"الفئة المستهدفة وقرش الفلفل": هون صاحب القرار!

الاثنين 13 يونيو 202203:47 م

إذا أردتُ تصنيف نفسي ضمن ذاكرة التاريخ السياسي الفلسطيني فسأقول إنني من الفئة المستهدفة. في العام 1999 تزامن انضمام عائلتي إلى فريق "العائدين" بعد عودتنا من الأردن إلى الضفة الغربية، وذلك خلال حلول السلطة الوطنية الفلسطينية بعد توقيع اتفاق أوسلو 1993، واستغرقني بعضُ السنواتِ لأكبر وأدخل الجامعة، وهي نفس السنوات التي استغرقتها ثقافة الـ NGO’s في الانتشار والتربع على عرشِ المرحلة. في العام 2000، كان تأسيس مؤسسة أو جمعية لا يتطلب أكثر من شخصٍ واحد يجيد اللغة الإنجليزية، سوف يجمع ثمانية من أصحابه عن المقهى لتشكيل النصاب القانوني للهيئة التأسيسية في وزارة الداخلية، وسوف يختارون القطاع الذي يفضلونه بين قطاعات الطفولة والمرأة والشباب والبيئة والصحة، ثمّ يملأ صاحبنا بلغته الإنجليزية استمارة مشروع إحدى الدول المانحة، وتحصل الجمعية على التمويل.

في تلك الاستمارة، خانة ضرورية اسمها "الفئة المستهدفة"، كانت الجمعيات على تنوع قطاعاتها تملأ تلك الخانة، بفئة الشباب من عمر 18- 25، وكان عمري أنا 20 عاماً في السنة الجامعية الثانية في محافظة جنين أدرس تخصصاً لا أحبه في جامعة القدس المفتوحة التي تتبنى نظام التعليم عن بعد، وقد دخلتُها طبعاً بسبب الفقر.

أقل فئات الشباب في تلك المرحلة كانت الذين يفتح لهم أهلهم محلات "أواعي" أما البقية فيعملون في "إسرائيل"، وبقية البقية في الزراعة أو مقالع وكسارات ومناشير الحجر أو في البناء، وكان سائقو الشاحنات والباصات والتكسيات مميزين قليلاً لأنهم يجلسون على كراسٍ.

لا أتذكر المرة الأولى التي انضممتُ فيها إلى تدريب جمعية شبابية، لكنّ السياق الأكيد هو أنني لحقتُ إحدى البنات الحلوات فوجدتُ نفسي هناك، ففي الجامعة كان الاختلاط شبه محرّم، لأنها تتبع نظام المديريات في كل محافظة، ما يجعل الطلاب في كل منطقة تعليمية من سكان محافظة واحدة، والاحتمال شبه المؤكد أن تدرس البنت مع أخيها أو أبيها أو ابن عمها أو ابن خالها أو ابن حارتها أو معهم جميعاً. ولأنهم يدرسون "عن بُعد"، فإنّ غالبيتهم من المتزوجين أو كبار السن، وكانت "نساء الجامعة" يتأتين ببطون منتفخة، والصغيرات غالباً باحثات عن أزواج، أما الفتيات اللواتي يتحدثن مع “شباب”، فهنّ بنات اليسار المعدودات على الأصابع والمستهدفات من الأحزاب والتنظيمات وتتكاثر حولهنّ الدبابير.

في النشاطات التطوعية وتدريبات الاتصال والتواصل وورشات عمل إعداد القادة نكونُ بعيدين عن العيون، نتحدث ونلعب ونمزح ونتبادل الأرقام، ويحدث أن يمسكَ أحدنا يداً أو يخطفَ قُبلة، لكنّ الأهمّ من ذلك هم المدربون، يأتون إلينا من رام الله بسيارات "مُستأجرة"، يلبسون نظارات سوداً مع "بلايز تومي أو لاكوست" ذات القبة العالية وهم يحشونها في بناطيل الكتان النظيفة، ولون الحذاء على لون الحزام على لون الساعة، بأيديهم حقائب "اللابتوب" التي يشبكونها على "بروجيكتور" فيبدأ العرضُ التقديميّ على "الباور بوينت". كانوا في الغالب سمجين بابتسامات مصطنعة، يطلقون الصوت (إمممم) وعيونهم إلى أعلى حين يفكرون بإجابة سؤال دلالةً على الثقافة الأمريكية، ويستخدمون أصابعهم للتعبير عن علامات التنصيص حين ينطقون كلمة يعتقدون أنها مهمة، وكل ذلك ليس مهماً في الحقيقة، لأن راتب أحدهم كان ثلاثة آلاف دولار أمريكي.

 الأهمّ من ذلك هم المدربون، يأتون إلينا من رام الله بسيارات "مُستأجرة"، يلبسون نظارات سوداً مع "بلايز تومي أو لاكوست" ذات القبة العالية وهم يحشونها في بناطيل الكتان النظيفة، ولون الحذاء على لون الحزام على لون الساعة، بأيديهم حقائب "اللابتوب" التي يشبكونها على "بروجيكتور" فيبدأ العرضُ التقديميّ على "الباور بوينت"

نظراً لتكرار الوجوه التي التقيتُها في تدريبات مختلفة، يمكنني القولُ إن الفئة المستهدفة لتلك المشاريع لم تزد عن ألفي شاب وبنت من الضفة الغربية كلها، معظمنا من الفاشلين في العمل والدراسة والنضال الحزبي، ومعظمنا من الراغبين بعلاقات عاطفية لا تؤدي إلى الزواج، لكننا جميعاً طامحون إلى تلك الوظيفة في إحدى المؤسسات أو الجمعيات، نتنافس بشرف وبدون شرف، نتطوع باستماتة ونبدي كل أشكال الولاء للأهداف الإستراتيجية، وتعلمنا كيف نختار الزاوية حين نرفع الصور للممولين، وكيف نبدو في الصورة إيجابيين وحيويين وفاعلين ومحبين للعمل ضمن فريق. أتذكر مرةً أنني ظهرتُ في أحد أفلام تقارير الإنجاز مع واحد من المشاريع الممولة من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وأنا أقول بتأثر شديد وإيمان عميق إنني تطوعتُ في هذه المبادرة لأنني "هون صاحب قرار"، وكان حرفياً "الفيديو الذي أضحك الملايين"، وكنتُ أتعامل معه على مبدأ "شاهد قبل الحذف".

أخذ المشروع تمويلاً كبيراً بسبب تلك الجملة، كان ذلك قبل العام 2022 بـ15 سنةً فقط، قبل أن نصل إلى أيام تعلنُ القيادة عن اجتماعها الطارئ بعد إجازة أربعة أيام من اشتعال المواجهات مع الاحتلال في القدس، ثمّ تؤجل اجتماعها إلى أجل لن يُسمى، وقبل أن تنتشرَ عبارات " صباح الخير يا قائد " للموظفين العامين على صفحات فيسبوك، ويتحوّل المدير العام في السلطة الوطنية الفلسطينية إلى "قائد بحجم الوطن".

كان كلّ شيءٍ صحيحاً، المكان والزمان، القاعة والمُدرب والمادة التدريبية وفقرات كسر الجليد والصور التوثيقية، كل شيءٍ يحدث بإتقان من استلام الغرف إلى التوقيع على كشوف المواصلات. لقد حفظتُ المرسل والمستقبِل والرسالة عن ظهر قلب، وعرفتُ من ورشات إعداد القيادة الشابة أن القائد يختلف كثيراً عن المدير، لكنني كنتُ أتساءل خلال فترات الغداء، أو بعد انتهاء المؤتمرات، وأنا أشاهدُ زميلاً يتقافز مثل جندب أمام إحدى البنات، ويتلو إحدى حكاياته التافهة بزعيق مريب: هل يُعقل أن أكونَ أنا يوماً "صاحبَ قرار" أو يصبحَ هذا يوماً من الأيام قائداً؟

كلّ شيءٍ كان صحيحاً، وصُرفت ملايين الدولارات لأجل إعداد القادة، لكن جميع الأحزاب السياسية بعد عشرين عاماً تعيد انتخاب أسمائها القديمة لأنهم "صمام الأمان"، وليس لدينا نقابي واحد سَلِمَ من العين والحسد، بعد ورشات مهولة في الاتصال والتواصل يكون الانقسام السياسي عنوان أزمتنا الوطنية، ويحسب واحدنا حساب المقامات العليا، مع كل كلمةٍ تقالُ لصديق.

كلّ شيءٍ كان صحيحاً، وصُرفت ملايين الدولارات لأجل إعداد القادة، لكن جميع الأحزاب السياسية بعد عشرين عاماً تعيد انتخاب أسمائها القديمة لأنهم "صمام الأمان"

"مثل اللي بتخرّب طبختها عشان قرش فلفل"، أتذكر هذا المثل الشعبي على لسان أمي وبنبرة تهكّمها كلما تذكرتُ "الإن جي أوز"، فالطبخةُ يمكن أن تخربَ بسبب قرش ناقص أو زائد، وأنا في الحقيقة لا أعرفُ القرشَ الذي نقصَ طبختنا الاجتماعية! هل الواقعية أم الرؤية، أم الأخلاق أم الذكاء، الإيمان أم الاستيعاب؟

كلّ شيءٍ كانَ صحيحاً في فقاعة الوهم التي انفجرت فجأةً في السماء وبددت مع الريح على مرأى من العيون أوراقاً بالملايين من تلك الفئة المستهدفة، فئة المئة الدولار.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard