محاكم التفتيش الإلكترونية في عُمان

الثلاثاء 21 يونيو 202201:13 م

تم نشر هذا الموضوع بالاتفاق مع موقع "مواطن"

مع وصول السلطان هيثم بن طارق للحكم، استبشر العمانيون بعصرٍ جديد، لا يُحاكم الناس فيه على معتقداتهم وأفكارهم وآراءهم، به مساحة واسعة لتداول ومناقشة الأفكار بين جميع الناس دون خوف، وبينما كان الصراع الفكري محتدمًا بين التيار الديني وأصحاب الفكر الحر على منصات التواصل الاجتماعي، إذا بسلسلة اعتقالات واقتحامات وأحكام قضائية تصدر وتعيد الجميع في دائرة الشك حول مسألة صون الحريات على أراضي السلطنة.

أحكام قضائية

 في السابع من يونيو الجاري، أصدرت محكمة الاستئناف بصحار حكمًا قضائيًا يفيد بحبس الشاب علي بن مرهون لمدة خمس سنوات تحت تهمة التطاول على الذات الإلهية، وحبس الشابة مريم النعيمي لـثلاث سنوات تحت تهمة الإساءة للأديان السماوية. وورد في نص الحُكم القضائي بأن “مريم” نشرت عبارات أساءت فيها إلى الأديان السماوية في إحدى مجموعات برنامج التواصل الاجتماعي “واتساب“. 

في حين لم يؤاخذ المتهم غيث على أية تهمة من التهم المنسوبة إليه مثل: التطاول على الذات الإلهية والإساءة إليها واستخدام الشبكة المعلوماتية ووسائل تقنية المعلومات في التحريض والإغواء على ارتكاب الفجور. وذلك – حسب نص الحُكم – لانعدام مسؤوليته الجزائية.

البداية في مساحات غيث!

مع إطلاق “تويتر” لخاصية المساحات الصوتية، أصبحت الحوارات أكثر سهولة، وبات التعبير عن الرأي يشكّل فرصة حقيقية لجميع أطراف المجتمع العماني بمختلف أفكارهم وتوجهاتهم للتعبير عن آرائهم.  

واحدة من تلك المساحات الصوتية العمانية كانت “مساحات غيث” التي أثارت جدلًا واسعًا بسبب تطرقها لقضايا تخص الأديان، وتعبّر عن فئة من فئات المجتمع؛ حيث أصبحت هذه المساحات حديث الرأيٍ العام.

مع وصول السلطان هيثم بن طارق للحكم، استبشر العمانيون بعصرٍ جديد، لا يُحاكم الناس فيه على معتقداتهم وأفكارهم وآراءهم... وإذ بسلسلة اعتقالات واقتحامات وأحكام قضائية تصدر وتعيد الجميع في دائرة الشك حول مسألة صون الحريات على أراضي السلطنة

إلى جانب الفكر الذي كانت تعبّر عنه هذه المساحات، إلا أنها شهدت حضور الكثير من الشخصيات الدينية الذين طرحوا بدورهم رأيهم الديني تجاه القضايا المثارة، لتتحول هذه المساحة من مجرد مساحة لا دينية إلى مساحة تجمع الجميع وتعبّر عن الجميع.

تحريض واعتقال

وحسب “مصدر خاص” لمواطن“، وهو أحد المقربين من المحكوم عليهم، فإن اللغط الذي سببته هذه المساحات في المجتمع والتحريض المستمر للقبض على من يديرونها من قِبل بعض الشخصيات الدينية، أدى في الأخير لاقتحام السلطات لمقر سكن كل من مريم وعلي وغيث، ومصادرة هواتفهم والتحقيق معهم وحبسهم، علمًا بأن النقاش العام لم يكن يمس الذات الإلهية بشكلٍ مباشر؛ بل كان مساحة يعبّر فيها الأفراد عن قناعاتهم الدينية التي ربما تختلف عن القناعات الدينية السائدة في المجتمع.

ويرى المصدر بأن نقطة التحوّل الحقيقية كانت عندما ناقشت إحدى هذه المساحات أحد مؤلفات المفتي العام للسلطنة أحمد بن حمد الخليلي، وانتقد أحد المعتقلين ما ورد فيها، فيما وصف بـ “محاكمة أحمد الخليلي على كتابه مصرع الإلحاد“، الأمر الذي أشعل موجة تحريض من التيار الديني طالبت باعتقال من يشاركون في هذه المساحة.

أما مريم فلم تكن ذات نشاط بارز في تلك المساحات ولم توجه لها السلطات تهمة إلا عندما صادرت هاتفها الخاص، ووجدت رسالة خاصة في إحدى المجموعات تعود لعام 2017 وتصف الأديان الإبراهيمية عمومًا بالأبوية.

وكانت مواطن قد رصدت سبتمبر الماضي ما تعرّض له الفاروق الصلتي وغيث الشبلي جرّاء مناقشتهما لأفكار المفتي العام للسلطنة، يمكن الاطلاع عليه من هنا.

تأييد قمع حرية العقيدة

 مع موجة واسعة من التعاطف مع المعتقلين في “تويتر” عبر هاش تاج #الحريه_لمريم_النعيمي، وعلى غير عادته، خرج أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان ببيان لا يؤيد هذه الأحكام فقط؛ بل أنّه يطالب بمزيد من التضييق على الحريات الفردية. 

هل نحن أمام مرحلة جديدة من التضييق على الحريات، أم أنها رسالة من السلطة لعموم الشعب أن رصيد هذه الحرية المحدودة شارف على الانتهاء؟

ويطالب السلطة بضرورة ملاحقة وتتبّع من لا يؤمنون بالدين ومحاكمتهم، ووصف جميع من يتعاطف مع المعتقلين بأنهم أعداء الله والبشرية ودعاة للفوضى وعدم المبالاة، وختم بيانه بـ: فسحقًا لهم وسحقًا؛ حيث قال: “إنا لنشكر المؤسسة القضائية في بلادنا على الأحكام التي أصدرتها على المتطاولين على الله، ونسأل الله تعالى لها التوفيق دائمًا لحماية حمى الدين الحنيف والانتصار لله“.

كما أضاف: “إنا لنرجو تتبّع هؤلاء الملاحدة ومحاكمتهم بما تقتضيه شريعة الله غيرةً على الحق وصونًا لحمى الدين، وأما أولياؤهم الضالون الذين يستنكرون عقوبتهم ويرون أن حرية الإنسان في إرخاء العنان له وإن تطاول على الله؛ فإنهم بجانب كونهم أعداء لله تعالى هم أعداء للبشرية“.

حرية التعبير؛ إلى أين؟

 لم يبدأ هذا التضييق على حرية التعبير من هذه القضية فحسب؛ بل برزت ملامحه من إحالة الادعاء العام العماني شكوى ضد الصحفي المختار الهنائي لنشره تغريدة تخص قضية من قضايا الفساد المالي والإداري بتاريخ التاسع من مارس من العام الحالي، وتستمر المخاوف حتى حدوث انتهاكات أخرى للحريات وبأساليب جديدة؛ وهي المحاكمة على الرسائل الخاصة؛ حيث قال ناشط على “تويتر” (علوي المشهور): ‏‎”محاكم التفتيش الإلكترونية لم تعد فقط معنية بما ينشر في الحسابات العامة، وإنما حتى في الواتساب والمحادثات الخاصة. هذه سابقة خطيرة وفيها انتهاك صارخ للخصوصية، وهذا أمر محرم شرعًا وقانونًا، فالمساحات الخاصة لها حُرمات، علمًا بأنها ليست بغرض النشر ولم تحدث في الفضاء العام، وإنما الخاص”.

وقد نشرت مواطن سابقًا في تحقيق خاص تدخل وزير الإعلام العماني الدكتور عبد الله الحراصي في الإعلام العماني بشكل استفز الشارع العماني من خلال إصداره تعميمًا لوسائل الإعلام بحظر نشر جلسات المحاكم، وإيقاف المذيعة خلود العلوي من تقديم برنامجها الإذاعي على إذاعة «هلا» المستقلة، بعد نشر مقابلة أجرتها مع عضو مجلس الشورى محمد الزدجالي انتقد فيها كلًا من رئيس مجلس الشورى ووزير الإعلام، هذه القضايا الأمر الذي يعد تجاوزًا لصلاحياته وانتهاكًا صريحًا لحرية الإعلام. 

في خضم هذه الأحداث المتسارعة والتي تعيد الشك إلى الشارع العماني وتذكرنا بأزمة الدبلوماسي السابق حسن البشام في العام 2015، يظل السؤال مطروحًا: هل نحن أمام مرحلة جديدة من التضييق على الحريات، أم أنها رسالة من السلطة لعموم الشعب أن رصيد هذه الحرية المحدودة شارف على الانتهاء؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard