بنى أبي نصف تل أبيب... والنصف الآخر بناه أعمامي

الجمعة 3 يونيو 202202:53 م

نعم، هذا ما حدث. بنى أبي نصف تل أبيب، والنصف الآخر بناه أعمامي. خرجوا من الضفة الغربية إلى إسرائيل قبل نحو 35 عاماً، تسللوا من شقوق الجدار وهم يحملون مصطريناتهم المثلثة التي تلمع تحت الشمس الحارقة. كانوا يغنون الدلعونا والميجنا ويضحكون، يتسلقون السقالات العالية ويقصرون سنين عمرهم المقشرة مثل حيطان قديمة، ويضحكون، وقبل غروب الشمس بقليل، ترى أقدامهم المتدلية من سماء المدينة.

هكذا وببساطة، خرجوا بأحلامهم البسيطة التي تتسع في جيوب مثقوبة يتساقط منها كل شيء على الطريق؛ الأمنيات والمستقبل والطموحات الصدئة التي لم تعد تعمل.

بنى أبي نصف تل أبيب ثم مات. مات بخطأ طبي غير مقصود في مستشفى "إيخلوف" في تل أبيب، أو هكذا قالوا لنا على الأقل.

بنى أبي نصف تل أبيب ثم مات. مات بخطأ طبي غير مقصود في مستشفى "إيخلوف" في تل أبيب، أو هكذا قالوا لنا على الأقل. خطأ طبي صغير أنهى حياته، مع ثقب صغير في الرأس تخثر الدم من حوله حتى أصبح داكن اللون. هذا ما أتحدث عنه بالضبط. حفرة في جبين أبي.

كان ممدداً ومبتسماً كعادته، وخجولاً. 166 سنتيمتراً ممددات داخل تابوت خشبي متواضع. كانت لحيته قد نمت قليلاً أثناء إقامته في المستشفى، ولكن ليس مهماً. كل ما هو في هذه اللحظة، أن تُشيح وجهك عن هذه الحفرة التي تحدق فيك. كل شيء بارد هُنا، جبينه، أصابع قدميه، عروقه التي توقفت عن ضخ الدماء الحارة فجأة بعد كل هذه السنوات. دماء مخلوطة بالشمينتو والحديد… كل هذا تحول فجأة إلى حفرة صغيرة أحدق بها وتحدق لي. أبتسم لها وتبتسم لي، حفرة صغيرة أمسها بأطراف أصابعي، فأسمع صوت 120 ألف عامل فلسطيني على الحواجز.

مات العزوني، وبعد رحيله، حتى المسامير بكت عليه.

مع الانتفاضة الأولى، كان قد أنهى دراسة الكيمياء في عمان، وقرر العودة إلى قريته "عزون"، الواقعة على الطريق الذي يصل بين نابلس وقلقيلية. مجرد قرية بسيطة من بضعة آلاف نسمة ومسيحيّين اثنين فقط لا غير، هذا ما تقوله ويكيبيديا على الأقل… ولكن القرية نقصت واحداً، بعد أن قرر أبي الرحيل إلى مناطق الـ48 والزواج من الفتاة التي يحب، والتي أصبحت فيما بعد تُدعى بالحجة إمي. هكذا وبدون مقدمات، أصبحت لديه أسرة داخل الخط الأخضر. كان يعرف تماماً أنه لا يملك رفاهية التراجع، خاصة بعد وقف إسرائيل التعامل مع طلبات لم شمل العائلات الفلسطينية، أما أنا، فلم أكن سوى قطعة لحم ثقيلة دم تبكي باستمرار تحت الدرج.

أن تعيش مُلاحقاً، يعني أن تركض، يعني أن تذوب عضلاتك من شدة الركض، أن تركض في الأكل والشرب والنوم. كلاب إسرائيل أيضاً تركض وراءك وتحاول نتش مؤخرتك الطرية، ولكنك تتقافز مثل أرنب بري جميل في هذه السهول الواسعة

ربما تكون قد صادفته ذات مرة في الشارع دون أن تلاحظ. على كل الأحوال، هو رجل لا يلاحظه أحد، رجل غير مرئي يسير في شوارع تل أبيب خفيفاً مثل نسمة هواء. ربما تكون قد صادفته يسير على ممر المشاة وأنت تنتظر الضوء الأخضر في سيارتك المكيفة، أو ربما في طابور التأمين الوطني، وربما في صيدلية وهو يهز رأسه ممسكاً بوصفة طبية غير مفهومة، وربما في يوم من الأيام، قد دخل إلى بيتك لإصلاح جدار أكلته الرطوبة. ببساطة، كان عاملاً نشيطاً يتخلى عن حلم الكيميائي يوماً بعد يوم على الحواجز وفتحات الجدار. وإذا حدقت جيداً، سترى آثار الدهان والباطون عالقاً على أطراف أظافره الخشنة.

تكيفت حياتنا مع هذا الواقع العجيب. لقد تعلمنا على مر السنين ما الذي يجب فعله كلما دخلت سيارة شرطة إلى حارتنا الضيقة. كان هذا هو الحال بالنسبة لعامل من الضفة الغربية، "يسكن مع عائلته الصغيرة في إسرائيل بدون تصريح عمل". اشتد الطرق على الباب. "من سيزورنا في الخامسة صباحاً سوى الشرطة؟ عليك أن تغادر حالاً". قالت أمي وهي تفتح شباك الحمام الصغير لأبي ليقفز منه إلى الشارع الخلفي. قفز أبي من شباك الحمام. قفز رائد الفضاء من ثقبه الأسود، قفز الأرنب البري في هذا الكون الفسيح… كان الأمر بسيطاً إلى هذا الحد… أمي تفتح الشبابيك، والأرنب الجميل يقفز منها بسعادة غامرة، بينما تقول أمي "انتبه على حالك يا أرنبي".

كان الجرس يرن دون توقف أيضاً. وكأن أحدهم نسي إصبعه الصغير عليه ومضى في طريقه. كان هذا يحدث في بعض الأحيان، عندما تتشابك أسلاكه العارية، فيظل يصرخ طوال النهار مثل دجاجة تحاول أن تبيض حديقة.

في الثالث عشر من أيلول/ سبتمبر عام 1993، وقف الرئيس ياسر عرفات بين رابين وكلينتون في الصورة الشهيرة لتوقيع اتفاقية أوسلو. كان الختيار يبتسم بفخر لا مثيل له، وفي حياة موازية أخرى، كان العزوني يقف على رأس طابور في وزارة الداخلية في تل أبيب، لتقديم طلب لم الشمل للمرة المليون، وبعد سنوات، كان من القلائل الذين تم منحهم "إقامة مشروطة" داخل الخط الأخضر. لم نصدق في البداية، كان الأمر أشبه بـ"شكله ماكينة أوسلو شغالة يا شباب"، إلا أن هذه الماكينة توقفت عن العمل بعد ذلك.

كانت جدتي تقول في ذلك الوقت "البحيرة الصافية بتخوّف الفرس". وبالفعل، في هذه اللحظة بالتحديد، تحولت حياته إلى لحظة قلق مستمرة من فقدان الإقامة. كان يركض في شوارع ديزنغوف في تل أبيب ويرى نفسه في مرايا الآخرين. يجفل من كل شيء؛ من مرايا الاصنصيرات وزجاج السيارات وواجهات المحلات العاكسة.

خلال هذه السنوات، كبرت قطعة اللحم وكفت عن الصراخ تحت بيت الدرج… كبرت قطعة اللحم، وكبر أبي شيئاً فشيئاً، وأصبح مقاولاً، واشترى الدرج نفسه، وبنى لنا جداراً عالياً لنمشي بجانبه ونقول "يا رب الجدران المائلة"

في الخامسة والربع صباحاً، يهدر صوت "تندر التويوتا" المتهالك في أحلامنا. يشعل العزوني الأضواء ويضع حزام الأمان، يشغل الراديو، إما على إذاعة الأوركسترا الإسرائيلية، أو على إذاعة القرآن الكريم، ثم ينطلق إلى حاجز "إيال" لأخذ عماله إلى تل أبيب. محمود وحسن وعبدالله وكريم. وشيئاً فشيئاً، تحولت الحياة إلى "تندر تويوتا" يحملنا إلى تل أبيب في السادسة صباحاً، نحرث الحياة، بينما تتسرب ألحان بيتهوفن من شقوق الشبابيك.

يوماً بعد يوم، بدأت أعداد العمال الفلسطينيين تزداد حتى وصلت إلى أكثر من 120 ألف فلسطيني ينتشرون في كل إسرائيل، من المعابر والحواجز وفتحات الجدار والأنفاق التحتية، بطرق قانونية وغير قانونية، يتسربون من كل مكان مثل أشباح خفيفة تتقافز بين السماء والأرض.

وكبرت أمي. كبرت تلك الفتاة الجميلة، وبعد سنين طويلة كنت قد غبتُ فيها، كانت تجلس كعاتها على كرسيها الصغير وتصلي بالعامية. تدعو وتقرأ القرآن، وتصلي 10 ركعات زائدة فقط "للاحتياط" كما تقول، وتردد صلواتها المتدافعة، بينما كنت أكبر بعيداً طوال هذه السنوات مثل تمثال نشيط لا يحفظ من القرآن سوى "طلع البدر علينا"، وفي لحظة ما، قفز السؤال عن لساني مثل زمبرك صغير.

- هيه يما، تخيلي معي إنه بعد كل هالصلاة والصيام اكتشفتي إنه الله مش موجود؟ شو بتعملي؟

- انعارفة… ساعتها النا الله.

نعم. كان الجواب واضحاً وبسيطاً إلى هذه الدرجة، بينما يضحك إلوهيم* مثل خلاط باطون في نصف تل أبيب.


هوامش:

*إلوهيم: الله باللغة العبرية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard