"جلد الذات"... أثقل ما يحمله الإنسان يدور في رأسه

الاثنين 20 يونيو 202212:17 م

منذ صباي وأنا أسمع بمصطلح "جلد الذات"، فأمرّ عليه مرور الكرام دون أن أغوص في غماره أو أرغب في التعرف عليه. مرّت الأيام وتوالت السنون وانكشفت خبايا هذا المصطلح.  

اكتشفتُ أنّ "جلد الذات" هو أصعب معركة يمكن أن يمرّ بها الإنسان لأن عدوه هو ذاته وغريمه هو نفسه. فيجد الإنسان صعوبة في الانسلاخ عن ذاته، فيصبح عدوّ نفسه. ويظهر ذلك بصورة نفسية وجسمانية على هيئة أمراض عديدة كالتهابات الأمعاء والمعدة والاكتئاب وأمراض الرئة. وعندما لا يوجد للمرض سبب عضوي واضح وصريح، يؤدي وجوده إلى محاربة الجسد لنفسه.  

اكتشفتُ أنّ "جلد الذات" هو أصعب معركة يمكن أن يمرّ بها الإنسان لأن عدوه هو ذاته وغريمه هو نفسه.

على الرغم من هروبي الدائم من التعرّف على هذا الداء - الذي كان يظهر لي بين الحين والآخر، سواء على شاشة التلفاز أو في جريدة أطالعها أو حتى في كتاب أقرأه -  لم يشأ أن يفارق ذاكرتي. وتقرّب مني عن طريق صديقتي في العمل. كنت أكنّ لها الكثير من مشاعر الحبّ والاحترام. وكنت قد عهدتها دائماً بصفات النبل والوفاء والتضحية، فقد كانت مثال الصديقة الخلوقة والأم المخلصة لأولادها وعائلتها، حتى لو كان الأمر على حساب صحتها وعافيتها.  

إلا أنها كانت تعاني من أمراض جسدية وعصبية، إذ تظهر معالم الكآبة والحزن دائماً على ملامحها. ولم أكن لأتعرف على حجم التعب النفسي والوهن الجسدي اللذين تعاني منهما، لولا جلسة صفاء تبادلنا فيها أطراف الحديث مع فنجان القهوة الصباحي، في مكتب عملنا. حينها، شعرت بثقل الحمل الذي تعاني منه بعدما رأيتها وهي مضطربة جداً وقلقة بشكلٍ لا يوصف.  

قررت أن أتعمق بالبحث عن هذا المرض "الغريب والعجيب" من وجهة نظري. فبدأت رحلة البحث من مواقع الانترنت، وصولاً إلى الكتب النفسية الاختصاصية، لأحصد الكثير من المعلومات والنصائح

وعندما شَعَرت بتوددي لها وطيب خاطري عند سؤالي عن سبب تعبها الدائم وشكواها المستمرة، كشفت لي أسرارها. وكما يقال، "فتحت قلبها لي". فحدثتني عن معاناتها مع مشكلة عصبية نفسية، ألا وهي "جلد الذات". وقتذاك، عادت لذهني صور المقالات والكتب التي كنت قد استبعدتها دون وعي مني أو إدراك. وكانت هذه المقالات تتحدث عن هذا المرض بصورة مباشرة أو غير مباشرة.  

عندها، قررت أن أستخدم الوعي في محاربة اللاوعي الذي كان يدفعني للنفور من هذا المصطلح. وكان ذلك انطلاقاً من حبّي الشديد لصديقتي. قررت أن أتعمق بالبحث عن هذا المرض "الغريب والعجيب" من وجهة نظري. فبدأت رحلة البحث من مواقع الانترنت، وصولاً إلى الكتب النفسية الاختصاصية، لأحصد الكثير من المعلومات والنصائح التي أصبح بمقدوري تقديمها لصديقتي بصورة مبسطة وقريبة من تفكيرها. وذلك بسبب إيماني بأنّ الحديث الصريح مع صديقة، يمكن أن يكون له أبعاد إيجابية.  

ومن خلال بحثي عن هذا المرض "العضال"، كان لا بد من التفريق بين مصطلحي "جلد الذات" و "محاسبة النفس". فالأول هو شعور سلبي يسيطر على الإنسان عند تعرضه للمصاعب والمصائب، فيوبّخ الإنسان نفسه على أخطاء جسيمة بنظره، ولكنها تافهة وسخيفة بنظر غيره. كما أنه لا يغفر لنفسه أخطاءه "العظيمة"، فيدخل بدوامة لوم الذات والانغلاق على النفس، إلى أن يسيطر العجز على حياته، فيفقد شغف الحياة ويعيش في القهر واللوم وتأنيب الذات.  

أما محاسبة النفس، فهو شعور إيجابي، يكون فيه الإنسان الواعي والناضج قادراً على معرفة نقاط ضعفه ومصادر قوته. فلا يغوص بدوامة القهر والانحطاط، بل على العكس، ينظر لنقاط قوته فيقويها، ولنقاط ضعفه فيعمل على إصلاحها وتوجيهها لتحقيق أهدافه وغاياته. ومن خلال مقارنة بسيطة، بإمكان أي شخص التفريق بين هذين المصطلحين المتقاربين.  

ولجلد الذات معنى مادي وآخر معنوي. فالمادي يقوم على إلحاق الضرر بالجسد بغرض اللذة والتمتع. وأما المعنوي، فيقوم على لوم الإنسان لنفسه لارتكابه سلوكيات خاطئة. إذ يعدّ جلد الذات مثل "النعاس" يتسلل إلى جسد الإنسان، فيضعفه حتى يستسلم له ويصبح غير قادر على مواجهته. كما يُعتبر من أخطر الأمراض التي تواجه الإنسان، حيث يقوم الإنسان بتهويل الأخطاء التي اقترفها والتمتع بالحديث عنها. حينها، تبدأ رحلة سخط الإنسان على نفسه، إلى أن يصبح الأمر عادة يومية، تصل بالإنسان إلى التلذذ بجلد ذاته، وقد يصل الأمر في المراحل المتقدمة إلى حد "العشق".  

ولجلد الذات معنى مادي وآخر معنوي. فالمادي يقوم على إلحاق الضرر بالجسد بغرض اللذة والتمتع. وأما المعنوي، فيقوم على لوم الإنسان لنفسه لارتكابه سلوكيات خاطئة

ومن وجهة نظري، فالشخص الوحيد القادر على إعاقة طريقك هو أنت، فأنت من يضع الصعاب وأنت من يتجاهلها. وبذلك، يكون الإنسان هو المسؤول الأول والأخير عن سعادته وعن تعاسته. فالأفكار التي تسيطر على الإنسان تصبح واقعه بالحقيقة بحسب الطب النفسي وقوة العقل الباطن.  

وبعد استكمال قراءتي عن هذا المرض ومخاطر استفحاله، تسلل الخوف إلى نفسي خشية من الألم الذي يسببه لرفيقتي وصديقتي. وراهنت على مساعدتها لتجاوز مشاكلها والوصول إلى الشفاء.  

أيقنت أن الإنسان لا يموت عندما تنتهي حياته، بل عندما يموت شغف الحياة بداخله

رحت أهوّن على صديقتي مصابها وأذكرها بقول الرسول الكريم: "إنّ لجسدك عليك حقاً". فالإنسان الواعي يجب أن يحقق التوازن بين واجباته وحقوقه ليستطيع العيش بسلام وطمأنينة.  

وبعد محاولاتي الحثيثة وعروضي الكثيرة، استطعت أن أقنعها بالبدء في رحلة العلاج. ذهبنا إلى طبيب مختص قام بإعطائها الأدوية المناسبة لحالتها. كما أتبع العلاج السلوكي المعرفي إلى جانب العلاج الدوائي.  

بعد حوالى السنة من العلاج والمثابرة والدعم الأسري، استطاعت صديقتي الأحبّ إلى قلبيّ أن تعود لحياتها الطبيعية. شعرت بالفخر والاعتزاز بنفسي لمساعدتها على تجاوز مشكلتها. وأيقنت أن الإنسان لا يموت عندما تنتهي حياته، بل عندما يموت شغف الحياة بداخله. كما أيقنت أن أثقل حمل يمكن أن يحمله الإنسان، هو ما يدور في رأسه ويمرّ في خاطره. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard