أما آن الأوان لكسر شمّاعة المظلومية؟

الخميس 16 يونيو 202203:11 م

كانتشار النار في الهشيم، انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً، مقطع مصوَّر لقدم شخص ما "ترفس" امرأةً عجوزةً سوريةً تجلس على كرسي خشبي، وسط ذهولها وصمتها القادر على التعبير عن وجع وألم من دون أن تنبس بكلمة واحدة أمام الكاميرا التي صورت المشهد. فقط نظرت إلى الكاميرا بذهول!

من أسهل الأشياء على أي شخص في ظل الظروف الحالية التي يمر بها السوريون، والعرب، أن يلقي الشعارات العاطفية على آذان الناس، وأعتقد أن العالم العربي لديه تجربة طويلة من العاطفة السياسية كانت سبباً من الأسباب التي أوصلته إلى ما وصل إليه.

لا يكاد يمرّ يوم واحد، واحد فقط، من دون أن نسمع عن حادثة عنصرية تعرّض لها سوريون أو عرب في شتى بقاع الأرض وكأن الأرض ضاقت بهم، وبقدر ما تشكل العنصرية أزمةً كبيرةً في حياة أي إنسان، خاصةً إن لم تقتصر على موقف واحد بل بشكل متكرر ودائم، كذلك تُشكّل الاستكانة التهديد والخطر نفسيهما.

كما العادة، توالت الإدانات وانتشرت صور التضامن مع السيدة السورية عبر وسائل التواصل الاجتماعي من سوريين وعرب وأتراك كذلك، وتحول الأمر إلى قضية رأي عام. مئات الآلاف أغمضوا عيناً وفتحوا أخرى كما فعلت هي تماماً (في صورة تذكرنا بحملة التضامن مع الطفل كريم الذي فقد عينه، وكُسرت جمجمته في قصف لقوات النظام السوري على الغوطة الشرقية في عام 2017).

المشهد الذي شاهدته مئات الآلاف بالتأكيد كافٍ للدهشة والذهول والغضب والشعور بالخذلان والعجز، لكن شريحةً أخرى يُمكن أن نطلق عليها اسم "شريحة شو طالع بإيدنا يابي؟!"، تثير الغضب والدهشة في الدرجة نفسها، وهي شريحة لا تتعلق بالسوريين وحدهم، وستجدها من حدود العراق الشرقية مع إيران وصولاً إلى حدود المغرب على المحيط الأطلسي، شريحة تتمسكن، هدفها لا يقتصر على الصمت، بل إجبار الآخرين على الصمت أيضاً.

تُعلّق هذه الشريحة العربية (وهي للأسف شريحة واسعة)، مشكلاتها وآلامها وعجزها على شماعة المظلومية، لا يخرج صوتها سوى خلف التغريدات والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، وشعارها الأثير "اللهم إنّا مغلوبون فانتصر"، وكأن الله سينصرهم وهم ينتحبون من دون تحرّك ومن دون اتخاذهم خطوة واحدة ولو على صعيد التفكير في كيفية الانتصار.

هذه الشريحة بإمكاننا وصفها "بالخطيرة"، كما أنها تتخفى خلف شعارات "شو طالع بالإيد؟ الله يفرّج، الله يطفيها بنوره!".

تُعلّق هذه الشريحة العربية (وهي للأسف شريحة واسعة)، مشكلاتها وآلامها وعجزها على شماعة المظلومية، لا يخرج صوتها سوى خلف التغريدات والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، وشعارها الأثير "اللهم إنّا مغلوبون فانتصر"، وكأن الله سينصرهم وهم ينتحبون من دون تحرّك ومن دون اتخاذهم خطوة واحدة ولو على صعيد التفكير في كيفية الانتصار

هل تصدق أن هذه الشريحة يا صديقي تطالبك بالصمت وإخفاء صوتك والتسليم بضعفك، كما أي ديكتاتور على سطح هذه الأرض؟ بل لها تمثيل سياسي أيضاً، أخبرني إن كنت مطلعاً على الشأن السوري المعقد، ما الفارق بينها وبين الائتلاف الوطني لقوى الثورة السورية على سبيل المثال؟ أو مجالس الدمى العربية (البرلمانات)؟ لا شيء، هم ممثلوهم السياسيون وأصحاب مناصب المستقبل بعد المصالحات المقبلة والمفروضة فرضاً على الجميع.

بالطبع لا أطالب هنا بالخروج بمظاهرات عارمة تزيد الأوضاع تعقيداً، ولا أزايد على الخائفين، لكنني أتسائل بعد 11 عاماً من اندلاع الثورات العربية، وكل ما مرّت به الشعوب العربية عموماً، والسوريون تحديداً، أما آن أوان الكلام وكسر شماعة المظلومية المقيتة؟ أما آن للصوت أن يعلو في وجه حملات العنصرية المتتالية المترافقة مع انسداد أفق الحلول؟ أما باستطاعة السوريين بكل ما يملكونه من إمكانيات مادية ولوجستية ومعرفية تشكيل لوبي ضغط يحفظ مصالحهم ويدافع عن حقوقهم؟ أم أن الارتباطات الأيديولوجية للكثير من أصحاب الفعاليات العرب هنا تمنع هذا الأمر ولو كان على حساب مصالح السوريين وصوتهم وآلامهم؟

لا أحد يمكنه مساعدتنا إن لم نساعد أنفسنا، ولن نساعد أنفسنا من دون أن نعلم إمكانياتنا ونقاط ضعفنا وقوتنا، والحديث هنا بقدر ما يخص السوريين فإنه يخص وينطبق على العرب عموماً في المهجر تحديداً.

لا يخفى على أحد القلق والخوف والتفكير المستمر في المرحلة التالية التي سيعيشها السوريون في تركيا، في ظل الظروف السياسية التركية والدولية، ومع تزايد الحديث عن إنشاء المنطقة الآمنة في الشمال السوري، ولهذا القلق مبرراته، ونتائجه كذلك!

من أسهل الأشياء على أي شخص في ظل الظروف الحالية التي يمر بها السوريون، والعرب، أن يلقي الشعارات العاطفية على آذان الناس، وأعتقد أن العالم العربي لديه تجربة طويلة من العاطفة السياسية كانت سبباً من الأسباب التي أوصلته إلى ما وصل إليه، ولست في وارد الذهاب في هذا الشقّ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ألم يأتِ أوان الفعل؟ إلى متى سيبقى اللاجئون السوريون في تركيا ضمن صورة العاجز المنتظر للصدقة حتى يعيش يومه؟ وهي صورة روجت وتروج لها منظمات مدنية وخيرية وحكومات حصلت على ملايين الدولارات خلال عشر سنوات على أكتاف السوريين واليمنيين وغيرهم.

أكثر من عشر سنوات مذ قرر السوريون أن يثوروا في وجه الأسد، ولا يتحملون مسؤولية ما وصلت إليه البلاد، وإن كان السوريون نجحوا على الأقل في كسر جدار الصمت الذي شكل أكبر مخاوفهم لعقود، فعلينا اليوم أن نكسر جدار المظلومية. لا، لسنا ضعفاء ولا عاجزين، نحن تائهون، وفي مرحلة المتاهة خرج علينا العشرات ممن تحدثوا باسمنا ليحصلوا على نصيبهم من الكعكة. لا أدّعي أن الأمر سهل والحلّ سحري، كما أنني لا أطالب بخروج مظاهرات عارمة أيضاً.

لكن في المقابل، ما أقوله هو أن لدينا كسوريين، وكعرب كذلك، أدوات يمكننا استغلالها لتغيير الوعي الجمعي ونظرتنا إلى أنفسنا ونظرة الآخرين إلينا كذلك. لا أحد يمكنه مساعدتنا إن لم نساعد أنفسنا، ولن نساعد أنفسنا من دون أن نعلم إمكانياتنا ونقاط ضعفنا وقوتنا، والحديث هنا بقدر ما يخص السوريين فإنه يخص وينطبق على العرب عموماً في المهجر تحديداً.

وإن كنت سأتحدث عن السوريين تحديداً، فإن على الشباب القادرين على التغيير التحرك في هذا الاتجاه. ليس بالأمر الهيّن بالتأكيد، لكنه ممكن، وأعرف شخصياً عشرات الشبان والشابات العاملين والعاملات في الكثير من المراكز البحثية والعلمية والثقافية القادرين على التخطيط والتعامل مع المواقف باحترافية والمشي بخطوات بنّاءة في اتجاه وضع أفضل، وعلينا جميعاً أن ننفض هؤلاء الجالسين على أكتافنا، ممن صنعوا من أجسادنا منابر ليتحدثوا باسمنا ويسرقوا أحلامنا، ويحكموا مواطنين سوريين تحت سلطة الأمر الواقع.

عشنا في المنطقة العربية لعقود تحت تأثير الشعارات الرنانة، قبل أن تُزرع في داخلنا فكرة الاتّكال على الشماعات والخوف والإيمان بنظرية المؤامرة الممتدة منذ سنوات طويلة، من دون أن تنجح أجهزة الاستخبارات العريقة في كشف خيط واحد من خيوط هذه المؤامرة التي اجتثّت أرواحنا، ولكي ننجو، علينا وأقولها صادقاً، أن نكسر الخوف مجدداً ونتوقف عن خطابات المظلومية

عشنا في المنطقة العربية لعقود تحت تأثير الشعارات الرنانة، قبل أن تُزرع في داخلنا فكرة الاتّكال على الشماعات والخوف والإيمان بنظرية المؤامرة الممتدة منذ سنوات طويلة، من دون أن تنجح أجهزة الاستخبارات العريقة في كشف خيط واحد من خيوط هذه المؤامرة التي اجتثّت أرواحنا، ولكي ننجو، علينا وأقولها صادقاً، أن نكسر الخوف مجدداً ونتوقف عن خطابات المظلومية.

فإما أن نحسن استغلال الظلم الواقع علينا فعلاً، لنغير ونتغير في اتجاه نجد فيه حلاً لأزمة أنهت بلداً برمته، وإما أن نتخلص من خطاب المظلومية ونعمل جميعاً على حل فعّال وجذري مجتمعياً وإنسانياً وسياسياً، وإلا فسنبقى في دوامة العجز والقلق من دون نهاية، حتى نموت كمداً ولن يصلّي علينا أحد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard