرة منذ أكثر من 11 عاماً".

وبحسب إحاطة المبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، أمام مجلس الأمن الدولي، فإن سوريا تعاني من حالة من الجمود، معاناةً شديدةً، فعدد الأشخاص المحتاجين هو الآن أكثر من أي وقت مضى منذ بداية الصراع. وسيعتمد 14.6 مليون شخص على المساعدات الإنسانية، وهذا أعلى بنسبة 9 في المئة عما كان عليه العام الماضي، و32 في المئة أكثر من العام الذي سبقه حسب إحصائيات الأمم المتحدة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard