كعابرِ سبيل يعرف "الترند"... رحلات توفيق حبيب شرقاً وغرباً

الأربعاء 29 يونيو 202202:33 م

"هذه سياحة إكسبرس بين إسكندرية وإستامبول، قضيت فيها عشرين يوماً ذهاباً وإقامة وإياباً، وسجلت خبرها (على الهامش) في صحيفة الأهرام، ثم طلب مني بعض رفاق الطريق أن أجمعها لهم في هذا الكتاب، فلم يسعني إلا تلبية الطلب. لم أكن أحمل شيئاً من كتب (بيدكر) أو (جوان) أو غيرها من كتب الإرشاد".

بتلك الكلمات الرشيقة، استهل الصحافي العجوز مقدمة كتابه "رحلة إكسبرس من إسكندرية وإستامبول"، الصادرة عام 1932، معرفاً القراء بأنه ليس متخصصاً في أدب الرحلة، وأن كل ما سيراه القارئ، مُجرد "خطرات وملاحظات عابر سبيل، ليس فيها شيء من تحقيق علمي وتاريخي مما سبقني إليه غير واحد من الكاتبين (يقصد بيدكر وجوان)"، على حد تعبيره في المقدمة!

في ثلاثينيات القرن الماضي في مصر، لم يكن أدب الرحلة أمراً بعيداً عن كتاب تلك الفترة، فالسفر إلى أوروبا كان عادة يداوم عليها الكثيرون وبخاصة الأثرياء المنحدرون من أُسَرٍ ثرية، فرأينا رحلات محمد حسين هيكل، الذي ردّت إليه باريس طعم الحياة، كما يقول، وكذلك محمد ثابت الذي اشتهر برصد التباين بين نساء العالم في شتى الدول التي زارها.

ظهر في تلك الحقبة اسم لم يأخذ نصيبه من الشهرة، رغم تميُّز أسلوبه بالجمع بين السخرية والحكمة في عبارات بسيطة، وهو الصحافي والمترجم توفيق حبيب، صاحب الكتابين الهامين في مجال الرحلة "شهران في لبنان وبلاد اليونان وإيطاليا وطرابلس الغرب"، و"رحلة إكسبرس من إسكندرية وإستامبول".

توفيق حبيب... سابع قبطي يمارس مهنة الصحافة بمصر

هو توفيق حبيب مُليكة، صحافي مصري، ولد في القاهرة لأسرة قبطية عام 1880، وتلقى تعليماً تقليدياً كأغلب أقرانه آنذاك. استهوته الصحافة فعمل مخبراً صحفياً في البداية يجمع الأخبار ويسجلها، ثم بدأ في كتابة سلسلة مقالات ﺑجريدة الأهرام، تحت عنوان "على الهامش" كان يوقعها باسم "الصحافي العجوز".

له عدة مؤلفات أوردها الزركلي في كتابه "الأعلام"، منها: "أبو جلدة وآخرون"، و"شهران في أوروبا"، و"تذكار المؤتمر القبطي"، و"الفجالة قديماً وحديثاً"، و"الفتيان الكشافة"، و"أسرار الملوك".

يتميّز الصحافي العجوز في رحلاته برشافة اللفظ، للدرجة التي قد نسأل أنفسنا: هل حقاً هذه الكلمات كتبت قبل 100 عام؟ فالرجل في كتابه عن رحلته لإسطنبول، قد قسّم الكتاب لاثنين وعشرين فصلاً كلّ فصل بعنون يُخيل إلينا أن من صاغه يُغازل قراءً إلكترونيين في زمن "الترند"

وبحسب الزركلي، يعدّ الصحافي العجوز "سابع قبطي مارس مهنة الصحافة، بعد ميخائيل عبد السيد، وتوفيق عزوز، وجندي إبراهيم، وتادرس شنودة، وميخائيل بشارة داود، وبلسم عبد الملك".

وكبقية كتّاب عصره، كان السفر والتجوال إلى أوروبا وغيرها عادة توفيق حبيب، "فغامَر وقامَر، وأخذ مقاولات شحن ونقل، وذهب إلى مونتكارلو غير مرة، ولكنه لم يُوفَّق إلى الثروة عن طريق المجازَفة أو اللعب أو صناعة القلم"، بحسب الكاتب عبد الله حبيب، أحد البارزين في دار الكتب المصرية في ثلاثينيات القرن الماضي، في مقدمته لكتاب توفيق حبيب "رحلات الصحافي العجوز: شهران في لبنان وبلاد اليونان وإيطاليا وطرابلس الغرب".

يقول عبد الله حبيب إن "الصحافي العجوز بدأ زياراته لأوروبا وسياحاته فيها سنة 1921، فقضى ثمانية أشهر متجوِّلاً بين سويسرا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وزار إسطنبول وسوريا ولبنان ويوجوسلافيا وإسبانيا عشرَ مرات (...) وهذه الأعوام الطوال التي قضاها صحفيُّنا العجوز في جهاده الصحفي الشاق وجولاته ورحلاته في أوروبا، لم تَزِده إلا قوةً ونشاطاً، رغم ما نال جسمه من الهزال، وما انتابه من الأسقام والعِلَل".

توفي توفيق حبيب في عام 1941 عن ستين عاماً، قضى أربعين عاماً منها في العمل بالصحافة والسفر والترحال وتدوين ملاحظاته في البلدان.

إلى تركيا

يتميّز توفيق حبيب في رحلاته برشافة اللفظ، للدرجة التي قد نسأل أنفسنا: هل حقاً هذه الكلمات كتبت قبل 100 عام؟ فالرجل في كتابه عن رحلته لإسطنبول، قد قسّم الكتاب لاثنين وعشرين فصلاً كلّ فصل بعنون يُخيل إلينا أن من صاغه يُغازل قراءً إلكترونيين في زمن "الترند"!

يفتتح توفيق كتابه بفصل عنوانه "رحلة بتراب الفلوس"، يقوله فيه: "قرأت أن جمعية الشبان المسيحية قررت القيام برحلة إلى إستامبول بثمن بخس، دراهم معدودة هي ثمانية جنيهات وخمسمائة مليم لا غير، للسفر ذهاباً وإياباً وإقامة عشرة أيام في العاصمة القديمة لخلفاء بني عثمان. فقلت: وماذا يمنع من انتهاز هذه الفرصة ومشاركة هؤلاء الشبان في رحلتهم المباركة السعيدة الموفقة؟ خاطبتهم في الموضوع، فقالوا: لا بد أن تكون عضواً في الجمعية. قلت: ما شروط العضوية؟ قالوا: ادفع خمسين قرشاً اشتراكاً لمدة ستة أشهر. فدفعتها مع العربون و(حطيت في بطني بطيخة صيفي)، وتأهبت للرحلة آملاً أن أجد في هذا المشوار البسيط شيئاً من حكايات أو روايات أو ملاحظات أوافي به زبائن (الهامش) ترويحاً لخواطرهم في هذا الحرّ المضني المهلك".

بدأت رحلة الصحافي العجوز يوم الخامس والعشرين من يوليو عام 1932، في الساعة الثالثة بعد الظهر على الباخرة التركية "إيجه"، ووصل إسطنبول يوم الجمعة 29 تموز/يوليو الساعة الثانية بعد الظهر، وفور وصوله لم ينسَ حسّه الساخر رغم تأكيده على ابتعاده عن السياسة، فقال: "وكان أول ما لفت نظري سفارة اتحاد السوفييت، (فحطيت ديلي في أسناني ورمحت) خوفاً من أن يراني أحد ممن يكتبون التقارير، وسألته اللطف".

في كتابه "شهران في لبنان وبلاد اليونان وإيطاليا وطرابلس الغرب" سرد توفيق حبيب بضعة مواقف في غاية الدلالة على زمن نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي في البلاد العربية، مثل حديث عن سوق المشير في طرابلس

رحلة توفيق حبيب أو الصحافي العجوز إلى تركيا لم تدم طويلاً، فقد عاد في 13 آب/أغسطس من نفس عام سفره، ورغم ذلك، أنهى كتابه بفصل قصير، ربما من فرط واقعيته سنقول إن الأتراك قد سمعوا نصيحة هذا الرجل الساخر وطبقوها! ففي الفصل الذي أسماه "مسك الختام"، يقول: "هذه الملاحظات السطحية لا تمنعنا من المجاهرة بتقصير الأتراك في الإعلان عن بلادهم، وتسهيل السياحة فيها، وإعداد الفنادق بدرجاتها والبانسيونات لمن يريدون قضاء فصل الصيف على ضفاف البوسفور وشواطئ بحر مرمرة وجزائر الأمراء، والتمتع بالفرجة على المساجد والمتاحف المليئة بالذخائر الثمينة ومخلفات السلاطين".

بيروت بلد الجرائد اليومية واليونان بلد الحمامات!

بعد ستة أعوام من رحلته إلى تركيا، انتقل توفيق حبيب في رحلة أطول، طاف خلالها على مجموعة من البلدان، وهي بيروت، وفبيريه، وبرنديزي، وباري، ونابولي، وروما، وفلورنسا، وفنيسيا، وتريسيا، وفيومي، وأباتسايا، وروما، وتونس، وطرابلس، وبنغازي.

بدأت الرحلة بطلب إجازة من الجريدة مدتها سبعة أسابيع بالتمام والكمال. وافق رئيس التحرير على الإجازة الطويلة بشرط "تنقّطنا بسكاتك ولاتكتب، وتكتفي بالاستراحة، وتمتنع عن تكرار اللفّ والبرم وشرح زياراتك للمتاحف والمكتبات"، بحسب ما قاله الرحالة توفيق حبيب في كتابه "شهران في لبنان وبلاد اليونان وإيطاليا وطرابلس الغرب".

ويبدو أن وصف توفيق حبيب لملاحظاته بأنها "ملاحظات عابر سيبيل" به الكثير من الدقة، لأن عابر السبيل لا يمحص ما يراه، بل يلتقط التقاطات ذكية، وهي التي وضعها الصحافي العجوز في "شهران في لبنان وبلاد اليونان وإيطاليا وطرابلس الغرب".

فمثلاً يقول عن بيروت إنها بلد الجرائد، أو بحسب قوله: "المدينة التي لا يزيد عدد سكانها على 120 ألف نسمة (أقل من قسم شبرا أو السيدة زينب أو بولاق)، نحو 20 جريدة يومية (فقط)، وهي: البشير، النهار، اليوم، الحديث، صوت الأحرار، الأحوال، لسان الحال، البلاد، البيرق، المساء، الاتحاد، الدستور، البلاغ، الوطن، الجهاد، الرابطة. وإلى جانبها ثلاث جرائد يومية فرنسوية، يديرها ويحرِّرها كتَّاب بيروتيون ولبنانيون، وهي: لوريان، ليجور، ولاسيري"!

ويقول عن اليونان، إنها "بلد الحمامات، وحمامات لوتراكي من حمامات المياه المعدنية الساخنة المعروفة في بلاد اليونان، وهي أديبسوس، وهيباتي، وميثانا، واسموكوفو، وكايافا، ويلاتيستيمون، وغيرها. وقد اشتهرت مياه لوتراكي المعدنية من القِدَم بمفعولها الشافي، وذكرها بالخير المؤلفان بافسانياس واكسينوفون. وتمتاز هذه المياه على مياه إفيان وفيتل ومارتيني وإيمس بالشفاء من داء المفاصل والروماتزم والنقطة والحصوة وضعف الكلى وأمراضها والمجاري البولية وعسر الهضم وغيرها والبول السكري ومضاعفاته".

أما نابولي فهي في نظره "مدينة الخليج البديع الجامعة بين البحر والجبل، فهي نهاراً عقد من الأزهار، وليلاً قلادة من الأنوار. تتوسطها فريدة من الزمرد الأخضر هي جزيرة كابري. وهنا وهناك انتثرت مدن الشواطئ الزاهرة وأخصها سورانتو وأمالفي. فإذا أنت خرجت من المدينة في القطار أو السيارة وجدت نفسك بعد نحو ساعة وسط أطلال مدينة بومباي وهوركولانيوم إلى جانب بركان فيزوف وقانا الله شر ثورته وحممه وقذائفه".

بينما يرى الصحافي أن الجندل أو الجندلة "عنوان فينسيا. لم يكن البلد يعرف غيرها، أما الآن فقد زاحمتها اللنشات الكهربائية التي تأنَّقُوا في صناعتها وفرشها بمقاعد الجلد الوثيرة للنقل في القنال الكبير وأطراف فينسيا وضواحيها بأجور زهيدة. وهناك ظاهرة جديدة لاحظتها في المدينة، هي نشوء بعض عمارات حديثة من الطراز الساذج، أرجو ألَّا يكثر عددها حتى لا تتلف منظر العمارات القديمة ذات الجمال الفني الفتان والطابع الذي اشتهرت به بلد الدوجات والجنادل".

ملاحظات "عابر السبيل" في بلاد العرب ليست كأي ملاحظات!

في كتابه "شهران في لبنان وبلاد اليونان وإيطاليا وطرابلس الغرب" سرد توفيق حبيب بضعة مواقف في غاية الدلالة على زمن نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي في البلاد العربية، مثل حديث عن سوق المشير في طرابلس، فيقول: "هي جلارية خاصة بالصناعات الوطنية المحلية من حديد ونحاس ونسيج وغيرها وفيها قهوة المشير، وهي قاعة رقص وغناء، ولما وصلت إليها وجدتُها مقفلة الأبواب، وقيل لي إنها لا تفتح إلا شتاءً".

يبدو أن وصف توفيق حبيب لملاحظاته بأنها "ملاحظات عابر سيبيل" به الكثير من الدقة، لأن عابر السبيل لا يمحص ما يراه، بل يلتقط التقاطات ذكية، وهي التي وضعها الصحافي العجوز في "شهران في لبنان وبلاد اليونان وإيطاليا وطرابلس الغرب"

الفضول الصحفي عند توفيق حبيب دفعه لمعرفة أمورٍ أكثر عن "قهوة المشير" في طرابلس، فسأل: "هل تغني فيها وترقص سيدات وبنات من أهالي البلاد؟ قالوا: كلا يا سيدي، فالمغنون والمغنيات والراقصات يأتون إلينا من مصر ومن تونس. وقد يسمح بعض الأهالي الإسرائيليين لبناتهم ونسائهم بالرقص والغناء، أما المرأة الطرابلسية، فقد رأيت أنها لا تسير في الطريق بحكم الشرع والتقليد، فإذا تجاسرت على الظهور في مرسح (يقصد مسرح)، كان نصيبها تقطيع جسمها إرباً."

بيدَ أن الطاقة السلبية التي استقبل بها توفيق دولة تونس طاردته حتى باتت حقيقة، فعندما هبطت الطائرة في تونس تذكر الرحالين المغاربة ابن جبير وابن بطوطة وابن سعيد، "وكيف كانوا يقضون الأيام والليالي على الشاطئ منتظرين (الريح الطياب) لتقلع بهم السفينة، وكيف أن أحدهم (راحت عليه نومة)، فلما استيقظ وجد السفينة وقد أبحرت وفاتته (يعض في الأرض)".

وبمجرد استقباله، أُدخِل إلى غرفة عامل الباسبورت، وبعد أن أجاز الدخول للركب كله، شرع في فحص جواز سفر توفيق حبيب، ثم حملق في وجهه، ودارت بينهما المناقشة بالغة الدلالة. يسرد توفيق حبيب المناقشة نصاً، كالتالي:

"قال عامل الباسبورت: أين التأشيرة لدخول تونس؟ قلت: أوَليست تونس جزءاً من فرنسا وعلى الباسبورت تأشيرة لفرنسا وبيروت ولبنان؟ قال: هذه التأشيرة لا تفيد، بل لا بد من تأشيرة خاصة لتونس، وأمر من الحكومة المصرية بالإذن لك بالسفر إلى تونس. قلت: أنا لا أريد أن أقيم عندكم إلا ثلاثة أيام. قال: ولا ساعة واحدة (...)، وجرت خلال ذلك المخابرات التليفونية بين بوليس الميناء والحكمدارية. ومُنِعَت الطائرة من السفر نحو ربع ساعة. وانتهى الأمر بأن قادني البوليس الملكي إلى الطائرة، ولم يبرح الرصيف حتى رآها وهي محلِّقة في الجو، مبعدة الصحافي العجوز عن بلد الخلدونية وطلابها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard