شاكيرا المرأة خففت هواجسي

الاثنين 13 يونيو 202203:10 م

البحث في انفصال شاكيرا وبيكيه يوصل إلى نتائج متناقضة، إذ تتصدر الخيانة غالبية الأخبار المنتشرة عنه، إلا أن مواقع كثيرة برّأت بيكيه من الخيانة، وتحفظت على أسباب الانفصال تبعاً لرغبة الشريكين السابقين. في العالم العربي، لا تظل الأخبار محصورةً في جوهرها الأصلي، بل تتحول بسرعة مجنونة لتصبح مادة نقاش وتندّر واستغراب، أما انفصال شاكيرا وبيكيه، فقد مثّل تبرئةً من تهم غير محقة بحسب تعليقات كثيرات من النساء، ومثّل انتصاراً نسوياً جاء على هيئة سخرية أخريات من واقع الزوجات حول العالم.

كانت سخرية النساء وضحكاتهن في قضية شاكيرا ملفتةً للنظر ومحط انتباه من الجميع.

تحمل السخرية معاني لا يسعني إلا التوقف عندها، فقد كانت سخرية النساء وضحكاتهن في قضية شاكيرا ملفتةً للنظر ومحط انتباه من الجميع، خاصةً الذكور الذين احتفوا بنصر جون ديب وعدّوه نصراً للرجال على ادعاءات النساء، وكذبهن في الدرجة الأولى، ثم تلقوا صفعةً غير متوقعة من بيكيه، الرجل الذي حرمهم لذة النصر العظيم على معشر الكيد النسائي، وهكذا تبدّلت الأدوار بسرعة، وتصدّرت صورة الرجل الخائن المشهد من جديد.

لا أحبذ فكرة أن هناك جنساً بشرياً خائناً، مقابل جنس وفيّ وصادق. أنا أميل إلى تصديق أن كل ما يحدث من خلافات في العلاقات، خاصةً الخلافات التي تنطوي على انتهاك كرامة الشريك/ ة، تعود إلى طبيعة الأشخاص، وتجربتهم الحياتية، ونظرتهم إلى العلاقة كمفهوم مجرد من كل الإسقاطات التي يلعب كل من المجتمع والدين والسياسية دوراً أساسياً فيها، لذا يمكنني أن أفسر موجة السخرية العابرة للدول، والتي قدمتها النساء بحرفية عالية، بأن سببها حزن وشعور بالغضب جراء الانتهاكات المستمرة.

بصفتي امرأةً شعرت بالتضامن الكبير مع شاكيرا، وللحظةٍ نسيت نجوميتها، وشهرتها، وكان بودّي أن أقول لها: "قلبي معك"، لكن على الصعيد العام سخرت من بيكيه الذي أفقد الرجل العربي لذة انتصار الذكورة، وتضامنت مع الجميلة التي لا تستحق الخيانة، شاكيرا، وهذا وضعني أمام سؤال أخلاقي حول نساء أقل جمالاً من شاكيرا، وأنا أولاهن، ولسن مشهورات، وقضاياهن لا يتطرق إليها الرأي العام؛ هل نستحق الخيانة؟

لا أحبذ فكرة أن هناك جنساً بشرياً خائناً، مقابل جنس وفيّ وصادق. أنا أميل إلى تصديق أن كل ما يحدث من خلافات في العلاقات، خاصةً الخلافات التي تنطوي على انتهاك كرامة الشريك/ ة، تعود إلى طبيعة الأشخاص، وتجربتهم الحياتية، ونظرتهم إلى العلاقة كمفهوم مجرد من كل الإسقاطات التي يلعب كل من المجتمع والدين والسياسية دوراً أساسياً فيها

أجد النبش في اللا وعي الفردي والجمعي، وسيلةً لتفكيك الكثير من الأسئلة، وتالياً العثور على إجابات، أو على الأقل تبسيط الأسئلة الكبيرة، ومن هذا الباب فهمت أن الخيانة التي تعرّضت لها العالمية شاكيرا، كانت بشكل ما حدث إنقاذ خفف عنا عبء تحضير لائحة الدفاع، التي تطلبها منا العائلة، ونعلنها غالباً أمام المجتمع، ونرويها على مر السنين كي نخفف آلامنا إن تعرضت واحدتنا للخيانة؛ لم عليّ أن أترافع وأفكر في أسباب محتملة دفعت شريكي لخيانتي، طالما أن "كاملة الأوصاف" قد خانها رجلها، وسبقتها أنجلينا جولي في حادثة مشابهة؟

 إن أي توقعات بالأمان الدائم، أو الوفاء مدى العمر، هي فكرة ساذجة.

جاءت حادثة شاكيرا وبيكيه في وقتها المناسب بالنسبة لي؛ فقد قررت تغيير منطقي في التعامل مع مخاوف الخيانة، التي هي في الأصل خوفي من الألم، أو الانكسار، وشعوري بأني غير قادرة على مواجهة حدث مشابه، وقد صار واجباً أن أرتب بعض أفكاري في ما يتعلق بهذه التجارب، فقد بذلت الكثير من الجهد، والوقت، والمال، في سبيل أن أظل المرأة المشعّة في نظر شريكي، بالرغم من أنه يدّعي أني جميلة في كل الأحوال. في المقابل، لم أكن آخذ هذا الادعاء على محمل الجد، وظللت أجرب أنماط لباس جديدةً، وأتفنن في الشعر والمكياج، وأنجز كافة مهماتي قبل أن يعود إلى البيت، وأنظّم عملي بما لا يتعارض مع وقت الراحة المشترك بيننا، كي تكون مرافعتي جاهزةً عندما أواجه خيانة شريكي؛ كم هو مؤلم انتظار الألم، وكأنه حتماً سيأتي. إنها لوثة العروبة، وسوداوية المرأة العربية الحزينة بلا شك.

قررت تغيير منطقي في التعامل مع مخاوف الخيانة، التي هي في الأصل خوفي من الألم، أو الانكسار، وشعوري بأني غير قادرة على مواجهة حدث مشابه

هناك لا منطق في كوننا نُحاسب على خيانة شركائنا، ولا شك أننا قصّرنا بشكل ما في السخرية من هذه الفكرة بحد ذاتها، وعلينا كنساء أن نحشد في اتجاه إسكات أي شخص يطالبنا بأسباب أدت بالرجال إلى كسر قلوبنا، فلا التقصير -إن صح التعبير- في أي من الواجبات، أو التقليل من الماكياج، أو ارتداء ملابس بيتية مريحة، أو الحالة النفسية الكئيبة... وغيرها من المبررات الواهية، تصح لتكون في لائحة اتهام المجتمع للمرأة التي خانها شريكها، والكلام ذاته يطبّق على الحوادث التي يتعرض فيها الرجل للخيانة. نحن مازوشيات في تعاملنا مع آلامنا، فحين يجيء الألم، ندعو الجميع إلى المساهمة في تعميقه وتصعيب تجاوزه.

لم يخبرنا أحد أن الحياة سهلة، وأن العلاقات وجذورها وتطلعاتها يمكن أن تشبه أحلام اليقظة التي نحملها، لكنني أطالب بألم أقل لي وللنساء حول العالم. ويمكن لهذا أن يتحقق إن أدركنا حقيقةً أننا نعيش ضمن دوائر متشابكة وغير خاضعة لأخلاقيات وثوابت مشتركة، وتالياً أي توقعات بالأمان الدائم، أو الوفاء مدى العمر، هي فكرة ساذجة، وإن بالغت بالتفاؤل يمكنني الاحتفاء بحادثة شاكيرا كونها نصرتني كامرأة على كومة هواجس أثّرت عليّ وعلى علاقاتي بالآخرين طويلاً أياً كان نوع العلاقة ومدى جديتها، وبوسع الحادثة نفسها أن تكون نقطة البداية في رحلة التخلص من الأفكار العربية المجحفة في حق المرأة، التي تربينا عليها، وحملنا بسببها آلاماً مسبقةً، وتعاطفنا مع بعضنا البعض بشكل أقل من اللازم، وطلبنا مرافعات من بعضنا البعض، وأخيراً أسدينا نصائح إلى بعضنا تهدف إلى أن نعطي الرجال فرصةً جديدةً بعد الخيانة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard