في اليمن... عاصمتان وعُملة محلية متباينة القيمة

الثلاثاء 22 مارس 202209:58 ص

عشرُ دقائق أو أربعُ كيلومترات فقط هي كل ما يفصل بين مدينة تعز، عاصمة المحافظة التي تحمل الاسم نفسه، جنوبي اليمن، حيث تسيطر الحكومة، وبين منطقة الحوبان التابعة لها جغرافياً والواقعة تحت نفوذ جماعة الحوثي المناوئة. مع ذلك، هنالك فارقٌ في قيمة الريال اليمني بين المنطقتين، قد يبلغ الضعف.

هذا تجسيد لوضع عام تشهده المناطق التي تتقاسم القوات الحكومية والحوثيين السيطرة عليها، وتتضح ملامحهُ في الأسواق ومحلات الصيرفة ووسائل النقل. وتضج أحاديث الشارع بالمعاناة بسببه.

سعيد هاشم (46 عاماً) يعمل بنّاءً في مدينة تعز. كلما أراد إرسال حوالة إلى أسرته المقيمة في منطقة الحَوبَان، يضطر إلى أن يدفع لشركة تحويل الأموال ضعف المبلغ الذي سيصل إلى أسرته، لأن الأوراق المالية التي يجنيها لا تعترف بها سلطات الحوثيين، مع أنها ريالات يمنية.

ريالات يمنية بطبعة جديدة لا تعترف بها سلطات الحوثيين.

يُنتزع هذا الفارق من قوت أسرته، ومجهوده، هو الذي يعمل بالأجر اليومي، وليس لديه ما يضمن استمرار دخله ليومٍ آخر. فكل صباح يعيد الكرّة. يبحث عن عمل جديد يواصل به إعالة أسرته المكوّنة من خمسة أفراد.

"ينتظرون منّي نهاية كل أسبوع أن أرسل إليهم مصاريف احتياجاتهم الأساسية، وتكاليف المدارس، وما يضمن لهم الحد الأدنى من متطلبّاتهم"، يقول سعيد واصفاً ثقل المسؤولية الملقاة على كاهله.

عبءٌ لا يُحتمل

"إنّه عبءٌ لا يُحتمل. لم نكن نتوقّع أن يصل بنا الحال إلى ما نحن عليه اليوم"، يقول سعيد بلكنة الريف ثم يتساءل: "ما الذي سيخسرونه لو أنهم أبعدوا العملة عن حربهم؟ وكأنهم لم يكتفوا بما فعلوه بنا خلال كل هذه السنوات؟!".

سعيد نموذج لملايين اليمنيين الذين يقاسون المعاناة ذاتها، خصوصاً مَن يعملون في مناطق سيطرة الحكومة، ويسكن ذووهم في مناطق سيطرة الحوثيين، فلا حلول أمامهم سوى البقاء في رحى الأزمة التي لا يبدو أنّها ستُحَل في المدى القريب، حسبما يعتقد معظمهم.

ولا توجد أعداد معلنة أو تقديرية للعاملين من مناطق سيطرة كل طرف في مناطق الطرف الآخر. وبالقدر الذي تشهد فيه مناطق الحوثيين حضوراً للتجمعات الاقتصادية والزراعية إضافة إلى الكثافة السكانية، فإن ميزة مناطق الحكومة في أنها تحتوي على الموانئ البرية والبحرية والمطارات المفتوحة، والشركات الناشئة، والحراك الاقتصادي في ظل العرض والطلب الحاصل على مستوى العملة المحلية.

ويضطر المتواجدون في مناطق سيطرة الحكومة إلى تحويل الريال إلى الدولار الأمريكي أو الريال السعودي من أجل إرسال حوالاتهم المالية إلى المناطق الخاضعة لجماعة الحوثي.

ويخلص تقرير لـ"مجموعة الأزمات الدولية" صدر مطلع عام 2022 إلى أن اليمن بحاجة إلى وقف إطلاق نار اقتصادي بنفس القدر الذي يحتاج فيه إلى وقف إطلاق نار عسكري، وذلك بالتنسيق مع الجهات الفاعلة في الأمم المتحدة كمجلس الأمن، على أن يطلق مبعوث الأمم المتحدة الجديد هانس غروندبرغ مسار وساطة لتحديد اللاعبين الرئيسيين في الصراع الاقتصادي والشروع في وضع الأرضية لهدنة اقتصادية حتى مع استمرار إطلاق النار.

في صنعاء، فقدت المعلّمة ماجدة (39 عاماً) زوجها عام 2019 بعد أن كان يساعدها في تدبير احتياجات الأسرة التي تضم أربعة أبناء. واضطرت مؤخراً إلى بيع بعض من أثاثها المنزلي، لتوفير ما يحتاجونه.

منذ آب/ أغسطس 2016، لم تحصل على راتبها بانتظام، إذ امتنعت سلطات الحوثيين عن توريد الإيرادات المالية التي تجنيها من المحافظات التي تسيطر عليها إلى البنك المركزي، بعد نقله إلى عدن، ولم تقم بصرف رواتب الموظفين في مناطقها، واكتفت بصرف نصف راتب عند المناسبات الدينية والوطنية.

تقول ماجدة: "كان زوجي يساعدني بأعمال خارجية يقوم بها، وبعد وفاته اضطررت إلى بيع مدخراتي من الذهب، ومؤخراً لم يعد بيدي سوى بيع أسطوانات الغاز خاصتي، واكتفيت بواحدة فقط. لا أدري كيف أواجه كل هذه المعاناة".

مرحلة جديدة

في 18 أيلول/ سبتمبر 2016، قررت الحكومة اليمنية، نقل البنك المركزي إلى عدن، باعتبارها العاصمة المؤقتة للبلاد، بدلاً من صنعاء التي كانت قد أصبحت خارج مدى سيطرتها في أيلول/ سبتمبر 2014.

كان هذا بعد أكثر من عامٍ على اندلاع الحرب، لتتأسس مرحلة جديدة سادها الانقسام المالي بين صنعاء وعدن، وسط مضاعفاتٍ قادت لاحقاً إلى انهيارٍ قياسي في سعر العملة الوطنية، التي كانت قد حافظت على توازنها بصورةٍ مؤقتة إلى ما قبل قرار النقل.

"إنّه عبءٌ لا يُحتمل. لم نكن نتوقّع أن يصل بنا الحال إلى ما نحن عليه اليوم. ما الذي سيخسرونه لو أنهم أبعدوا العُملة عن حربهم؟ وكأنهم لم يكتفوا بما فعلوه بنا خلال كل هذه السنوات؟!"

خطوة نقل البنك المركزي لم ترمم الوضع الاقتصادي المتصدع، بل كانت وفقاً لما يراهُ الكثيرون من اليمنيين بداية لحربٍ طالتهم، وسط إجراءاتٍ متباينة، لم يدفع ثمنها سواهم في جانبي الصراع داخل البلاد.

فما الذي حدث؟ وما علاقته بالحرب الاقتصادية المُعلنة بين طرفي الصراع؟ وماذا نجم عنه؟

أثرٌ عكسي

بين شباط/ فبراير وتشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2017، أي بعد قرار نقل البنك المركزي إلى عدن، فقد الريال اليمني 30% من قيمته. تراجعٌ يُعَدّ الأكبر منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء وتحكمهم بالمشهد السياسي والاقتصادي للبلاد.

أسس هذا التراجع لفجوة سعرية بسبب الإجراءات التي انتهجها بنك صنعاء لتثبيت قيمة العملة. في المقابل، قرر بنك عدن في آب/ أغسطس 2017 تعويم العملة المحلية بنحو كامل وفقاً لما ستكون عليه أسعار السوق.

بين هذين الإجراءين شهد الريال تذبذباً في قيمته في مناطق سيطرة الحكومة إذ تجاوز سعره في كانون الأول/ ديسمبر 2021، 1500 ريال للدولار الواحد، بينما ظل ثابتاً في مناطق سيطرة جماعة الحوثي بما لا يتجاوز 602 ريالات للدولار.

هذا التدهور الحاد لم يكن صدفة، بل جاء نتيجة لسياسات نقدية غير مدروسة، استخدمها الطرفان ضد بعضهما البعض، دون وضع اعتبار لما قد ينتج عنها على المستوى الاقتصادي.

فالبلد الذي يستورد أكثر من 90% مما يستهلكه من القمح، تأثر فعلياً بالانقسام الحاصل. مستهلكو القمح في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون دفعوا 4% أكثر بالريال في حزيران/ يونيو 2021 مما دفعوه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 لشرائه. في المقابل ارتفعت أسعار القمح بالريال بمعدل 49% في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة خلال الفترة ذاتها.

ولم يتغير الحال بالنسبة إلى أسعار الوقود التي تأثرت بفعل الانقسام المحلي والارتفاع العالمي في أسعاره، فقد ارتفعت بمعدل 34% منذ كانون الثاني/ يناير 2018 في مناطق سيطرة الحوثيين، وانخفضت 5% في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة (مقارنة بزيادة 10% في الأسواق الدولية خلال نفس الفترة)، طبقاً لتقرير مجموعة الأزمات.

انعكس ذلك على معيشة المواطنين الذين يعيشون أزمةً إنسانيةً تُصنّفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ بين مثيلاتها في العالم جراء الحرب وإفرازاتها التي أدّت إلى مقتل 377 ألف شخص حتى نهاية عام 2021.

وأكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقييمه لأثر النزاع في اليمن، الصادر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 أن غالبية القتلى قضوا بسبب الجوع والأمراض التي يمكن منع الإصابة بها من خلال التوصل لسلام يُنهي حالة الصراع في البلاد.

ووفقاً لتقرير مجموعة الأزمات، فإن تكتيكات الطرفين في الصراع الاقتصادي أحدثت أثراً عكسياً في كثير من الأحيان.

ويشير التقرير إلى أن مبادرات الحكومة لانتزاع السيطرة على الاقتصاد من الحوثيين ارتدّت عليها سلباً، لأن الحوثيين يسيطرون على المراكز السكنية الرئيسية في اليمن وبالتالي على أكبر أسواقها.

أوراق جديدة

في كانون الثاني/ يناير 2017، وصلت الأوراق النقدية الجديدة ذات الحجم الأصغر من فئتي الألف والخمسمئة ريال مقارنة بالفئتين ذاتهما في الطبعة القديمة، وبتصميم جديد لفئتي المئة والمئتين، ولم تتقبّل سلطات الحوثيين التغييرات التي حدثت للعملة، ومنعت تداول الأوراق الجديدة في مناطق نفوذها.

الطبعة القديمة من الريالات اليمنية هي الوحيدة المسموح تداولها في مناطق سيطرة الحوثيين.

وبدأ البنك المركزي في عدن بصرف رواتب موظفي القطاع العام من هذه الأوراق الجديدة التي طبع منها حتى أواخر عام 2021 ثلاثة تريليونات ريال، وكانت هذه الخطوة الانفرادية بمثابة توجّه نحو المجهول، وعدّها اقتصاديون "غير محمودة العواقب"، في ظل عدم وجود غطاء فعلي من العملات الأجنبية، بعد استنزاف حوالي ستة مليارات دولار، وهي إجمالي الاحتياطي النقدي الأجنبي للبنك المركزي التي تتهم الحكومة الحوثيين باستخدامها في دعم معاركهم العسكرية ضدها.

"اليمن بحاجة إلى وقف إطلاق نار اقتصادي بنفس القدر الذي يحتاج فيه إلى وقف إطلاق نار عسكري"

دفع هذا الأمر بالريال نحو انهيار بطيء. وإزاء ذلك، وجد بنك صنعاء مبرراً لفرض سياسة اعتمد فيها على سعر ثابت في مناطق سيطرته، والتعامل مع الطبعة الجديدة كعملة مختلفة كلياً، حيث كان سعرها في البداية 70% مقارنة بالطبعة القديمة، وبعدها مُنع تداولها بنحوٍ نهائي، حتى أنه يُنفّذ حملاتِ تفتيش وإتلاف مفاجئة.

تسبب التوجّه الجديد في مضاعفة الأزمة الإنسانية نتيجة فارق السعر الذي أخذ في الارتفاع بشكل حاد، ملقياً بآثاره على الحياة العامة وسط أزماتٍ إنسانية وصحية تتناوب على البلاد منذ سنوات، في جانبي الصراع على حدٍ سواء.

أغلقت الحكومة اليمنية الباب في وجه محاولة استمرار استقلال البنك المركزي بقرار نقله إلى عدن، وأعقبت ذلك بطباعة جديدة للعملة، دون غطاء نقدي. كان هذا إقحاماً مباشراً للعُملة اليمنية في الحرب، وعدّه خبراء اقتصاديون "عملية إطلاق نار" على الاقتصاد.

من بين الناقدين أستاذ الاقتصاد في جامعة تعز د. محمد قحطان. يقول إن خطوة الطباعة هي "القشة التي قصمت ظهر البعير" مشيراً بذلك إلى ما حملته من تبعات وصفها بـ"الكارثية".

ويضيف: "قرارٌ كهذا كان بحاجة إلى دراسة مستفيضة، للوقوف على التحديات التي ستواجهها، وما قد يترتب عليها".

رفع بيده مجموعة من الأوراق النقدية الجديدة من فئة ألف وفئة خمسمئة ريال وعلّق: "لقد تسرّعوا، وهذا برر للسلطات في صنعاء أن تواجه القرار بإجراءاتٍ فاقمت الوضع، وأدت إلى تردي الحالة الاقتصادية للبلاد".

ليس ببعيد عما ذكره قحطان، يذهب تقرير مجموعة الأزمات إلى أن قيام الحوثيين في كانون الأول/ ديسمبر 2019 بحظر التعامل بالأوراق النقدية الجديدة في مناطق سيطرتهم، التي تضم 70% من سكان اليمن، ساهم بتدهور كارثي للريال في مناطق الحكومة التي تشكل المساحة الأكبر للبلاد، بسبب إشباع أسواق العملة المحلية بالدولار الأمريكي، ما أدى إلى عدم توافق بين العرض والطلب، ليتلقى الريال ضربة قاصمة.

كفاحٌ معلن

يكافح البنك المركزي في عدن لإثبات حضوره بسلسلة إجراءات، كالضغط على محلات الصيرفة بضرورة الربط الإلكتروني مع إدارة الرقابة في البنك، وإيقاف مَن يخالف معاييره، إضافة إلى تفعيل بيع العملة الصعبة في مزادات علنية شبه أسبوعية.

لكن هذه الإجراءات لم تتوصل إلى حل جذري يعيد الاعتبار لقيمة الريال في مناطق الحكومة. وبعد التراجع القياسي لسعره نهاية عام 2021، عُيّن محافظٌ جديد للبنك، بهدف وضع حدٍ للتدهور الحاصل.

الكاتب المتخصص في الشأن الاقتصادي هشام السامعي يعتقد أن هذه الإجراءات حققت تقدماً يراهُ ملحوظاً في ضبط استقرار أسعار صرف العملات عند مستوى شبه ثابت منذ تعيين القيادة الجديدة للبنك المركزي في عدن.

ويعتبر أن استمرار البنك في إطلاق مزادات أسبوعية لبيع العملة الأجنبية ساعدت كثيراً في استعادة جزء لا بأس به من الكتلة النقدية الموجودة في السوق، ويعني ذلك استعادة الدورة النقدية للبنوك التجارية.

يرى السامعي كذلك أنه لم تعد من مصلحة البنك المركزي في صنعاء عرقلة أي عمليات تصحيحية يقوم بها نظيره في عدن، كون "أي عرقلة سيقوم بها ستؤثر على الاقتصاد الكلي للبلد بشكل عام".

ويتوقع أن جدية قيادة البنك المركزي في عدن بمواصلة الإصلاحات ستجبر البنك المركزي في صنعاء على القبول بها، لأن الإجراءات القادمة ستشمل نقل عمليات البنوك التجارية إلى عدن ليسهل على الأخيرة استعادة نشاطها المصرفي بنحو آمن ومنظّم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard