سيرة القاهرة من دروبها العامرة... حكايات "زيزو" عن التاريخ وروح المدينة

الأربعاء 22 يونيو 202206:07 م

في يناير/ كانون الثاني 2011، خرج كغيره من الشباب يحدوه الأمل في التغيير. لم يكن منشغلاً قبل ذلك التاريخ بالسياسة، لكنه كان يبحث عن طريق يعبّر من خلاله عن محبته لهذا البلد. 

 تسعة أعوام استغرقت رحلة عبد العزيز فهمي كي يبدأ تكوين ملامح نافذته بوضوح وتُولد "سيرة القاهرة" عام 2020، وهي مبادرة خاصة للإبحار في تاريخ القاهرة القديمة، نجحت في تقديم دليل بصري للأزقة والمعالم الأثرية، من خلال جولات مصورة يعرضها عبر منصة "يوتيوب" كدليل إرشادي يصاحبك وقتما تشاء تحت عنوان "من دروبها العامرة".

عبدالعزيز فهمي، أو كما يُعرف بـ"زيزو عبده"، يبلغ عمره 38 عاماً، تخرج في قسم التاريخ بكلية الآداب في جامعة القاهرة، واستهواه البحث في تراث المدينة التي ولد في إحدى مناطقها المميزة، وهي منطقة "باب البحر" حيث بقايا أسوار القاهرة. وكانت رحلته اليومية بين جدارن المباني القديمة تختزن في ذاكرته، وتحدد طريقه من دون قصد أو وعي منه بذلك.

كانت رحلته اليومية بين جدارن المباني القديمة تختزن في ذاكرته، وتحدد طريقه من دون قصد أو وعي منه بذلك

سبيل آخر للانتماء

اهتدى زيزو عبده إلى أن الانتماء الحقيقي لن يحدث إلا بالتعرف على ملامح المدينة وخلق ذكريات مع الأماكن وساكنيها، مستلهماً تجارب كتّاب ومثقفي الفترة الذهبية للإبداع في مصر ممن كتبوا عن المدينة وشوارعها وخصوصيتها كما يظهر في أعمال نجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهما، فكتاباتهم تفصح عن ارتباطهم بمناطق القاهرة القديمة، التي ضمت ندواتهم وجلساتهم في مقاهيها، إضافة لكون غالبيتهم خرجوا من مناطق شعبية مثل الدرب الأحمر والسشدة زينب والجمالية.

يقول زيزو عبده لرصيف22 إنه سعى طوال السنوات الخمس الأخيرة لتأريخ وتوثيق المدينة من زوايا مختلفة، ويوضح أنه لدى تأسيس مبادرة "سيرة القاهرة" بدأ بالالتفات إلى تنظيف عدد من الآثار الإسلامية المهملة، والتوعية بها والكتابة عنها، واعتمد في ذلك على اختيار مناطق غير معروفة للكثيرين، ثم بدأ في تنظيم مجموعة من الندوات بالتعاون مع بيت السناري ومكتبة الإسكندرية، تعتمد على مشاركة "المؤثرين" من أصحاب التجارب مع أزقة المدينة وتاريخها، والمتخصصين في مجالات التراث، والتاريخ، والأدب، والسينما، للحديث عن المدينة من أوجه مختلفة.

تأريخ قصصي لمصر القديمة

نوعت المبادرة في أنشطتها فتُنظم يوم الأحد من كل أسبوع "تمشيات القاهرة" وهي جولات مجانية خاصة، للتعرف على معالم القاهرة بالطريقة التي تخدم هدف "سيرة القاهرة". تُتيح الجولات الفرصة لأبناء المحافظة أو غيرها من المحافظات أو الضيوف من الدول العربية، العيش مع تفاصيل الأماكن.

ويوضح زيزو أن اختيار يوم الأحد يرجع إلى كونه إجازة اسبوعية للورش والمحال التجارية، "فتتضح المعالم بصورة أفضل".


في يناير/ كانون الثاني 2021، أطلق مؤسس المبادرة خطوة جديدة وهي مشروع صوتي يحمل اسم"تجليات من وحي الأثر"، عبارة عن مقاطع صوتية تُنشر على منصة ساوند كلاود، تتضمن سرديات متخيلة، يُركز فيها الكاتب على أثر بعينه أو جزء منه يحوله لنص أدبي، ويكتفي عبده هنا بدور الباحث والكاتب، بينما تقدم زميلته ريم جمال الدين القصة بصوتها بمصاحبة مقطوعة موسيقية.


كان التوثيق البصري هو الخطوة الأهم، حسب وصف زيزو، والذي تم من خلال برنامج "من دروبها العامرة"، يقوم خلاله بدور الحكّاء في تجربته الأولى من هذا النوع، ويرى عبده أن ما شجعه على تقديم "دليل بصري" هو عدم وجود مادة كافية توضح التطور العمراني للمدينة.

"تخيل معايا الشاعر العراقي الكاظمي على سطح منزله يكتب قصيدة وتحت البيت يلعب نجيب محفوظ مع أصحابه في الدرب ذاته"

 وبالرجوع للأفلام المصرية القديمة وروايات الأديب الراحل نجيب محفوظ ومن بعده جمال الغيطاني، نجد أن الحديث عن المدينة يكون من خلال الجغرافية الأدبية والتاريخية، وأن الفترة القادمة ستشهد خطوات جديدة حول نشر الوثائق الخاصة بالمدينة.

تناول البرنامج في حلقاته المُذاعة قصص لدروب مثل "درب قرمز"، "القربية"، "حارة السقايين"، وغيرها، ففي حلقة درب"قرمز" مزج بين حكايات المباني الأثرية والشخوص، فروى قصص الأسبلة والقصور المختلفة المرتبطة بالدرب، وربط الزخم التاريخي للمكان وما ضمه من مثقفين بولادة شخصية الأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ، فيذكر في الحلقة "على سطح أحد البيوت في درب قرمز كان بيسكن الشاعر العراقي الشهير عبد المحسن الكاظمي، تخيل معايا الشاعر الكاظمي على سطح منزله يكتب قصيدة وتحت البيت يلعب نجيب محفوظ مع أصحابه في الدرب ذاته".

ترك زيزو للكاميرا المساحة لرصد التطور التاريخي والعمراني للمناطق وأبرز قاطنيها من المشاهير، في محاولة لعمل مُقاربة بين المكان قديماً وحديثاً، مضيفاً أن هدفه الرئيسي هو أن تكون هناك مادة متاحة لأي باحث يريد العمل عليها توفر على الأقل نسبة 70% من المعلومات. 

ويؤكد أنه يلجأ إلى "عدد كبير جداً" من المصادر التاريخية والمراجع لتدقيق المعلومات، لبدء مرحلة كتابية فمرحلة "التبسيط" وهي الكتابة بالعامية المصرية بغرض إفادة أكبر عدد من المتابعين.

بدأ "من دروبها العامرة" منذ عامين بفريق عمل يتكون من 3 ثلاثة، يعمل جميعهم بشكل تطوعي، وبلغ عدد العاملين عليه حالياً 11 متطوعاً.

ويرجع الباحث قلة عدد الحلقات إلى طول الفترة التي يستغرقها في البحث بين المراجع لبناء سيرة تاريخية وعمرانية للمكان. موضحاً أنه يعمل على إيجاد فريق بحث يعاونه ليركز دوره على الصياغة والتبسيط، إضافة للحكي. إلا أن إشادة الكثير من المختصين في الجوانب الفنية (التصوير، المونتاج، الإخراج وغيرها) دفعته للاستمرار في الحفاظ على الجودة حتى إن استغرق ذلك وقتاً أطول، لافتاً إلى أنه لا يهتم بتصنيف المادة إذا ما كانت وثائقية أو تسجيلية.

يعمل أفراد فريق "سيرة القاهرة" على نشر المحتوى من خلال المنصات المتاحة وهي يوتيوب، وإنستغرام، وتيك توك، إلا أن الأمل في عرض المادة على شاشة التلفزيون لم يفارقهم أملاً في الوصول إلى أكبر قاعدة من المشاهدين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard