النّاقدة التونسية جليلة الطريطر... "كتاباتُ الذات العربيةُ طريفة جدّاً.. والنّقد اختصاص لا ثرثرة"

الاثنين 27 يونيو 202210:00 ص

جليلة الطّريطر أكاديميّة تونسيّة وناقدة لكتابات الذات ومترجمة. وهي واحدة من أبرز الباحثين والباحثات المهتمين منذ تسعينيات القرن الماضي بكتابات الذّات.

أصدرت مجموعة من الأعمال المرجعية في مجالها، ومنها: "رجع الأصداء في نقد وتحليل أصداء السيرة الذاتيّة لنجيب محفوظ"، (المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997)، و"أدب البورتريه"، (الانتشار العربي، 2011)، ومن الدراسات القليلة التي تناولت أدب الذات عند الكاتبات العربيات "مرائي النساء: دراسات في كتابات الذات النسائيّة العربيّة"، (الدار التونسية للكتاب، 2021)، إلى جانب نشرها دراسات نقديّة في الموضوع نفسه في مجلات وحوليات محكّمة باللغتين العربية والفرنسية. إلى جانب ذلك، تولّت الكثير من الترجمات من بينها "اليوميات الخاصة" لبياتريس ديدييه، معهد تونس للترجمة، 2021.

قالت الأستاذة جليلة الطريطر، إن المؤلفات العربية التي يمكن أن تدرج ضمن كتابات الذات غزيرة ومتنوعة ونوعية قادرة على تحقيق الإضافة الثقافية، ثم إنها ليست مجرد محاكاة لكتابات الغرب، بقدر ما كانت نتيجة للواقع العربي وتحدياته منذ عصر النهضة إلى الآن.

وأكّدت الأستاذة الطريطر أن "النّقد اختصاص وأهليّة وكفاءة متعبة، وليس ثرثرة هنا وهناك وشعارات ترفع بلا حساب"، معتبرة أنه من الخطأ "القول بأنّ السير الذاتيّة العربيّة لا تساوي شيئاً قياساً إلى الأجنبيّة منها، لأنّها ليست متحرّرة من الرقابة الأخلاقيّة أو الدينيّة، هذا رأي آخر متهافت شائع أيضاً".

وأشارت إلى أنّ "كتابات الذات العربيّة طريفة جدّاً، وهي جزء حيّ من الذاكرة التاريخيّة موازية للذاكرة الرسميّة بل ومناوئة لها أحياناً". وعن العلاقة بين الرواية والسيرة الذاتية اعتبرت أنّ "الرواية قادرة على استيعاب أشكال تعبيرية متنوعة بما فيها الأشكال الذاتية"، مضيفة أنّ "التداخل الأجناسي هو الأصل والفيصل هي المعاقدة".

الناقدة التونسية جليلة الطّريطر: أنا من هؤلاء الّذين يكرهون الطرقات المعبّدة والكلام المكرور مع قناعتي بأنّ استكشاف الجديد طريق متعب، ولكنّه يغيّر المشهد عندما نسير فيه باقتدار وصبر وجديّة

وكان لنا معها هذا الحوار.

بدءاً، أنت واحدة من أبرز النّقّاد والباحثين العرب الّذين اهتمّوا بجنس أدبي مخصوص هو السيرة الذاتية، وألّفت فيه كتباً ومقالات علميّة عديدة، وتخصّصت في تدريسه في الجامعة، ما الدّوافع الّتي وجّهت اهتمامك به؟

فعلا أنا بدأت أختصّ فيما يسمّى بكتابات الذات منذ بداية التسعينيات، وسجّلت وقتها أطروحة دكتوراه دولة في موضوع السيرة الذاتيّة، وهي أحد الأجناس الذاتيّة. وكانت ريادتي مقترنة بأزمة إشراف، إذ لم يكن قد سبقني في الاختصاص أيّ أستاذ مؤهّل علمياً لتأطيري، لا في تونس ولا خارجها. وجدّة هذا الاختصاص (عموماً لم يظهر إلا في السبعينيات وفي فرنسا) هي الّتي حفزتني على خوض المغامرة البحثيّة. أنا من هؤلاء الّذين يكرهون الطرقات المعبّدة والكلام المكرور مع قناعتي بأنّ استكشاف الجديد طريق متعب، ولكنّه يغيّر المشهد عندما نسير فيه باقتدار وصبر وجديّة.

رغم شهرة العديد من الكتب العربيّة الّتي سلّطت الضوء على الذات سرداً، إلاّ أنّ المكتبة العربية تبقى مقلّة في كتابة أدب الذّات بمفهومه الواسع (سيرة ذاتية، يوميات، مذكرات...). برأيك ما سبب تردّد الكاتب العربي في كتابة ذاته؟

في الواقع المؤلّفات العربيّة الّتي يمكن أن نلحقها بكتابات الذّات ليست قليلة العدد، بل أكثر من ذلك، هي نوعيّة وقادرة على تحقيق الإضافة الثّقافيّة. هذه المؤلّفات قديمة وحديثة بحسب النوع الذّاتي المقصود، فكتاب "الاعتبار" لأسامة ابن منقذ نصّ ذاتيّ رائع، والشيء نفسه بالنسبة إلى التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً، ولي في النّصين دراستان، الأولى بالعربيّة والثانية بالفرنسيّة، حاولت خلالها أن أكشف عن معايير كتابة الذّات العربيّة في القرون الوسطى نشرت بمجلّة ARABICA، وأنا أؤكّد هنا عبارة نص ذاتي ولم أقل سيرة ذاتيّة. تجنيس كتابات الذات مشكلة معقّدة ولا ينبغي إخضاع النّصوص للإسقاطات الأجناسيّة التعسّفيّة. أمّا في الحديث، فهذه النصوص غزيرة ومتنوّعة جدّاً، فضلاً عن كونها بصدد تطوير أشكال كتابتها. وهذه الغزارة ليست بنت التقليد لنصوص الغرب بل نتيجة حتميّة لصعوبات الفترة الحديثة الّتي مرّت – وتمرّ - بها الأقطار العربيّة بداية من أزمة عصر النهضة وصولاً إلى ما يسمّى بـ"الربيع العربي".

من أبرز الإشكاليات الّتي تعترض الباحث في هذا المجال أنّه يعجز عن الوصول إلى مفهوم للسيرة وأدب الذات، خصوصاً مع تنوّع أشكاله وتنوّع وسائطه اليوم مع وسائل التواصل الاجتماعي، إذ صرنا نرى على اليوتيوب مثلاً "يوميات" بالصوت والصورة ينشرها المستخدمون دون أن يكونوا كتّاباً أو شعراء، هل خرجت أستاذتنا جليلة الطريطر بمفهوم للسيرة وأدب الذات بعد عقود من البحث؟ وما أسباب صعوبة تحديد المفهوم برأيك؟

إن أردت الحقّ سأقول لك، صعوبة تحديد المفاهيم الأجناسيّة في كتابات الذّات حقيقة أريد بها باطل. هناك من يتوهّم صعوبة في المفاهيم لأنّه يرسل الكلام على عواهنه ولا يتحرّى شيئاً، بل يتحدّث حديث إشاعة، والغريب أنّ مثل هذه الأقوال أضحت تسري سريان النار في الهشيم لدى نقاد متطفّلين. الكتابة عن الأدب تستدعي القراءة والصبر والمتابعة لا التسرّع، فليس كلّ متكلّم له أهليّة إصدار الأحكام النّقديّة القيميّة. أصل المسألة لا يكمن في المفاهيم بل في النصوص والقدرة على تجنيسها وفق رؤية نقديّة عالمة ومنسجمة مع منظومة متعدّدة متداخلة تأتلف وتختلف في عناصر دون أخرى. لذلك أعتبر أنّ النّقد اختصاص وأهليّة وكفاءة متعبة، وليس ثرثرة هنا وهناك وشعارات ترفع بلا حساب، ولا أقلّ خطأ من الأوّل القول بأنّ السير الذاتيّة العربيّة لا تساوي شيئاً قياساً إلى الأجنبيّة منها، لأنّها ليست متحرّرة من الرقابة الأخلاقيّة أو الدينيّة، هذا رأي آخر متهافت شائع أيضاً.

الناقدة التونسية جليلة الطّريطر: النّقد اختصاص وأهليّة وكفاءة متعبة، وليس ثرثرة هنا وهناك وشعارات ترفع بلا حساب

أيهما أهمّ في أدب السيرة برأيك: سرد السيرة وطريقة حبكها أم الحقيقة والواقع، أي حقيقة الأحداث المسرودة وواقعيتها (أي ما هو مرجعيّ تحديداً)؟

لا أعتقد أنّ الفصل بين آليّات السرد ومفهوم الحقيقة ممكن. على العكس لقد خصّصت في مؤلّفي القاعدي "مقوّمات السيرة الذاتيّة في الأدب العربيّ الحديث: بحث في المرجعيّات"، فصولاً مطوّلة للبرهنة على العلاقة العضويّة بين نمط السرد ومقولة الحقيقة، وكنت أوّل من اقترح مقولة الهويّة السرديّة مطبّقة على الحبكة السيرذاتيّة لتقديم حلّ مقنع لهذا الإشكال. الحقيقة التّاريخيّة ليست حقيقة سكونيّة محدّدة بل هي حقيقة خطابيّة، وكلّ خطاب يطرحها أو ينتجها على الأصحّ وفق آلياته الخاصّة. الفصل بينهما مغالطة ويبدو أن "لوجون" انتهى في هذه السنوات الأخيرة إلى الاقتناع بهذا الطرح وتزكيته، والحال أنّي تعمّقته منذ أواخر التسعينيات.

إلى أيّ مدى يمكن الحديث عن سيرة شعرية برأيك؟ (لماذا تركت الحصان وحيداً لمحمود درويش مثلاً).

لا أرى أنّه من الممكن أن نكتب سيرة ذاتيّة شعريّة بالمعنى السردي. يمكن مراجعة كتابي "مقوّمات السيرة الذاتيّة" لتعمّق جزئيّات هذه المسألة.

في آخر كتبك "مرائي النّساء: دراسات في كتابات الذات النسائية العربية" الصّادر مؤخّراً، والّذي يعدّ عملاً مرجعياً في مجاله، اهتممت بشكل أخصّ بكتابة الذات النسائية، ما مشروعية الفصل بين مرائي النساء و"مرائي الرجال"؟ وما أبرز خصوصيات قلم المرأة وهي تكتب ذاتها بعد قرابة 500 صفحة قطعتها في تقصّي هذا اللون وأساليبه؟

فعلا ما مشروعيّة الفصل بين كتابات الذّات الرجاليّة والنّسائيّة؟ جوابي يرتبط بالتموقع الأنوي الاجتماعي في نطاق مقولة الأدوار الاجتماعيّة في علاقتها بعلاقات السلطة وما ينجرّ عنها في مستوى الوعي بالهويّة. النصوص هي الّتي تدلّ على وجود ترابط عضوي في الوعي بالذات بين الهويّة بمفهومها الفردي individuel، والهويّة بمفهومها القاعدي الاجتماعي النّوعي أو الجندري. كتابات النساء أثبتت مشكليّة هذا الترابط الّذي لم يتّخذ نفس التوجّه لدى الإعلام، واتّخذ أشكالاً أخرى من التّداخل المشكليّ. وهو ما يبرّر في نطاق هذا المنظور ضرورة الفصل المنهجي لتبيّن هذا المستوى الهام. لا وجود لبحث لا ينطلق من تقطيع ما على شرط أن يكون مبرّراً ومنتجاً، لذلك هذا الفصل هو وجه من وجوه الكشف عن الخصوصيّات، ولكن دون استبعاد وجوه أخرى ممكنة بشرط أن تثبت مشروعيّتها ومردوديّتها المعرفيّة.

الناقدة التونسية جليلة الطّريطر: أزمة كتابة الذات العربيّة ليست أزمة انفصال بل أزمة كيفيّة إعادة الاتصال على نحو جديد بالجماعيّ. هذه من أهمّ النتائج الكبرى الّتي انتهت إلى تقريرها بحوثي المتنوّعة على مدى ثلاثة عقود من الزمن

تقولين في الكتاب ذاته إنّ "أزمة الهوية في أدب الذات العربيّ ليست أزمة انفصال الفرد عن الجماعة، بل أزمة كيفيات اتصاله بها"، كيف نفهم هذا الرأي؟

أزمة كتابة الذات العربيّة ليست أزمة انفصال بل أزمة كيفيّة إعادة الاتصال على نحو جديد بالجماعيّ. هذه من أهمّ النتائج الكبرى الّتي انتهت إلى تقريرها بحوثي المتنوّعة على مدى ثلاثة عقود من الزمن. ولئن أعتبر شرح هذه المسألة أمراً معقّداً ويحتاج بذاته إلى كتاب، فخلفيّته الأساسيّة هي برهنتي دائماً في أشغالي البحثيّة على ضرورة إبراز الخصوصيّات الثّقافيّة والحضاريّة في الإنسانيّات. لست من زمرة النّقاد الهواة لاستنساخ الأفكار الغربيّة بل أسعى على الدوام لاستكشاف الخصيصة الثقافيّة وتثمينها تداولياً.

في "مرائي النساء" تناولت بالدرس والتحليل نماذج متنوّعة من الأقلام النسائية العربية (نوال السعداوي، يمنى العيد، عائشة عودة، لطيفة الزيات، نجاة البكري، زبيدة بشير، شهرزاد الرايس، عروسية النالوتي، حفيظة قارة بيبان)، وقد يلاحظ قارئ الكتاب طغيان البعد النضالي المقاوم في كتابات كثيرة من هذه المدوّنة الضّخمة مباشراً كان ذلك أم غير مباشر، ما أبرز وظائف أدب الذات زيادة عن المقاومة؟ وإلى أيّ مدى يتعارض ذلك مع أدبيّة النصّ السيرذاتي برأيك؟

أدبيّة النصوص الذاتيّة ثانويّة يسمّيها جيرار جونات "الأدبيّة المشروطة" Conditionnelle لذلك استطاعت كتابات الذّات التّعبير عن الأفكار بحريّة كبيرة، وأهمّها فكرة النضال والمقاومة. الذّات الفرديّة تطلب بشكل من الأشكال دائماً التحرّر من شيء ما يعوق انبساطها وفاعليّتها الفرديّة والاجتماعيّة وفي هذا السياق كانت كتابات النّساء تعبيراً عن معوّقاتها الجندريّة لأنّها أمّ المعوّقات الأخرى المترتّبة عن الأولى. ولكتابات الذّات وظائف عديدة أخرى فرعيّة مثل الالتذاذ باستدعاء الماضي، أو التبرير، أو التواصل الفكري والشعوري مع الآخرين بما هم قرّاء حميمون، ولكن هذا لا ينفي ذاك وبرأيي نحن إزاء منظومة ونصوص وسياقات وهذه العوامل هي الّتي تشكّل الوظائف وتستحدثها.

كتابات الذات العربيّة طريفة جدّاً، وهي جزء حيّ من الذاكرة التاريخيّة موازية للذاكرة الرسميّة بل ومناوئة لها أحياناً، وهذا ما كشفت عنه بالدليل من خلال إحياء كتابات النساء العربيّة الّتي أهملت ولم تدرج في تاريخ الأفكار. والسبب أنّ المرأة العربيّة كانت موضوعاً في الثّقافة وغير ماسكة بسلطة القلم الرمزيّة، ولكنّها فهمت المسألة وتخطتها إلى حدّ كبير.

عادة ما يُقال إن الرواية تمتص كل الأجناس الإبداعية لأنها تسعها، ولكن ألا يبدو أن السيرة الذاتية أولى بهذا الوصف لقدرتها على احتواء بقية الأجناس الإبداعية الأخرى بما فيها الرواية ذاتها إضافة إلى الشعر والموسيقى والحكاية وغيرها؟

الرواية قادرة على استيعاب أشكال تعبيرية متنوعة بما فيها الأشكال الذاتية. يمكن ذكر بعض الأمثلة "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم، هي رواية استعارت اليوميات إطاراً سردياً ومعاقدتها الروائية نص عليها الحكيم في "عدالة وفن".

يمكن للرواية أيضاً أن تكتب في شكل ترسلي le roman épistolaire أو في شكل سيرة ذاتية وهمية. الفيصل بين المتخيل والمرجع هو المنعقدة، وليست الأشكال التعبيرية معياراً أجناسياً بذاتها. لذلك يمكن أن نتحدث عن سيرة ذاتية روائية دون الخروج عن المعاقدة السيرذاتية، بمعنى أن السيرة الذاتية يمكن أن تكتب بأسلوب روائي، وهي تمزج في الأغلب بين هذا الأسلوب والمقال.

أما الرواية السيرذاتية فهي مجرد رواية مشفوعة بميثاق روائي، ولكن القارئ قد يرى بالفعل علاقات مشابهة بين بطلها والمؤلف، فتنقله القراءة إلى مقام بيني مشكلي، ولكنه لا يرقى إلى التجنيس السيرذاتي. أما التخييل الذاتي فهو جنس هجين ظاهرياً ولكن لا علاقة له بكتابات الذات، فقد نشأ على التخوم موهماً بمرجعية أنوية تصب في معاقدة روائية تخييلية أساساً، لأن تخييل الذات ينزاح بها تماماً عن مبدأ المطابقة، ويجعل منها موضوعاً تخييلياً، مثل أي موضوع آخر تستولي عليه الرواية وتدمجه في نظامها التخييلي. لا أحد يقول مثلاً بأن المرجعيات الواقعية في الرواية الواقعية تبقى محافظة على إحالتها الواقعية. لذلك فإنّ الخلاصة أن التداخل الأجناسي هو الأصل والفيصل هي المعاقدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard