وعورة وسيول وقطّاع طرق... معاناة اليمنيين على المعابر البديلة

الأحد 26 يونيو 202211:43 ص

مضت على فاروق المقرمي ثلاثُ سنوات منذ آخر مرة زار فيها أهله في قرية المقارمة في محافظة تعز الخاضعة للحكومة، فالمعابر الرئيسية بين الجهتين مغلقة منذ نحو ثماني سنوات، والطرق البديلة محفوفة بالمخاطر.

فاروق يدير متجراً للإلكترونيات في العاصمة اليمنية صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون، وتطلبت زيارته الأخيرة إلى المقارمة سفراً متواصلاً ليوم ونصف اليوم، بواسطة سيارة أجرة كلّفته ثلاثين ألف ريال، أي ما يعادل 27 دولاراً أمريكياً في مناطق الحكومة اليمنية الشرعية، ونحو 54 دولاراً في مناطق سيطرة الحوثيين، إذ يختلف سعر صرف الدولار بين مناطق الحكومة اليمنية حيث يبلغ 1099 ريالاً وبين مناطق حكومة الحوثيين حيث يبلغ 557 ريالاً.

اضطر فاروق إلى اجتياز طرق جبلية شديدة الوعورة والالتواء، ومرّ بعشرات نقاط التفتيش التي يطرح عناصرها العديد من الأسئلة ويتطلب الرد عليها فضلاً عن إبراز المستمسكات الكثير من الوقت، وأعاد اختبار كل هذه العناءات مجدداً بطريق العودة.

"أنتظرُ بفارغ الصبر توصُّل أطراف النزاع إلى اتفاق لفتح المعابر، ليتسنى لي زيارة أهلي في عيد الأضحى المقبل. لقد سمحوا برحلات جوية. لا ضير إذن من فتح معبر أو اثنين"، يقول المقرمي لرصيف22، مؤكداً أن آلافاً غيره يعانون من المشكلة ذاتها وحلّها سيعني لهم الكثير.

فور تلقيه خبر إصابة والدته الستينية في عمودها الفقري جراء سقوطها المفاجىء، مطلع العام الجاري، قرر نبيل القدسي المسؤول الإعلامي لمشروع التغذية المدرسية والإغاثة الإنسانية التابع لبرنامج الغذاء العالمي، السفر عاجلاً من صنعاء إلى قريته في منطقة قدس في محافظة تعز، ليتمكن بعد ذلك من نقل والدته وإسعافها في أقرب مدينة.

يقول نبيل لرصيف22: "أكثر من خمس ساعات وأنا بالكاد متشبث بمركبة من نوع ‘لاندكروس’ مزدحمة بالركاب، أخذتنا عبر طرق الموت الفرعية، وكنتُ أتوقع سقوطي في أية لحظة، حتى أنني وصلت القرية وذراعي وأناملي متصلبة من شدة التشبث للبقاء على ظهر المركبة".

شيء من المعاناة ذاتها، طالت الفلاح الخمسيني عبد الله مهيوب المصاب بورم حميد في أذنه اليمنى. سافر من منطقة نخلة، جنوبي غرب محافظة تعز الخاضعة لسيطرة الحكومة، باتجاه منطقة الحوبان شرقي المدينة الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، في رحلة استغرقت ست ساعات بدءاً من السادسة صباحاً وحتى الـ12 ظهراً، لغرض تلقي جلسات علاجه الكيميائية.

يقول مهيوب لرصيف22: "أنا ومرافقي، ابن أخي شايف، تكبدنا كل تلك المشقة. لولا الحصار، لقطعنا الطريق بـ15 دقيقة فقط لا غير".

عبد الله مهيوب وابن أخيه شايف

أما عادل عبد الله سيف، فقد توقف منذ ست سنوات، عن الالتحاق بوظيفته في مكتب المالية في محافظة ذمار وسط البلاد والواقعة تحت سيطرة الحوثيين. فالطريق من قريته في جبل حبشي في محافظة تعز الواقعه تحت سيطرة الحكومة إلى حيث مقر عمله يستغرق قرابة يوم ونصف اليوم، بتكاليف مواصلات تفوق راتبه الذي لم يعد يتقاضاه منذ عام 2016 والذي كان يبلغ 42 ألفاً ومئتي ريال.

يقول عادل لرصيف22 إنه يعمل في الزراعة ليوفر قوت يوم زوجته وأولاده الخمس، مفضلاً عدم مغادرة منطقته كي لا يتكبد مشاق التنقل كما حدث له قبل أشهر عندما زار شقيقتيه المتزوجتين في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمالي صنعاء)، إذ قضى ساعات طوال في قطع طريق بديل، في حين أن الطريق الرئيسي المقطوع كان سيستغرق عبوره فقط فترة وجيزة ودونما عناء.

مباحثات متعثرة

وكانت الأمم المتحدة قد أقنعت طرفي النزاع، الحوثيين والحكومة، بالدخول في هدنة لشهرين، بدأت يوم السبت في الثاني من نيسان/ أبريل 2022، وسُمح بموجبها بدخول واردات الوقود إلى المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون وانطلاق رحلات جوية محدودة من مطار صنعاء.

ومع نهاية الهدنة في الثاني من حزيران/ يونيو 2022، أُعلن عن تمديدها لشهرين آخرين، ما رفع سقف التفاؤل الشعبي في أن تتضمن فترة الهدنة الثانية فتح المعابر.

وتعزز التفاؤل هذا بإعلان مصدر مسؤول في اللجنة العسكرية للحوثيين يوم الخميس، في 23 حزيران/ يونيو 2022، عن تسليم الأمم المتحدة الملاحظات على مقترح ممثلها في اليمن لفتح الطرق في تعز وبعض المحافظات اليمنية الأخرى.

وأكد المصدر حسب ما نقلته وكالة الأنباء سبأ الحوثية أن الرد تضمن الاستعداد لفتح الطرق على أن تبدأ المرحلة الأولى بفتح طريقين فوراً، الأول طريق صالة-أبعر-الصرمين-الدمنة-الحوبان-خط صنعاء، والطريق الثاني لحج-عدن-الشريجة-كرش-الراهدة-الحوبان-خط صنعاء.

ووفقاً لذات المصدر، سيتواصل النقاش برعاية الأمم المتحدة بعد إتمام المرحلة الأولى، وقد تُفتح المزيد من الطرق بموجب ما سيتم التوصل إليه في الاتفاق.

النسيج الاجتماعي في مدينة تعز "تمزق نتيجة للحصار المفروض عليها وتقطيع أوصالها منذ ثماني سنوات وبالذات في مديريات الحوبان والمظفر وصالة"

وكانت جولتان من المباحثات بشأن فتح معابر محافظة تعز، بين جماعة الحوثيين والحكومة اليمنية، قد تعثرت في العاصمة الأردنية عمان، خلال فترة الهدنة الأولى. عرض الحوثيون فتح ثلاث طرق إلى مدينة تعز كمرحلة أولى وهي طريق كرش-الشريجة-الراهدة، والزيلعي-الصرمين-صالة، وطريق الستين-الخمسين-الدفاع الجوي-بير باشا.

لكن الحكومة اليمنية رفضت ذلك على اعتبار أن هذه الطرق فرعية، وتمسكت بمطلب فتح الطرق والمعابر الرئيسية التي كان يسلكها المسافرون قبل اجتياح تعز في عام 2015، بما فيها طريق جولة القصر المؤدية إلى منطقة الحوبان، شرقي المدينة.

غير أن الأخبار المتداولة بخصوص مرونة أبداها الحوثيون في ملف فتح بعض الطرق فتحت أبواب الأمل على مصراعيهِ أمام يمنيين يجدون صعوبات ومشاقَّ بالغة لمجرد عبور منطقة إلى أخرى مجاورة.

أهم طرق تعز الرئيسية المغلقة

المنافذ الرئيسية إلى تعز مغلقة بالألغام وقناصة حوثيين متوثبين، فضلاً عن خطوط التماس، وهذا يتضح جلياً في منفذ الحوبان-جولة القصر، وهو طريق رئيسي يصل مدينة تعز بمحافظتي إب وذمار وصولاً إلى العاصمة صنعاء.

أما المنفذ الشمالي، فطريقه الرئيسي يمر عبر منطقة عصيفرة فشارع الستين والذي يصل وسط المدينة بالمناطق الريفية شمال محافظة تعز كمخلاف شرعب وغيرها من المناطق ذات الكثافة السكانية.

وفي المنفذ الشمالي الشرقي، هناك شارع الأربعين الذي يصل منطقة الروضة، وسط المدينة، بسوق الجملة، إضافة الى منطقة كلابة وصولاً إلى فندق سوفتيل شرقي المدينة.

في حين أن المدخل الغربي يمتد من منطقة مصنع السمن والصابون إلى طريقٍ رئيسي يربط مدينة تعز باتجاه ميناء ومدينة المخاء ثم محافظة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر، كما تتفرع من منطقة المصنع طرق فرعية أخرى تصل المدينة بمديريات متعددة في الريف الغربي للمحافظة.

وهناك طريق رئيسي يمر عبر مدينة دمنة خدير فمنطقة كرش ويؤدي من محافظة تعز صوب مثلث العند الذي يؤدي بدوره إلى محافظات الضالع ولحج ومدينة ‎عدن جنوبي اليمن.

مراسلة قناة عدن الحكومية في محافظة تعز نعائم خالد تقول لرصيف22 إن النسيج الاجتماعي في مدينة تعز "تمزق نتيجة للحصار المفروض عليها وتقطيع أوصالها منذ ثماني سنوات وبالذات في مديريات الحوبان والمظفر وصالة".

وتشير إلى أن إغلاق الطرق الرئيسية الخمس من قبل الحوثيين في مدينة تعز، باعد المسافات بين الأحياء السكنية وبين الأقارب في تلك الأحياء والتي كان لا يفصلها عن بعضها سوى مسافات تقطع بما بين دقيقتين إلى 15 دقيقة، بينما الآن يستغرق قطعها نحو سبع ساعات.

وتلفت إلى أن المئات من حوادث السيارات وقعت على الطرق البديلة الوعرة في منطقة الأقروض في جبل صبر، وأن العشرات سقطوا بين موتى وجرحى جراء تلك الحوادث.

وفي ما يخص المصابين من منطقة الحوبان بالأمراض المستعصية كالسرطان والفشل الكلوي الذين يحتاجون إلى جرعات علاج كيميائي وجلسات غسيل، فهؤلاء يعانون بحسب نعائم، من مشقة كبيرة قبل وصولهم إلى مستشفيات الجمهوري والعسكري في تعز، وكثيرون منهم توفوا خلال تنقلهم عبر الطرق البديلة.

وتضيف: "قطع الطرق رفع أيضاً من أسعار المواد الغذائية، بسبب مرور طريق الناقلات والشاحنات عبر سلسلة جبال هيجة العبد الطويلة والشاهقة جنوبي مدينة تعز، وهذا ما أثقل كاهل المواطنين في تعز ذات الكثافة السكانية الأكبر في اليمن".

طريق هيجة العبد الوعرة

مخاطر كبيرة

لمياء الصوفي، طالبة جامعية من مدينة تعز، تروي لرصيف22 كيف تدهور الوضع الصحي لابن أختها (18 شهراً) فاضطروا لنقله إلى منطقة الحوبان شرقي المدينة باتجاه خط وادي الضباب جنوباً، مروراً بطريق المسراخ ونقيل الرباح الذي تصفه بـ"المرعب" وغيرها من الطرق الوعرة، قبل وصولهم إلى حوبان بعد خمس ساعات كاملة، في حين أن الطرق في الظروف العادية دون قطع لا يستغرق اجتيازها سوى دقائق معدودة فقط.

وتضيف: "قطع الطرق أثر كذلك على الحركة التعليمية", وتضرب مثالاً على ذلك ما حدث في كليتها (التربية) في جامعة تعز، قسم اللغة الإنكليزية (تخصص عام)، إذ كان عدد زملائها نحو مئة طالب وطالبة، معظمهم من مناطق الحوبان ودمنة خدير التابعة إدارياً لمحافظة تعز، ومن مدينة القاعدة التابعة لمحافظة إب المجاورة.

إغلاق الحوثيين للطرق الرئيسية الخمس في مدينة تعز باعد المسافات بين الأحياء السكنية وبين الأقارب، فبعد أن كانت لا تفصلهم عن بعضهم سوى مسافات تُقطع بما بين دقيقتين إلى 15 دقيقة، يستغرق قطعها الآن نحو سبع ساعات

لكن مع اندلاع شرارة الحرب الأهلية في اليمن نهاية عام 2014 وإطباق الحصار على تعز، "تشتتنا جميعاً واضطر الكثيرون من الأكاديميين إلى النزوح أيضاً إلى خارج المدينة، وأصبح التعليم منذ ذلك الحين عن بعد وتأخر الكثيرون منّا عن إكمال الدراسة" تقول بأسف شديد.

هكذا أصبح واقع حال جامعة تعز وفقاً لما تقوله. الكثير من الطلبة والأساتذة المساعدين توزعوا بين محافظتي إب وصنعاء الواقعتين تحت حكم الحوثيين، وأضحت الجامعة تعاني من نقص شديد في كوادرها التعليمية.

الأمر لا يقتصر على التعليم والموظفين الحكوميين فقط، بل حتى العاملين في مهن غير حكومية انتهى بهم الأمر إلى أن انتقلوا إلى خارج المدينة المحاصرة بحثاً عن أشغال ووظائف تعيلهم وأسرهم، في حين يجبر واقع الحال الكثيرين من سائقي النقل لخوض مخاطر الطرق البديلة.

سلمان حزام (40 عاماً) واحد من هؤلاء، قضى أربع سنوات كاملة وهو يقود شاحنته بين خطي محافظتي تعز وعدن قبل أن يركنها جانباً بسبب ضرر أصابها، لا يقوى جيبه على تكاليف إصلاحه.

شاحنة سلمان حزام

يقول لرصيف22: "كانت رحلتي تستغرق من يومين إلى ثلاثة أيام، وأحياناً أكثر من ذلك، بسبب حوادث كانت تقع لشاحنات، فتغلق الطرق الضيقة والمتلوية كالثعابين وتحتها هاويات سحيقة في وقت إذا كانت طريق منطقة كرش العند مفتوحة، لن تستغرق الرحلة سوى ساعتين إلى ثلاث ساعات فقط".

ويروي سلمان الذي كان ينقل على متن شاحنته موادّ غذائية واستهلاكية يصل وزنها إلى 12 طناً، كيف أن الطرق البديلة التي سلكها تكتنفها مخاطر مميتة، ليس بسبب الحوادث فقط، وإنما لأن بعضها هي مجرد مجاري سيول تظهر فجأة وتجرف المركبات.

ويفاقم من المخاطر وجود قاطعي طرق ونقاط تفتيش غير شرعية، تنهب كل ما بحوزة السائقين. ويقول بحزن إن حوادث قتل كثيرة وقعت في منطقة الصبيحة التابعة لمحافظة لحج القريبة من محافظة تعز.

يفكر قليلاً وعينهُ على شاحنته المركونة: "الخراب الذي أصاب الطرق البديلة المستحدثة دفعني إلى تقليل حمولتها من 12 طناً إلى ستة أطنان، أحياناً كانت تتعطل وسط الطريق، فأضطر إلى نقل الحمولة إلى شاحنة أخرى وكان ذلك يتسبب لي بالكثير من التأخير والغضب".

الصحافي الثلاثيني أمجد عبد الحفيظ ينفق أكثر من أربع ساعات لينتقل من منطقة المواسط في قضاء الحجرية إلى مدينة دمنة خدير بسبب وعورة الطريق.

يؤكد لرصيف22 أن فتح معابر محافظة تعز بات ضرورة إنسانية قبل أن يكون مسألة اتفاقات سياسية بين أطراف النزاع. ويقول إن المواطنين باتوا ينتظرون بفارغ الصبر ما ستؤول إليه المفاوضات ويضيف: "عليهم أن ينظروا إلى سكان مناطقهم نظرة إنسانية دون أن يفكروا فقط بما سيكسبونه من وراء هذه الحرب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard