دفاعاً عن الحق في الخوف وعن حرية التعبير عنه

الثلاثاء 14 يونيو 202201:42 م

يندرج المقال في ملف عن الخوف أعده وأشرف عليه تمّام الهنيدي.

في البداية، ليسمح لي الزملاء الذين أشاركهم الكتابة في هذا الملف، وخصوصاً السوريون، أن أتطفّل على مساحاتهم وأغامر بالقول إننا جميعاً، أو معظمنا على الأقل، ولدنا في مجتمعات ترذُل الخوف، وتمجّد وتقدّس ما تسميه بـ"الشجاعة والبطولة واقتحام الأهوال"، كما تدعو إلى "الصبر على الشدائد وعدم ذرف الدموع حفاظاً على الصلابة والعنفوان أمام الآخرين"... إلى آخر المعزوفة؛ بيئات مضادة للخوف، كلامياً وإنشائياً، لكنها تمتلك طاقة هائلة على بثه في النفوس وعلى نشره لتجعله ثقافة وممارسة، وهي تزرعه كما تُزرع الأعضاء الاصطناعية في الجسد الناقص.

بهذا، يصبح هذا العضو جزءاً أصيلاً من تكويننا، ينمو معنا ويتضخم كغدّة، لا يغادرنا ولا يتلاشى إلا بمغادرتنا هذه الدنيا ثم دَفْننا وتَحلُّلنا العضوي في ثراها (الطاهر بالطبع).

إيزاك م. ماركس و"التعايش مع الخوف"

هرمون الأدرينالين هرمون مشترك بين سائر البشر على اختلاف بلدانهم ومنابتهم الاجتماعية، وموقعهم وعِرقهم ولونهم ودينهم وَلادينتهم، وثمة دراسات تحولت إلى حقائق علمية تقول بتواجده أيضاً في الغدد الصم عند الحيوانات، بمعنى أننا ربما ورثناه من أجدادنا القِرَدة أطال الله في أعمارهم ورزقنا وإياهم حسن الخاتمة، إلا أن هذا المشترك البشري البديهي لا يعفي من تمحيص وتدقيق ضروريَين.

معروفٌ أن الخوف كمشترك بشري ليس هو عينه هنا وهناك، إضافة إلى أن دوافعه تختلف لتجعله خوافاً، أو رهاباً "شاذاً" عن الدرجات المثلى والضرورية في حالات البشر الأقل عرضة لمسببات الرّهاب. ففي كتابه المعنون التعايش مع الخوف (1978) يميز عالم النفس البريطاني إيزاك م. ماركس بين درجات مختلفة من الخوف، ويدرس الفروق بين "الخوف الطبيعي" و"الخوف الشاذ"، معتبراً أن "الخوف يعتبر شاذاً فقط عندما يكون أضخم من الاستجابة العادية للضغط في ثقافة معينة، وعندما يكون معيقاً للشخص في حياته اليومية".

أعراض "الخوف الشاذ" بحسب ماركس تسمى بـ"زملات الأعراض"، نظراً لحجم الاضطرابات التي تنتج عنه، وهي "تميل إلى أن تحدث معاً في فترة من الزمن، وتتضمن كل مجموعة منها معاني معينة تتعلق بسبب الاضطراب وسير العلاج".

ولد معظمنا في مجتمعات ترذُل الخوف، وتمجّد ما تسميه بـ"الشجاعة والبطولة"، كما تدعو إلى "الصبر على الشدائد وعدم ذرف الدموع"... إلى آخر المعزوفة؛ بيئات مضادة للخوف، كلامياً وإنشائياً، لكنها تمتلك طاقة هائلة على بثه في النفوس وعلى نشره لتجعله ثقافة 

ويشير إلى أن الأسباب التي تجعل المخاوف الخفيفة العادية مخاوفَ مبالغاً فيها حتى تصبح حالات من الخواف، هي في الغالب سرّ غامض، فقد يكون الاكتئاب في بعض الحالات نقطة انطلاق تبدأ منه حالات الخواف والوساوس، وفي بعض الأحيان تكون نقطة البداية لحدوث صدمة ما. وقد تؤدي الحماية المفرطة للطفل إلى زيادة احتمالات حدوث الخواف، أو تؤدي إلى عدم زوال المخاوف العادية بشكل طبيعي.

وفي موضع آخر من كتابه، يتحدث عما يسميه بـ"دور الثقافات الفرعية في نقل أنواع خاصة من المحرمات والمخاوف إلى الأجيال المقبلة، كما هو معروف جيداً في حالات القلق الجنسي لدى الجماعات الدينية والسلالية". ويشدد على أن "ليست هناك حاجة إلى أن يبحث المرء عن المصادر المخبوءة لحالات الخواف والوسواس، فهي لا تشير إلى وجود أسرار لا شعورية غامضة يجب الكشف عنها حتى يكون العلاج ناجحاً... فمن الممكن معالجة القلق على أساس افتراض أن الشخص الذي يعانيه يحتاج إلى أن يعتاد على الموقف الذي يزعجه، من دون الحاجة إلى إعادة بناء شخصيته".

الكتاب أغنى وأشمل وأهم من أن يتم اختصاره والحديث عنه في هذه السطور، لكن المقتطفات السابقة قد تساعد على نقاش نقاط يهدف هذا المقال إلى إثارتها، وهي بالدرجة الأولى التطبيع مع الخوف والاستكانة إلى دوافعه ومسبباته، وخصوصاً عندما تكون على علاقة ببيئة الخائف، والمقصود هنا بالطبع "الخوف الشاذ"، وليس الخوف الطبيعي.

لا تخَف/تخافي... كُن/كوني مطيعاً/ة فحسب

لا ينتمي غالبنا إلى بيئات تعترف بأهمية وضرورة التحليل النفسي أو الذهاب إلى طبيب مختص بهذه المسائل، وإذا ما قرر أحد ما مراجعة الطبيب أو المعالج، ذهب إليه سراً، وعلى رؤوس أصابعه، حتى لا يصير هدفاً للتندر أو التنمر أو السخرية في مجتمعات الصلابة والذكورة ورباطة الجأش واحتقار الخوف والخائفين. بمعنى آخر، يصبح احتمال العلاج من الخوف هو عينه عاملاً من عوامل الخوف الإضافي (أو الخواف) الذي يضاف إلى سلسلة تنكّل بالمرء وبروحه وأفكاره وحتى بجسده.

واستطراداً، قد يكون عدم التصالح مع البيئة الرجعية أو "الثقافات الفرعية" كما وصفها ماركس، ومحاولات الخروج منها وما يترتب على ذلك من آلام ضرورية، لكي يصير الكائن المنسلخ عنها إنساناً، أو بمعنى أدق: فرداً، قد يكون مبعث رُهاب فظيع تبعاً لما يترتب على هذا من تهديدات وإرهاب اجتماعي، وعائلي وطائفي وسياسي، وصولاً إلى إرهاب أنظمة التوحش والإبادة، والمقصود نظام بشار الأسد في حالتنا كسوريين انسلخ بعضنا عن كل شيء تقريباً، بدءاً بالنظام العائلي في البيت، ووصولاً إلى النظام العائلي في دمشق.

الخوف جزء أصيل من تكويننا، ينمو معنا ويتضخم كغدّة، لا يغادرنا ولا يتلاشى إلا بمغادرتنا هذه الدنيا ثم دَفْننا وتَحلُّلنا العضوي في ثراها (الطاهر بالطبع)

لهذا، قد يكون الأشخاص (وليس الأفراد) المتصالحون مع أشد بيئاتهم رجعية وتخلفاً واستبداداً، وأكثرهم تمجيداً لها وانخراطاً في أدواتها وفاعليتها، أقلَّ الناس عرضة لاحتمالات الاكتئاب أو الرهاب أو القلق الشديد أو الصرع  وغيرها.

هنا، ثمة احتمالان للتعايش المفترَض مع الخوف، الخواف، وكل المشاكل النفسية الأخرى؛

الأول، هو الكبت والتصالح مع فكرة أن ما يحصل للمرء، وما يحيط به هو أمر عاديّ، وهو طبيعة الحياة وحتميتها، مترافقاً بالخوف من اكتشاف كل ما يقع خارج الجماعة الأهلية أو السياسية أو الإيديولوجية، يمكن التغلب عليه بالقمع الذاتي أو النسيان أو الاستكانة والاستقالة من التفكير من أجل حياة بليدة ورتيبة، يتزوج فيها زواجاً تقليدياً، ويدرس اختصاصاً ما قد لا يعكسُ رغبتهُ بقدرِ ما يعكسُ سعيهُ لإرضاءِ أهله الذين سيتباهون بهذه الدراسة أمام الجيران، ويقبل أيدي الأقربين ليحوزَ توصيف "الابن المِرْضي"؛ يسجد للقضايا الخالدة وينحني أمام صورة الأمين العام لحزبه، ولا ينسى أن يشعر بالخشوع لدى تلاوة قرارات اللجنة المركزية. وإذا شعر بخلل ما في نفسه وروحه وعقله، التفّ على ما يحصل دون أن يتجرأ على إطلاق الأسئلة في الهواء الطلق.  

والثاني، معرفته وإدراكه لما يتقاذف نفسه ودواخله من حالات عدم استقرار وتناقضات وأمراض سببتها حالات وضغوطات رهيبة وغير طبيعية تحيط به، ودفاعه بأسنانه عن معرفته هذه، والذهاب إلى خيارات انسلاخية تحقق له راحة نسبية، وإن بعد زمن مديد. فالتصالح مع ضرورة الخروج من القطيع والعمل على هذا الخروج هي الشجاعة الحقة، وليست السباحة والرماية وركوب الخيل، ولا الانضواء في جموع وروابط قطيعية، إلا أن ذلك يقتضي بدوره المرور بخوف ورعب وتعرُّضٍ لإرهاب كبير لا بدّ منه.

الربيع العربي أزهر في سوريا نظاماً رقابياً ثورياً يصل حد التشهير والقذف والتخوين والتصفية المعنوية عند التجرؤ على ما يعتبره البعض مقدساتٍ ومسلّمات لا يجوز انتقادها، أو على أفكار وإجماعات وطنية كاذبة أو أشخاص و"رموز" هم أقرب إلى المهرجين الذين طوّبوا قديسين

توريث الخوف

الخوف يورَّث هرمونياً من الأبوين إلى الأبناء؛ هذا ما قاله لي صديق في حديث بيننا سبقَ كتابتي هذا النص بأيام.

كان أول ما فكّرت فيه آنئذٍ أن كل الكوارث التي تغلي في داخلي، وعلى رأسها المخاوف من مسائل قد يراها آخرون بسيطة، وهي بالنسبة لي ليست كذلك، قد تكون انتقلت إلى "آلان"، ابني الذي يقترب من بلوغ عامه الثاني.

مع ذلك، وبعد حوالي عشرين دقيقة من بداية هذه الأفكار، زالت هذه المخاوف من تلقاء نفسها. يقول إسحق ماركس: "إن الأفكار التي تتعلق بالخوف من حدث ما ستزول في غالب الأحيان إذا أطلق لها الإنسان العنان، وتركها تأخذ مداها في غضون 20-30 دقيقة".

لكن الأمر لا يتعلق بمعيار علمي أو منهجي كالذي عمل عليه ماركس لإنجاز الكتاب، بل إنه يعيدنا إلى البيئة مجدداً، خاصة أنني أنتمي إلى تيار فكري لا يؤمن بأن طباع البشر وأفكارهم ترسمها الجينات، بل البيئات التي ولدوا وعاشوا معظم حياتهم فيها.

فابني هو ابن إيطاليا، التي ولد فيها وسيعيش فيها إلى أن يتخذ قراراً مغايراً لذلك، وهو يواظبُ على الذهاب إلى روضة أطفال مخصصة لمن هم في مثل عمره يومياً، يشرف عليه مختصون درسوا هذا النوع من التربية والرعاية وفق مناهج أوربية حديثة ومنضبطة، كما أنه سيذهب إلى المدارس لاحقاً ثم الجامعة، وربما سيرث عن والده، للأسف طبعاً، الرغبة في العمل الثقافي والفكري المتعلق بالعالم العربي، وربما لن يفعل.

قد يعاني من العنصرية من فئات يمينية متطرفة هنا، لكنه قد يصير يمينياً أيضاً، وهذا حقه. كل الخيارات مفتوحة أمامه، والأهم أن الخوف من مصادرة خياراته يبدو ضئيلاً جداً، والخواف الذي قد يمر به ستكون مسبباته ودوافعه أكثر حداثة من الدوافع الرثة والبدائية في سوريا وما شابهها من بلدان. وبالتالي ستكون أدوات مواجهته لها أدوات حداثية ودستورية. في إيطاليا ليس ثمة شيوخ وطوائف وأنظمة تفتل شاربيها، وتتحكم بمصائر بشر، وتدمّر حيوات أفراد وأجيال.

الخوف يورّث بيولوجياً إذاً؟ ربما. ولكن من المؤكد أنه يورّث إيديولوجياً.

ذاك أن ثورة عام 2011 التي كسرنا فيها جدار الخوف من الأسدية، صوتاً وصراخاً وكتابةً، وفجّرت في داخلنا مكنونات طال انتظار أوان تفجيرها، ملّكتنا قرارات وخيارات شخصية كانت غائبة ومغيّبة، لكن امتداد الصراع السوري، وما رافقه ويرافقه وسيرافقه لسنوات، وربما عقود قادمة، خلق نظاماً تخويفياً موازياً يغرز أنيابه وبعمق في عقول وأقلامٍ، كما في أحلامٍ لفظت أنفاسها الأخيرة.

فالربيع العربي أزهر في سوريا نظاماً رقابياً ثورياً يصل حد التشهير والقذف والتخوين والتصفية المعنوية عند التجرؤ على ما يعتبره البعض مقدساتٍ ومسلّمات لا يجوز انتقادها، أو على أفكار وإجماعات وطنية كاذبة أو أشخاص و"رموز" هم أقرب إلى المهرجين الذين طوّبوا قديسين من دون زيت مقدس، وهي نقطة تستحق أن تكون ختاماً مؤقتاً لمساهمتي في ملف "الخوف" في رصيف 22. فمصادر الخواف، الرهاب، كثيرة، وترتبط بمسارات وتعرجات تلازم حياة الإنسان منذ ولادته، ولا يمكن ردها إلى مصدر واحد رغم تعدد مستوى مسؤولية تلك المصادر.

وعليه، ربما يكون الانفصال عن البيئة التي بدت بيئة وبلاداً واعدة في فترة من فترات العقد المنصرم، حلاً أو عاملاً مساعداً على تحقيق توازن نسبي، بعيداً عن زجليات الشجاعة والصمود والتحمل والذوبان في سبيل "القضايا الكبرى" ووهم "كسر حاجز الخوف"، خاصة أن هذه الحياة ما تزال غنية بالكثير مما يحرّض على اكتشافه والانخراط فيه، وفي هذا "الكثير" دروس وعبر وعلاجات جديرة بأن يُمرّ بها وعليها.

* تنويه: لا يرتاح كاتب المقال إلى استعمال كلمة "شاذ" في "الخوف الشاذ"، نظراً لما لها من دلالات وانتهاك لنمط حياة وحرية شريحة من البشر، وهو يوردها في المقال بناء على استعمال مؤلف كتاب "التعايش مع الخوف" معها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard