"زوجة واحدة تكفي"... فليتحوّل ذلك إلى قانون إذاً

الجمعة 24 يونيو 202202:31 م

وسط جدل لم ينقطع منذ ألف وخمسمائة سنة، صرّح شيخ الأزهر أحمد الطيّب أنّ "زوجة واحدة تكفي"، وتحدّث عن شرط العدل في الآية التي تقول "فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم". وقال إنّ العدل هنا مانع للتعدّد إن لم يتحقق، وهو غير ممكن التحقّق، إلا في ظروف نادرة وشاذة لا يتعين أن ينبني عليها التشريع.

وثمة من قال إنّ النبي محمد لم يتمكّن من تحقيق شرط العدل بين أزواجه، وإنه كان يميل إلى السيدة عائشة أكثر من سواها، وكتبُ السيرة فيّاضة بقصص تثبت ذلك، وهذا لا يضير النبيَّ البشريّ، غير المعصوم عن الهوى القلبيّ وأحواله.

ستعتصم هذه المقالة بسياقين، فيما اتصل بتعدّد الزوجات؛ الأول تاريخي، والثاني قانوني. فأما الأول فيقرأ الآية الثالثة من سورة النساء، في سياق التنزيل التاريخي. وقد ساد اعتقاد لدى بعضهم أنّ آية إباحة التعدّد ذات صلة بالحروب والغزوات التي خاضها المسلمون ففقدوا فيها رجالاً كثيرين، ما أثّر على التوازن العددي بين النساء والرجال، وبالتالي جاء الحل، مؤقتاً، لإعادة الميزان الاجتماعي إلى "رشده".

نظل في السياق التاريخي الذي أبقى على شرعية معاشرة الجواري، حتى زمن قريب، بعد أن تطورت قوانين حقوق الإنسان، وجرى تجريم العبودية، فتمّ تعليق العمل بمُلك اليمين، باعتباره ينتقص من حقوق المرأة، ويستعبدها، ويسلّعها، ويمتهن كرامتها، لكنّ قوانين التطور الحضاري لم تجعل المشرع يراجع تعدّد الزوجات

بيْد أنّ كتب السيرة والتفسير تشير إلى أمر آخر لا صلة له، البتّة، بنقصان الرجال وزيادة أعداد النساء، بل هو مرتبط بعادة كانت سائدة في قريش جعلت بعض الرجال يطمعون في أموال اليتامى، من أجل تغطية نفقات زواجهم بعدد غير محدود من النساء. إذاً الآية تحذّر من الجور في مال اليتامى، وتقنّن عدد الزوجات وتحددّه بأربع كسقف أعلى، لكنها تطْلِقه، بلا سقف، فيما خصّ مُلك اليمين؛ أي الجواري والسبايا والإماء اللائي يحقّ لمالكهنّ أن يطأهنّ مِن غير عقد زواج، ولا شهود، ولا مهر، فبماذا يختلف ذلك عن "الزنا"؟

في علم نفس الأديان يظهر أنّ التشريعات (رغم عُلويّة تنزيلها بحسب التفسير اللاهوتي) واحدة من الاستجابات الضرورية للواقع. والواقع يصنعه الذكور، ويلوّنونه وفق أهوائهم ورغباتهم وحاجاتهم ونزعاتهم.

ونظل في السياق التاريخي الذي أبقى على شرعية معاشرة الجواري، حتى زمن قريب، بعد أن تطورت قوانين حقوق الإنسان، وجرى تجريم العبودية، فتمّ تعليق العمل بمُلك اليمين، باعتباره ينتقص من حقوق المرأة، ويستعبدها، ويسلّعها، ويمتهن كرامتها، لكنّ قوانين التطور الحضاري لم تجعل المشرع يراجع تعدّد الزوجات الذي ينتسب إلى عصر صدر الإسلام الذي انبثق في بيئة "جاهلية" لم تكرّم النساء، وكانت تئِد البنات لحظة مولدهنّ.

ولو قيل، لأي فقيه يرى أنّ الإسلام قيّد شرط التعدّد ورهَنَه بتحقيق العدل، إنّ هذا الشرط متعذّر الصيرورة، لقال لك، كما فعل الشيخ الطيّب، في تصريحات نقلتها صحيفة "صوت الأزهر": "المسلم ليس حراً في أن يتزوج على زوجته الأولى، فهذه رخصة مقيدة بقيود وشروط". ولو أنك سألته: إذاً لماذا لا يكون منعٌ للتعدّد، كي ينخرط الدين في المصفوفة العالمية لحقوق الإنسان، القائمة على المساواة والحرية والإنصاف، لقال لك إنه لا يجوز سنّ تشريعات تلغي "الحق الشرعي" في التعدّد الذي أمر به الله.

ولو ساجلته بأنّ الإسلام أبطل حدّ قطع يد السارق، لِتَعارضه مع النواميس البشرية، وأوقف الرقّ، وعطّل زواج الإماء، وتجاوز رجم الزاني المحصن، وألغى سهم المؤلّفة قلوبُهم، وما عاد يفرض الجزية على الذمّيين المقيمين في ديار المسلمين، لقال لك إنّ السياق التاريخي أوجب ذلك كله. هذا أمر حقّ، فلماذا لم يمتد السياق التاريخي، والاستجابة للتطور الحضاري ليُبطل تعدّد الزوجات؛ أولاً لانتفاء شرط العدل في الغالبية العظمى من الحالات، وثانياً، وهو الأهم، أنه يعرّض المرأة لأفدح امتهان.

تعدّد الزوجات يقوّض كل ما بنته النساء والمجتمعات المؤمنة بنضالاتهن في سبيل الاستقلالية والعدالة والمساواة والكرامة، وهذه كلها لا تتحقق لمرأة يُنظر إليها على أنها تابع، شيء، سلعة، جسد، متعة، مستلّة من ضلع أعوج، فتّانة، ضعيفة، ناقصة عقل ودين، لا تصلح للحُكم ولا للقيادة، وسوى ذلك من أوصاف فاض بها المعجم الذكوريّ

تعدّد الزوجات يقوّض كل ما بنته النساء والمجتمعات المؤمنة بنضالاتهن في سبيل الاستقلالية والعدالة والمساواة والكرامة، وهذه كلها لا تتحقق لمرأة يُنظر إليها على أنها تابع، شيء، سلعة، جسد، متعة، مستلّة من ضلع أعوج، فتّانة، ضعيفة، ناقصة عقل ودين، لا تصلح للحُكم ولا للقيادة، وسوى ذلك من أوصاف فاض بها المعجم الذكوريّ، وما انفكّ، برعاية الأديان، حتى ما قبل الأديان التوحيدية، وتحديداً منذ دجّن الإنسان الحيوان، وانتقل من الزراعة إلى الرعي. آنذاك تجلّت نزعاته السلطوية بترسيم حدود العمل وتوزيع أدواره، وبإدراكه أنه العنصر الفعال في إثمار النسل… في ذلك الزمن الذي يسمى "عصر الكالكوليت" قبل زهاء خمسة آلاف عام، حدث الانقلاب الذكوريّ على العصر الأموميّ.

وفي علم نفس الأديان يظهر أنّ التشريعات (رغم عُلويّة تنزيلها بحسب التفسير اللاهوتي) واحدة من الاستجابات الضرورية للواقع. والواقع يصنعه الذكور، ويلوّنونه وفق أهوائهم ورغباتهم وحاجاتهم ونزعاتهم. بيْد أنّ ذلك لا يتعيّن أن يُترك على عواهنه، لاسيما إذا تبيّن أنّ تشريعاً ما مستقى، مع بعض التشذيب، من عصور طاعنة في القِدم، ولم يَعد ما يسوّغه في اللحظة الراهنة، ما يعني إعادة النظر فيه. لقد جرى تعطيل الحدود، في الأحكام السابقة الذكر، استجابة للتطور الحضاري، وانسجاماً مع مقاصد الشريعة، فلماذا شذّ تعدّد الزوجات عن قاعدة تلك المقاصد؟

ينقلنا السؤال السابق إلى الخيار القانوني الذي سلكته دول "إسلامية" لم تقطع الصلة مع الدين في تشريعاتها، لكنها رأت في تعدّد الزوجات، خروجاً عن مقتضيات العصر ونواميسه، ولنا في تونس الرائدة أسوةٌ حسنة، حيث اعتبرت منذ عام 1956 أنّ تعدّد الزوجات جنحة عقوبتها السجن أو الغرامة، كما يؤدي اتخاذ زوجة ثانية إلى اعتبار الزواج فاسداً وعرضة للإلغاء. وعلى خطى تونس تسير، ولو بشكل متّئد، الجزائر، والمغرب، ومصر، وإقليم كردستان العراق. أما في الأردن، وفلسطين، ولبنان، والبحرين، وموريتانيا، فيحقّ للمرأة أن تشترط في عقد الزواج، ألا يتخذ الزوج زوجة ثانية، وفي حالة خرق الزوج هذا الاتفاق، يصبح للزوجة الحق في الطلاق، وهو أمر معمول به، في جزئه الثاني، في إندونيسيا وسنغافورة وبنغلاديش.

الأمر، يا سيدنا الشيخ، ليس متصلاً بمؤامرة يقودها الغرب "الكافر" على الإسلام، بل بفطرة إنسانية جُبلت على الحب والاستئثار، ورغبة الزوجة بزوج لا شريك لأخرى فيه، لأنّ صناعة الحياة وتأثيثها بالخير قائمة على التوقير والعدل والنديّة، ولأنّ المرأة، يا سيدنا الشيخ، مستقبلُ العالم

لقد أسرف خبراء التربية وعلماء النفس والاجتماع في ذكر المساوىء التي يجلبها على المرأة والأسرة والأبناء الزواج الثاني والثالث والرابع، حيث يساهم التعدّد في تفكك العائلات، وفي إضرام جحيم القلق والتوتر في نفوس النساء، بينما جاء النص القرآني مبشّراً بأنّ الزواج التشاركي الآمن يحمل على أجنحته عناصر الاستقرار والسكينة والمودة والرحمة.

الأمر، يا سيدنا الشيخ، ليس متصلاً بمؤامرة يقودها الغرب "الكافر" على الإسلام، بل بفطرة إنسانية جُبلت على الحب والاستئثار، ورغبة الزوجة بزوج لا شريك لأخرى فيه، لأنّ صناعة الحياة وتأثيثها بالخير قائمة على التوقير والعدل والنديّة، ولأنّ المرأة، يا سيدنا الشيخ، مستقبلُ العالم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard