عن الكوميديا التي لا تموت وتشابه المصائر والنهايات

الجمعة 15 يوليو 202211:34 ص



في أحدى مرات استماعي إلى لقاء إذاعي ضيفه إسماعيل ياسين، وجدته يقول إنه يحب المسرح أكثر من السينما، وأن مسرحه - الذي لا يلقى دعماً من الدولة لكونه مسرحاً خاصاً - سيظل مستمراً بالعمل فيه، رغم كونه لا يضيف له ربحاً وإنما سعادة، وبحد قوله إن المسرح " آلة حية" بينما السينما "آلة صامتة".

استرجعت هذا التعبير حينما سمعت لقاء لسعيد صالح يقر فيه بحبه للمسرح وعدم اكتراثه بالسينما، وأنه استفاد من أخطاء إسماعيل ياسين الذي وضع مسيرته رهناً للمنتجين، بينما سعيد كان أكثر حفاظاً على فنه في نظره.

ثم نشأت تلك المقارنة توّاً في خيالي، ما الذي يجمع سعيد صالح وإسماعيل ياسين جنباً إلى جنب في كل عيد على شاشات التلفاز؟ كيف اختلفا وتشابها رغم فوارق عدة، كآليات صناعة الفن وتباعد الأجيال؟ وإلى أي مدى رسخ كل واحد منهم مدرسته الخاصة في الكوميديا، حتى أصبح للإفيه "ماركة" خاصة تعرفها فور السماع، بل يظل الإفيه يضحكك حتى لو كنت تحفظه أو تردده معهما.
طوال سنوات مشاهدتي لسعيد صالح، لم أستطع ولو لمرة واحدة اختزاله في حالة معينة، حينما أنظر إلى سعيد صالح أشعر أن قلبه كعينيه، كلاهما باكيان على الدوام، دائماً ما أحّسه كطفل ضاع في الطريق، ولكنه يحمل مشاعره النقية وفنه على كفيه أينما حّل

الخروج عن النص

طوال سنوات مشاهدتي لسعيد صالح، لم أستطع ولو لمرة واحدة اختزاله في حالة معينة أو في جملة تكتب كعنوان رئيسي لحياته، كانت موهبته وطباعه أبعد من أن يختزلا، حينما أنظر إلى سعيد صالح أشعر أن قلبه كعينيه، كلاهما باكيان على الدوام، دائماً ما أحّسه كطفل ضاع في الطريق، ولكنه يحمل مشاعره النقية وفنه على كفيه أينما حّل.
بدأت علاقتي بسعيد صالح، الذي لا يختلف كثيراً عن سلطان السكري، عند مشاهدتي لمسرحية "العيال كبرت"، وكأنهما وجهان لعملة واحدة، لسلطان سمة السخرية من كل شىء حتى لو كانت رسمة لرافع أثقال على الحائط، سخرية قد تطول النفس، أخذ الحياة على محمل الهزل، كان يدور على المسرح كريشة طائر تحركها الرياح، يكفي سعيد فقط أن يضحك أو يبتسم أو يعطي أي علامة دلالية على وجهه ليضحك الناس، كان يمكنه بدون مبالغة أن يضحك الحجر.

فلسفة سعيد الخاصة

انطلاقاً من مسرحية "مدرسة المشاغبين" وشخصية مرسي الزناتي أبو القوة، بدأ سعيد صالح في التوهج، وبدأت موهبته تتبلور، بعدما قد ذاع سيطه في مسرحية "هاللو شلبي" وأصبح لطعم الإفيه معنى في أذهان الجمهور، أكتملت تلك الحالة للإفيه وتأكدت مع شخصية سلطان السكري وتوالت في العديد من المسرحيات، منها "كعبلون" و"البعبع".
من ظهوره الأول على المسرح تشعر أن هنالك شيئاً مختلفاً سيحدث، كان أداؤه ترسيخاً لمفهوم جديد في الحراك المسرحي، بعيداً عن مسرح الستينيات الذي كان يعد طفرة آنذاك، كان لسعيد طلته وحضوره الطاغي، مذهبه الخاص في الإلقاء والمشاكسة، حماسه وأحياناً اندفاعه في النص، ومع ذلك لم يكن حبيس الإفيه والكوميديا، بل تخطى ووصل بمسرحه أن يكون سياساً واجتماعياً.
لم يكن هدفه الضحك للضحك، كمسرح محمد نجم، كان عاشقاً للمسرح كما أدلى في كافة حواراته، لم تكن السينما تلعب ذلك الدور الكبير في مشوار سعيد صالح من حيث اهتمامه بها، رغم تقديمه للمئات من الأفلام، مابين التجاري الخالص الذي يسمح له بالعيش، والفني الأصيل كـ"الهلفوت"، "سلام يا صاحبي"، "يا عزيزي كلنا لصوص"، "توت توت"، "نص أرنب" وغيرهم، دائماً ما كان حضور صالح مميزاً، وكان لعبه لدور البطل المساعد أو الثاني لا يقل إبداعاً عن بطل العمل، خصوصاً تلك الأفلام التي جمعته بعادل إمام، فلا يمكن أن يُنسى له مشهده الأخير في فيلم "المشبوه" ممسكاً بالمال يتحسسه: "أشوف وشكم بخير. أنتم صحيح بتفوقوني لما يغمى عليا لكن يا ترى ممكن تحيوني لما أموت؟".
"أحلى حاجة في الدنيا الجواز، واللي أحلى منه الطلاق" سعيد صالح

لم يكن يحب سعيد، بحد قوله، أن يتم حصره كممثل كوميدي، كان يشعر أنه ممثل لكافة الأدوار، والحق أنه صدق، بل تعدى ذلك بكثير، فأصبح فناناً شاملاً، يغني ويلحن ويمثل، يضحكك حتى انقطاع النفس بأدائه "أنت جيت (شهقة) يا رمضان"، ويبكيك حتى النحيب في مشهده مع عادل إمام في فيلم "زهايمر".
لم تكن خفة دم السعيد الصالح مقتصرة على أدواره في المسرح والسينما، ولكنها تبدو جلية بوضوح في لقاءاته التليفزيونية تماماً كبرائته وطيبته، وحينما استعادت صفاء أبو السعود إشاعة حبه لنادية الجندي في برنامج "ساعة صفا"، أجاب بأنه أحب مرة وطلق مرة، وأنجب بنتاً وحيدة، ثم أستطرد: "أحلى حاجة في الدنيا الجواز، واللي أحلى منه الطلاق".

مع سعيد صالح في سجنه

حكى سعيد برضا تام عن تجربته في السجن في العديد من البرامج: "ده من حظي الحلو إني أنا اتسجنت"، ورغم ما أضافته تلك التجربة له إلا أنها أثرت عليه بوضوح كذلك، وهو ما قد تلمحه بسهولة وهو يغني مع ماجد الكدواني: "السجن مفيش في السجن زمن، الوقت ملوش في السجن تمن".

كانت مرّته الأولى بتهمة الخروج عن النص، وهو ما أستنكره زملاؤه في السجن لأنهم لا يفهمون للجملة معنى، ويحكي ياقوت عبد ربه، زميله في السجن، كيف تغيرت حياته وتاب على يد سعيد، وكانت بينهم جملة مشتركة استخدمها ياقوت للاطمئنان على حياة سعيد، عندما تناقلت إشاعة وفاته التي عرفها في الواحدة بعد منتصف الليل، فظل ينادي بعلو صوته: "حبيبي يا ربنا"، فيرد سعيد بعد ما سمعه من مخدعه مكملاً الجملة: "يا حنين علىّ يارب"، وهكذا أطمئن ياقوت على حياة صالح.
أيقونة أجيال وعلامة فارقة في تاريخ السينما والمسرح والغناء... سعيد صالح وإسماعيل ياسين اللذين أضحكا الأطفال ببرائتهم والكبار بمآسيهم

كانت تجربة صالح الثانية في السجن بتهمة تعاطي الحشيش أو المخدرات التي نسبت إليه، هي من زرعت فيه موهبة التلحين، ويقول سيد زيان إن ألحان سعيد صالح تجاوزت 1500 لحن. كانت ألحانه ثورية وحماسية، وتغنى بصوته الجميل. أغاني لفؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم وسيد درويش وصلاح جاهين وبيرم التونسي. لم يفرط  سعيد في ألحانه، حتى لا تصبح مادة تجارية، فآثر الاحتفاظ بها، ولكنه بفعلته قد حرمنا من إبداع لا يعلم مصيره إلا الله، فلم يخرج للنور من ألحانه سوى الفتات، ورجائي أن نراها عما قريب لأننا في أمس الحاجة لفن راق.
هكذا وبكل بساطة اجتمعت سمات الفنان الشامل فيه، الممثل والمغني والملحن، لم يحتل صالح الصفوف الأولى ولم يكن يحبها على حد قوله. كان يفضل أن "يجري أمام الصفوف". قدم خلال مشواره الكوميديا المسرحية حتى أصبحت أيقونته الخاصة، وكان عاملاً مؤثراً في السينما، فتحفظ الإفيه كما تحفظ نص الدراما عن ظهر قلب، لعل سعيد صالح لم يستغل موهبته بالشكل الأمثل، كان، كما تغنى بكلمات فؤاد حداد، "بلبلاً على الشجر"، وبكل ما قدمه من فن فذ، رحل دون أن يُكتشف بعد.

إسماعيل ياسين أبو ضحكة جنان

في صغري لم أكن أحب أفلام الأبيض والأسود، وأقلب القناة فوراً باحثاً عن فيلم ألوان بتعبير طفولي، كي يبعث في روحي التسلية التي تليق بطفل، ورغم محاولات أمي المتكررة في إدخالي إلى هذا العالم السحري، لم أرضخ أبداً، ولكنها نجحت فقط حينما توقفت أمام فيلم "إسماعيل ياسين في الأسطول" وكأنها طلبت مساعدته: "شوفه بس ولو مش حلو نغيره"، ولكن "سُمعة" خطفني من أول نظرة بضحكته البديعة، لم أقاوم الضحك كما لم يقاومه أحمد رمزي حينما سمعه يقول للشويش عطية: "يا فندم حضرتك غلطان. أنا اسمي رجب مش مخالي"، أو مشهده الشهير بعدها وهو يمد شفتيه قائلاً: "بورورم"،  ليصبح هذا الإفيه هو الأول الذي أحفظه لأبو ضحكة جنان.
غيّر إسماعيل ياسين وضع السينما تماماً، وحولها إلى ساحة فردية يجول فيها كفارس، فيتعدى عشرة أعمال في السنة الواحدة، ويحقق فيلمه "ابن حميدو" على سبيل المثال، 300 ألف جنيه فيما كانت تكلفته 18 ألف جنيه فقط

عاش إسماعيل ياسين حياة قاسية منذ وطأت قدماه أرض القاهرة، التي جاء إليها هرباً ليحقق حلمه كمغني في بادئ الأمر. بدأ سُمعة في تقديم المونولجات ولاقت استحسان عدد كبير من الجماهير في الكازينوهات، والتي كانت بوابته في العبور إلى السينما. أبدع سُمعة فيها عدداً كبيراً من الافلام وصل إلى 400 فيلم، ورغم قسوة الحياة التي واجهها سمعة في بدايته استطاع إضحاك الملايين ومازال.

المشقة في قلبي لا في الطريق

غير ياسين وضع السينما تماماً، وحولها إلى ساحة فردية يجول فيها كفارس، فيتعدى عشرة أعمال في السنة الواحدة، ويحقق فيلمه "ابن حميدو" على سبيل المثال، 300 ألف جنيه فيما كانت تكلفته 18 ألف جنيه فقط. لا تشعر أبداً أن ياسين يبذل مجهوداً حينما نقول بلغة السينما: "رمي الإفيه"، حتى لو كان وجهه شديد الجدية فبإمكانه إضحاكك.
لم يبرع ياسين فقط في أفلامه، وإنما حتى في إلقاء النكات على المسرح والمناكفة مع تعليقات الجمهور فيما يعرف الآن بـ "ستاند آب كوميدي"، وفي إحدى حفلاته حينما هّم ليقول نكتة هتف أحد الجمهور: "قديمة"، ليرد: "دي بدلتك اللي قديمة، إنما النكتة برقبتك".
 كانت نكاته جريئة وله طريقته في إلقائها، لحد قوله على المسرح ذات مرة عن قصة يطلب فيها رجل عاجز في القدس عبور الشارع، وبعدما ساعده أحد الشباب، دعا له أن يرزق بقصر في الجنة ليخبره أنه صهيوني فرد: "طيب يا ابني يلعن دين أمك"، قالها هكذا بصريح العبارة.

الفنان المعذب

بضغطة زر على جوجل يمكنك بسهولة تقصي حياة إسماعيل ياسين التي تجدها بصوته الحياني نفسه، ولكن ما يلفت انتباهي هو صراحته المفرطة التي يُدلي بها بأكله أيام الفقر "لحمة نتنة" بحد تعبيره، وحتى حكاياته عن قصص الحب الفاشلة الأليمة، وتقديم العرفان والشكر لكن من يستحق، والسخرية من نفسه حتى الثمالة، تلك المنهجية على وجاهتها وسهولتها لا نجدها في تلك الأيام.
أنطلقت بداية ياسين في المونولوج، بعدما غنى "أيها الراقدون تحت التراب" تيمناً بأنه سيصبح محمد عبدالوهاب القادم، في أحدى الأفراح، وهو ما أثار غضب أصحاب الفرح بلا شك، نجا سمعة بأعجوبة حينما قام بغناء أحد المونولجات ليعجب به الزجّال عبدالمنعم أبو بثينة، الحاضر للحفل، وهو ما كان سبباً في إحترافه لفن المونولوج.
 أبرز ما يلخص حياة ياسين ما بين صعود وهبوط هو مونولجه الخاص الذي يغني فيه "عيني علينا يا أهل الفن يا عيني علينا، ناكل قر ونشبع زن وقلع عينينا، يا عينى علينا".

هكذا وبتلك البساطة، اشترك سعيد صالح وإسماعيل ياسين في الإفيه الذي لا يذبل أبداً، أشتركا حتى في المعاناة، ما بين سجن بجدران لسعيد، وسجن لا حدود له في الحياة لإسماعيل، صاحبهما الغناء أينما حلوا، فيغني سعيد "أنا أتلهيت وخدل زندي"، ليرد إسماعيل "الدنيا دي متعبة جداً".
على الرغم من تلك المفارقات التي جمعتهم باختلاف الزمن والجيل، استطاع كل منهم أن يحوز على كافة الجماهير، فأضحكا الأطفال ببرائتهم والكبار بمآسيهم، كانا في الحقيقة كما نقول نحن المصريين: "دمهم شربات"، وسيظلان أيقونة أجيال قادمة وعلامة فارقة في تاريخ السينما والمسرح والغناء، سيبقيان على الدوام يضحكان الملايين.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard