شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
نقوش عربية قديمة في السعودية... هل ينجح اكتشافها في تغيير نظريات سائدة؟

نقوش عربية قديمة في السعودية... هل ينجح اكتشافها في تغيير نظريات سائدة؟

حياة

الأحد 26 يونيو 202202:50 م

فوق صخرة ضخمة، في منطقة قصر علياء الأثرية في مكة، عُثر مؤخراً على نقش عربي مجهول: "أنا زهير آمنت بالله، وكتبت زمن أُمّر بن عفان، سنة أربع وعشرين"، حسبما أعلنت هيئة التراث السعودية في خبرها عن اكتشاف النقش الأثري، وفقاً لبيان وكالة الأنباء السعودية، في التاسع من حزيران/ يونيو 2022.

ووعدت الهيئة باستكمال دراسة النقش وإصدار دراسة تفصيلية لاحقاً. ورغم بساطة النقش وقلة عباراته فإنه يُعَدّ وثيقة صخرية هامة، لأنه يرتبط بزمن ولاية الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان (ت. 35هـ)، ولأنه يثير عدداً من الأسئلة حول شكل الخط والحرف العربي في السنوات المبكرة للإسلام، قبل اتجاه عثمان لتوحيد لغة وكتابة المصحف، وتثبيت النص الديني، ومنع تعمق الاختلافات حوله.

في مقدمتها لكتاب "البرديات العربية بدار الكتب المصرية"، ترى هبة نايل بركات أن مثل هذه النقوش تُعتبر مستندات فريدة من نوعها تخدم المؤرخين والباحثين في التاريخ والحضارة والمتخصصين في الدراسات الإسلامية، وتوثيق تطور الخط العربي، ومؤرخي الفنون والآثار.

نقش زهير في مواجهة أبي الأسود الدؤلي

صانعاً نوعاً من التناقض، لاحظ عدد من رواد فيسبوك أن نقش زهير الحديث يضم كلمة "عشرين" بثلاث نقاط فوق حرف الشين، مع أن تاريخه يشير إلى زمن يسبق تنقيط الحروف العربية بكثير، ما جعل البعض يتساءل عن جدية الكشف وصحته، دون السؤال عن جدية النظرية السائدة المتعلقة بوضع نقاط الإعراب والإعجام. والسؤال الآن: هل عرف العرب تنقيط الحروف قبل زمن التنقيط الرسمي؟

تشير المصادر التاريخية إلى أن أبي الأسود الدؤلي (ت. 69هـ) تمكن من وضع ما يُعرف بـ"نقاط الإعراب"، وهو نوع من التنقيط أجراه باستخدام صباغ أحمر مختلف للون الكتابة لتمييز حركة إعراب الحرف، فالنقطة فوق الحرف تعني الفتح، وأسفله للكسر، والنقطة أمامه أو بين يديه للضم، وتكرار النقطة يعني التنوين. ثم جاء دور تلميذيه يحيي بن يعمر العداوني (ت. 129هـ) ونصر بن عاصم الليثي (ت. 89هـ) اللذين قاما بوضع نقاط الحروف بنفس لون الكتابة، والمعروفة بـ"نقط الإعجام". وفي المرحلة الثالثة، نجح الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت. 170هـ) في استبدال نقاط الدؤلي بجرات علوية للفتح، وجرات سفلية للكسر، ورأس الواو الصغيرة للضم، ورأس الحاء (حـ) أو دائرة صغيرة (o) للسكون، وتكرار العلامات يعني التنوين، وبهذا الإصلاح أصبح مُمكناً للكاتب أن يجمع بين الشكل والنقط بلون واحد دون لبس بينهما، بحسب كتاب إبراهيم جمعة "قصة الكتابة العربية".

ورغم شيوع فكرة التزام العرب الكتابة بدون تنقيط للحروف، فإن "جمعة" يستبعد أن تكون الحروف المنقوطة مستحدثة بالكامل، مؤكداً أن إضافة النقط للحروف المتشابهة أقدم عهداً من زمن الدؤلي، وأن العرب كانوا ينقطون بعض الحروف ويتركون بعضها، وهو ما نقل صورته نقش زهير.

وفي هذا الصدد، توجد نماذج أخرى في متاحف عالمية. وبحسب "جمعة"، "تدل بعض الكتابات العربية التي تنتسب إلى أوائل العقد الثالث الهجري (22هـ) على أن العرب كانوا يستعملون النقط قبل إنشاء الكوفة واستقرارهم في العراق، أي قبل أبي الأسود بزمن، والمتصفح لمجموعة الأرشيدوق رينر البردية المحفوظة بالمكتبة الأهلية بفيينا يجد أن بعض هذه الحروف المتشابهة قد نقط وبعضها قد أُغفل".

شكوك يوسف زيدان العاجزة

مدهش وغريب للغاية أن يسارع باحث إلى التشكيك في صحة أثر بناء على معلومات أولية وجزئية تلقاها من القنوات الإخبارية، وهذا ما حدث بالضبط مع الروائي المصري يوسف زيدان الذي نشر على صفحته على فيسبوك مجموعة ملاحظات تشكك في صحة الأثر، موضحاً أنه تلقى الخبر عن قناة الجزيرة.

وتركزت ملاحظاته في "أولاً: هذه الحروف اللينة المدود أسفلها، بشكلٍ شبه زخرفي، تخالف ما عرفناه من عمودية وحدَّة الحروف العربية المكتوبة في القرن الأول الهجري، بل وتبعد كثيراً جمود وشكل الحروف المكتوب بها مصحف طشقند المنسوب إلى عثمان بن عفان، علماً بأن نسبة هذا المصحف مشكوك فيها أصلاً، والأرجح أنه كُتب في أواخر القرن الأول الهجري، أو أوائل القرن الثاني. ثانياً: الكلمة التي قرأوها ‘زهير’ لا يمكن أن تُقرأ هكذا، وإلا خالفت برسمها رسم بقية الكلمات، وكذلك كلمة ‘عفان’ التي لا يسبقها كلمة ‘عثمان’، وكذلك كلمة ‘عبد اله سعد’ الواردة في ختام النقش، وليس لها صلة بما سبقها. ثالثاً: مثل هذه العبارات تكون في نهاية موضوع النقش، وختاماً له، وليس لهذا النقش موضوع، حتى يختمه الكاتب بذكر اسمه وسنة النقش، بل بدأ النص بختام ما لم يبدأ أو يُشار إليه من الأمور المراد تدوينها".

فوق صخرة ضخمة، في منطقة قصر علياء الأثرية في مكة، عُثر مؤخراً على نقش عربي. ورغم بساطته وقلة عباراته، فإنه يُعَدّ وثيقة صخرية هامة، لأنه يرتبط بزمن ولاية الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان

ويضيف زيدان: "ولا عبرة هنا بالتشابه بين شكل الحروف في هذا النقش المزعوم، وشكل الحروف في بردية إهناسيا (المحفوظة حالياً ضمن مجموعة الأرشيدوق رينر بمتحف فيينا) وتعود إلى تلك الفترة المبكرة، لأن الكتابة على وسيط ليِّن كالبردي، تقبل من لين الحروف واستدارتها، ما يصعب الكتابة به على صخر صلد".

وتبدو ملاحظات زيدان انفعالية متسرعة، لأن حديثه حول الخط اللين يوضح أنه يتحرك من معلومات ثابتة ويقينية، رغم أن المصادر التاريخية التي تعرضت لسيرة الخط العربي تؤكد قلة المعلومات حول طبيعة الخط في زمن ما قبل الإسلام والسنوات الأولى للإسلام، بل إن هذه المرحلة تحتاج إلى مزيد من الاكتشافات للوصول إلى أسرارها.

أيضاً، تساءل زيدان عن موضوع النقش، متخذاً من غيابه دليلاً للتشكيك، مع أنه من الوارد اكتشاف ختام نقش أو نهاية بردية أو توقيع رسالة ضاع معظمها ولم يبقَ إلا الجزء الأخير منها. وكل هذا لأن زيدان اعتمد على معلومات جزئية نشرها خبير النقوش الإسلامية محمد المغذوي، قبل صدور قراءة متأنية عن فريق من المختصين برئاسة نايف القنور، مدير إدارة الحماية في هيئة التراث، أكدت أن النقش يوثق واحداً من الأحداث المهمة في التاريخ الإسلامي المبكر، وبهذا يتضح أن موضوع النقش هو توثيق زمن ولاية عثمان.

ويرتبط نقش زهير المشار إليه بنقش قديم يسمى نقش زهير أيضاً عُثر عليه في صيف العام 1999 في منطقة مدائن صالح الأثرية على طريق يعرف بـ"درب الحجاج"، ويحمل نص: "بسم الله، أنا زهير كتبت زمن توفي عمر سنة أربع وعشرين"، واستطاع الأخير أن يحسم تاريخ وفاة الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب عام 24هـ، بدلاً من التاريخ الوارد في المصادر التاريخية، المحدد بنهاية عام 23هـ، وبهذا يؤرخ الأول لوفاة عمر والثاني لولاية عثمان.

الخط العربي في أشكاله الأولى

تشير الكتابات المتخصصة إلى أن العرب استعملوا في البداية نوعاً متأخراً من الخطوط النبطية، وعليه دخلت عدة تعديلات وصولاً إلى الخط الحجازي الذي ورد به نقش زهير الأول، ثم جرى تطويره في الكوفة، ليختفي بعدها الحجازي. وبحسب عبد العزيز حميد صالح، في كتابه "خط المصحف وتطوره في العالم الإسلامي": "إن المصاحف التي تم نسخها بهذا النوع من الخط لم تصل إلينا منها أية نسخة تعود على نحو مؤكد إلى العصر الراشدي، كما أنه لم يصل إلينا أيضاً أي مصحف يحمل تاريخاً كتب بهذا النوع من الخط".

رغم شيوع فكرة التزام العرب الكتابة بدون تنقيط للحروف، فإن بعض الباحثين يستبعدون أن تكون الحروف المنقوطة مستحدثة بالكامل، مشيرين إلى أن العرب كانوا ينقطون بعض الحروف ويتركون بعضها

وفي نحو 18 صفحة، يقدم "صالح" شرحاً وافياً حول الخط الحجازي المفقود وجذور تطوره عن كتابة آرامية وصولاً إلى الخطوط الأكثر تنوعاً بعد الخط الكوفي.

وبحسب مؤلف "قصة الكتابة العربية"، فإن التأثير النبطي على الخط العربي ظل ممتداً في المصاحف دون التحرر منه. وفي كتاب "السريانية العربية"، يشير سمير عبده إلى أن دور أبي الأسود الدؤلي في تطوير الخط العربي يعود الفضل فيه إلى علماء سريان وإلى معرفة الدؤلي بالسريانية التي جعلته يخطو على نمطها، مقتبساً رأي جرجي زيدان في كتاب "تاريخ آداب اللغة العربية"، وحسن عون في كتاب "اللغة والنحو".

توحيد المصاحف... وكراهية ابن مسعود

مسجلاً للعديد من الاختلافات بين نسخ القرآن، ظهر "كتاب المصاحف" لعبد الله بن الأشعث السجستاني (ت. 316هـ) معطياً للباحثين إشارات واضحة للجهد البشري الذي تعرض له القرآن الكريم.

وبحسب السجستاني، فإن مقتل الكثير من القراء في معركة اليمامة (11هـ)، دفع عمر بن الخطاب إلى نصح أبو بكر الصديق (ت. 13هـ) بجمع القرآن خوفاً من ضياعه، فاستدعى زيد بن ثابت وطلب منه جمع القرآن ففعل، وبقيت الصحف عند أبي بكر ثم انتقلت إلى عمر وانتهت إلى حفصة بنت عمر (ت. 41هـ) فطلبها عثمان وألح عليها، ووعدها بأن يردها إليها.

وفي كتابه "تأسيس الإسلام بين الكتابة والتاريخ"، يسرد الفرنسي ألفريد لويس دي بريمار عدداً من الروايات حول مصحف حفصة، قائلاً: "إننا لا نعرف شيئاً عما كانت تحتويه صحف حفصة، كما لا نعرف ما الذي نسخه عثمان منها، أو ما حذفه إذا كان قد حذف شيئاً".

يذهب المستشرق الألماني كريستوف لوكسنبرغ إلى أن مصحف حفصة لم يكن مكتوباً بالخط العربي الذي نعرفه بل بخط كرشوني (كتابة عربية بخط سرياني) ويرى أن الخطأ في نقل كلماته إلى العربية أدى إلى وجود قراءة مغلوطة للقرآن الكريم

وبالعودة إلى السجستاني، نرى أن عثمان أحرق الصحف المدونة للقرآن، واعتبرها غير رسمية وبلا قيمة عدا نسخته التي فرضها على الناس، وسميت بـ"الإمام" و"مصحف عثمان"، وسط إشادة من الصحابة بخطوته.

واهتم السجستاني بالروايات التي توثق رفض الصحابي عبد الله بن مسعود (ت. 32هـ) توحيد خط وقراءة المصاحف، وترجع أسباب شعوره بالغضب إلى استبعاده من الفريق المنوط به الجمع، قائلاً: "يا معشر المسلمين، أُعزل عن نسخ المصاحف ويولاها رجل، والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب أبيه كافر".

وفي رواية أخرى، "لما أمر عثمان بتمزيق المصاحف قرأ عبدالله: ‘وَمَنْ يَغْلُلْ يَأتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ’ (آل عمران: 161) غلوا مصاحفكم، فكيف يأمروني أن أقرأ قراءة زيد ولقد قرأت من فيّ رسول الله بضعاً وسبعين سورة ولزيد ذؤابتان يلعب مع الصبيان".

مصحف حفصة... هل احتوى على شكل مختلف من الكتابة؟

بحسب السجستاني، رفضت حفصة إتلاف مصحفها، واحتفظت به حتى ماتت، فأرسل حاكم المدينة مروان بن الحكم (ت. 65هـ) إلى أخيها عبد الله بن عمر (ت. 73هـ) فأخذ منه المصحف وأحرقه.

وتعود أسباب مروان بن الحكم إلى الخوف من أن يكون فيه اختلاف لما نسخ عثمان، وفي رواية يبرر خطوته: "إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف، فخشيت إنْ طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذا المصحف مرتاب أو يقول إنه كان شيء منها لم يكتب".

فقد المصاحف الأولى، واتجاه السلطة السياسية للتخلص منها مخافة التشتيت، إلى جانب صمت المؤرخين عن توضيح نوع الخط في تلك المرحلة، أتاح الفرصة لوجود فرضيات مختلفة، ومثيرة للجدل.

مثلاً، يذهب المستشرق الألماني كريستوف لوكسنبرغ إلى أن مصحف حفصة لم يكن مكتوباً بالخط العربي الذي نعرفه بل بخط كرشوني (كتابة عربية بخط سرياني) ويرى أن الخطأ في نقل كلماته إلى العربية أدى إلى وجود قراءة مغلوطة للقرآن الكريم، بحسب ما نقله عنه الإيراني أمير حسين فراستي في كتابه "القراءة السريانية الآرامية للقرآن الكريم: دراسة نقدية لآراء كريستوف لكسنبرغ".

Website by WhiteBeard