أمي التي لم تدخل مدرسةً، علمتني الشعر... ولم تصدّق يوماً أن الله يكره الشعراء

الثلاثاء 14 يونيو 202209:44 ص

حتى الصف الرابع، كنت أعتقد أن أمي هي من أتى بالفُلِّ إلى هذا العالم. كان مشغلها بدائياً وبسيطاً؛ مجرد صفائح صدئة لماركات زيوت بالكاد تُقرأ... مصفوفة بشكل أنيق على سطح بيتنا. كانت تسقيها عصر كل يوم، وكنت أجلس في الفيء اللطيف أراقب عنق أمي المتعرّق ويديها، وأشم رائحة الماء الذي يتشرّبه الإسمنت الخارج من ظهيرة قاسية. لم تكن تفلسف الأمر، أو تجعل منه قصيدةً، لكنها حقاً في الصباح تقول لهن: "يصبحكن بالخير حبيبات قلبي"... حتى الصف الرابع كنت أعتقد أن أمي هي من أتى بالفل إلى هذا العالم، بقي هذا الاعتقاد في رأسي إلى اليوم، غير أنه صار يقيناً راسخاً إذ تذكرت الفلة المشكوكة في شعرها الأبيض... وحللت لغز الرائحة الفريدة.

حتى الصف الرابع، كنت أعتقد أن أمي هي من أتى بالفُلِّ إلى هذا العالم.

كان يجب أن أعتقد على هذا النحو، فهذه المرأة وبالرغم من أنها لم تدخل مدرسةً يوماً، ولا تعرف شكل المعلمين أو غرف الصف ولا حتى أمسكت يوماً بكتاب أو بمجلة لتقرأ، أو بقلم لتكتب، إلا أنها كانت تملك عيناً لا تعرف إلا الانتباه إلى الجمال في أي زاوية كان. كانت ببساطة تقول لأشجار حقلنا المتوسطة الحجم، حين نصل إلى الحقل، وبينما نحن الأبناء نتبرم ونتأفف من يوم العمل المرهق الذي ينتظرنا، تقف وتقول وهي مبتسمة ترفع يدها ملوحةً: "يصبحكن بالخير يا صبايا". كانت تعامل حتى شراشف سريرها وفساتينها وأدوات مطبخها على هذا النحو، كأن لا جمادات في الكون، وكل شيء يملك روحاً يمكن التقاطها والتحدث إليها حتى. لم تكن تعي أنها تفعل كل هذا بمعنى الشعرية، فالأمر عندها ببساطة، هو الحياة نفسها، فلا شيء مستثنى من معنى الحياة. حتى حديثها عن الموت يجعله جزءاً عادياً من الحياة نفسها.

كان يجب أن أعتقد على هذا النحو، فهذه المرأة وبالرغم من أنها لم تدخل مدرسةً يوماً، ولا تعرف شكل المعلمين أو غرف الصف ولا حتى أمسكت يوماً بكتاب أو بمجلة لتقرأ، أو بقلم لتكتب، إلا أنها كانت تملك عيناً لا تعرف إلا الانتباه إلى الجمال في أي زاوية كان

منذ هجرتُ الحكايات السحرية لجدتي، معلناً أنها قصص تخص صغار العائلة فقط، كنت أقع لا شعورياً وبدهشة كبيرة في شرك مذهل؛ إنه طريقة أمي في سرد أي حادثة مهما كانت عاديةً، إذ صادف أن سمعت حوادث عدة يشترك معظم الأقارب أو الجيران في معرفتها واستحضارها من الذاكرة المشتركة للعائلة أو للحي. الحادثة ذاتها كانت تبدو مختلفةً وتملك سحراً لا يقاوم. تحتفي بتفاصيل لم يلمحها أيّ ممن سردها مصادفةً على مسمعي. وحدها أمي من كانت ترى تفاصيل فاتت الجميع. كدت أجزم مرات عدة أنها تروي قصةً من خيالها، أو أنها حوّرتها ببعض من الخيال -وهذا بطبيعة الحال مبرر في الأدب والإبداع- لولا تأكيد الجميع على صدق ما تروي. كان الأمر ببساطة هو زاوية الرؤية، أليس هذا هو سر الإبداع في كل مجال يخص الفن والأدب؟ الحادثة والمشهد واحد لكن أين ستضع كاميرتك أيها المصور، أو كيف ستقول أيها القائل؟!

لم تكن يوماً معنيةً بتصنيف الشعر، ولا تعرف حتى مدارسه وتطوراته وحروبه. لا تعرف المتنبي ولا أبا تمام.

في سهرة غابرة من سهرات الأهل، وفي شتاء بارد، وبينما كان المطر يضرب الحي والشبابيك، ويضرب حتى أصواتنا، أتذكر أنني كنت أنصت إلى حادثة لطالما سمعتها من أشخاص عدة، عن الجد ذي القلب القاسي، الرجل الذي ذبح البغل حين حرن هذا الأخير عند ضفة الساقية ولم يعبرها. بالرغم من أوامر جدي المتكررة، كان الخال مثلاً يتندر بعصبية جدّه ويفتخر بقوته الجسدية لا أكثر. في ذلك الشتاء، بدأت أمي تحكي لنا: "كنت صغيرةً... تقريباً بعمرك الآن. لا أنسى أبداً ذلك اليوم... يومها كرهت جدي.

كرهته بصمت مخيف وبكيت كثيراً، وبالرغم من خوفي عدت وحيدةً من الحقل إلى المنزل. كان من الصعب أن أسلك الطريق ذاته... لا أريد أن تلتقي مرةً ثانيةً عيناي بعيني البغل الذبيح. كانت الرحلة بسيطةً واعتياديةً، وكنا نفرح بها. يحملنا جدي -أخي وأنا- على ظهر البغل. في الطريق إلى الحقل أشد يدي على صرّة الطعام وأتلمس جسد البغل الحار بقدميّ العارية وأسمع أنفاسه المنهكة حين يعترضه سفح وعر في مسارب الطريق الضيقة. وعندما وصلنا يومها إلى طرف الساقية، تراجع البغل فجأةً... لقد خاف... كانت الساقية قد فاضت عن حدّها المعتاد... لقد خاف ثم تراجع ولم يمتثل لأوامر جدي الحازم ولصوته الجهوري... كما لم تنفع العصا التي كانت تلسع جنبيه إلا في كونها كانت أحد أسباب سقوطنا من على ظهره. غضب الجد... صمت قليلاً بنفاد صبر، وكرر الأمر مرةً أخيرةً كأنه يعطيه إنذاراً حاسماً، ثم سحب سكينه الحادة، وقلب البغل بحركة سريعة بعد صراع قصير. وضعت يدي على فمي وشهقت... تراجعت إلى الخلف. كانت عين البغل سوداء لامعةً فيها أثر من دمع وعتب لا ينفعان. كانت موجهةً إلى عيني جدي الذي راح يبعث بنظراتهما إلى مكان بعيد. ربما كان خجلاً من أن تلتقيا، فكيف للصديق أن يغدر بصديقه في لحظة غضب. لم يصرّح جدي يوماً بأنه نادم على فعلته تلك. تراجعت أكثر لكنني ما زلت أرى رأسه الضخم يسبح في بركة حمراء... الساقية تستمر في سحب الدم، بينما عنقه يستمر في الضخ... كرهت جدي وكان يجب أن أغيّر درب العودة حتى وإن تهت عن القرية يومها".

من المؤكد أنها لم تروِ القصة باللغة الفصحى، لكنها روتها على هذا النحو من البناء، والتقديم والتأخير، والكثير من المجاز والوصف. وكان أهم ما في الأمر، الشعرية. التقاطها للتفاصيل والمشاعر المرافقة للحدث، تلك التي لم يتوقف عندها أحد ممن سمعتهم يروونها. أحد لم ينتبه إلى عين البغل الدامعة والحزن والأسى اللذين امتزجا في لونها الأسود الفاحم وذلك البريق اللامع. يومها عرفت أن الأدب هو الأسلوب، وأن الشعر ما هو إلا احتفاء بالمهمل والمتروك جانباً. إنه ما نسيه الآخرون، أو لم ينتبهوا إليه أصلاً. ثمة الكثير من الحوادث التي روتها على شكل سرد سينمائي ساحر، لكن لا يتّسع المجال هنا لكتابتها.

لم تسمع بمجلة شعر، ولا بأعلامها، ولا بقصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر. حتى ملك الانتشار الشعري، نزار قباني، لا تعرفه. بالرغم من هذا كله -ربما كان هذا هو الأجمل- كانت تستطيع التقاط الجميل أينما وُجد؛ في أي نص أو أغنية أو قول أو حكاية

لم تكن يوماً معنيةً بتصنيف الشعر، ولا تعرف حتى مدارسه وتطوراته وحروبه. لا تعرف المتنبي ولا أبا تمام. لا تعرف بحور الشعر ولا الفراهيدي، كما لا تعرف حركة الحداثة الشعرية ومسارها الذي عبر الكثير من الأسماء الشهيرة والتحقيبات الشعرية الحديثة والمعاصرة. لم تسمع بمجلة شعر، ولا بأعلامها، ولا بقصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر. حتى ملك الانتشار الشعري، نزار قباني، لا تعرفه. بالرغم من هذا كله -ربما كان هذا هو الأجمل- كانت تستطيع التقاط الجميل أينما وُجد؛ في أي نص أو أغنية أو قول أو حكاية. كان يجذبها الكلام في الأغاني وكانت تقيّم طريقة القول، كما تجذبها العتابا بشكل خاص والغناء الشعبي التراثي بأنواعه كلها (الدلعونا، والميجانا،والزلف... إلخ)، وأحبّت نصوص درويش التي كان يغنيها مارسيل، والأدوار والموشحات التي كان يغنيها صباح فخري. وكجميع أبناء هذه المنطقة يصطبغ كل ما يجذبها وكل ما تقوله بالحزن والأسى والعتاب، وتؤلف أبيات العتابا وتغنيها بصوتها الجميل.

 كانت تبتسم بلطف حين كنت أمازحها وأخبرها بأن الله لا يحب الشعر والشعراء، وأنه سخر منهم في كتابه العزيز. وحين كنت أستشهد ببعض الآيات الشهيرة في هذا الأمر، تبتسم وتقول بثقة غريبة ليس كمن ينقل نقلةً ذكيةً في الشطرنج، بل كمن ينهي الدق، ويقول كش ملك: "ما بظن كان الله قصدو هيك... ما معقول الله يكره الجمال... ما بصير... ما بصدق هالحكي"

أتذكر يوم غادر أبي الحياة. كانت عجوزاً مريضةً لا تقوى على الحراك ومشاركتنا مراسم الدفن، وبالرغم من أن صوتها صار مرهقاً مثلها، إلا أنها حمّلتنا سلاماً لأبي على شكل موال: "يالرايحين سلموا لي على رفيقي... سلاماً من شفتي ومن ريقي... لمن جابوا الورد ع الدار قلت الورد تبويقي... وعرفتو علامة فرقتك عنا والغياب".

كما لم تكن معنيةً بالسجالات التي تخص الشعر وعلاقته بالإسلام، وعلى الرغم من كونها عجوزاً مؤمنةً بالله وبرسله وكتبه، إلا أنها كانت تبتسم بلطف حين كنت أمازحها وأخبرها بأن الله لا يحب الشعر والشعراء، وأنه سخر منهم في كتابه العزيز. وحين كنت أستشهد ببعض الآيات الشهيرة في هذا الأمر، تبتسم وتقول بثقة غريبة ليس كمن ينقل نقلةً ذكيةً في الشطرنج، بل كمن ينهي الدق، ويقول كش ملك: "ما بظن كان الله قصدو هيك... ما معقول الله يكره الجمال... ما بصير... ما بصدق هالحكي".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard