في مصر... حقوق تكفلها القوانين وتضيعها أهواء الموظفين

الخميس 9 يونيو 202206:14 م
بعد أشهر سادها الجدل والشد والجذب، أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قراراً جمهورياً بتشكيل لجنة من مستشاري وزارة العدل لإعداد مسودة لقانون جديد للأحوال الشخصية، وأعلن وزير العدل صبيحة اليوم، 9 يونيو/ حزيران، أن آخر موعد لتلقي اللجنة المشكلة بقرار جمهوري لاقتراحات المنظمات والجمعيات والمؤسسات بخصوص مواد القانون، هو يوم 20 من الشهر نفسه. ومن المتوقع أن يستجيب القانون لبعض مطالب النساء فيما يختص بالولاية على أبنائهن وتيسير المعاملات القانونية والحكومية المتعلقة بتعاملاتهن فيما يختص بشؤون الأبناء، وتسريع حصولهن على حقوقهن وحقوق أولادهن المادية في حالات الطلاق والترمُّل. ولكن هل تكفي القوانين لتصحيح الأوضاع الحرجة لهن؟ 
"تسجيل الطفلة الذي لا يستحق أكثر من بضع دقائق، استغرق سبع ساعات كاملة. كانت تجربة صعبة ومؤلمة نفسياً وجسدياً، بعدها اكتشفت أن هناك مكاتب صحة أخرى لا تتأخر في تسجيل الأم لمولودها، ولا ترفض تنفيذ القانون بحجة أن الشرع يمنع"

القانون يجيز و"الشرع" يرفض

انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الشهور الماضية عدة حملات تطالب ببعض الحقوق القانونية البديهية للنساء، كتسجيل الأم لمولودها، أو حق النساء في الإقامة بمفردهن في الفنادق، أو استخراج جواز سفر لمولودهن، وكانت تلك الحملات تحت عدة شعارات، وأهمها "الولاية حقي"، التي تبنتها بعض المؤسسات النسوية، ولكن اللافت في تلك الحقوق أنه كان هناك تفاوت واضح بين تجربة امرأة عن أخرى.

فبينما استطاعت إحداهن تسجيل مولودها أو استخراج جواز سفر لطفلها، فإن هناك أخرى لم تنجح في إتمام تلك الاجراءات بسهولة، واحتاجت إلى وجود الزوج أو العم أو الجد من طرف الأب، حتى يوافق الموظف على إتمام الاجراءات. الأمر الذي كشف أن حصول النساء على حقوقهن التي تكفل القوانين بعضها، لا يسير على معيار واحدة دائماً، فالأمر خاضع للأهواء الاجتماعية والدينية للموظف المسؤول الذي يقود الحظ/ القدر السيدة للتعامل معه.

تقول رانيا محمود*، 42 سنة، أم لطفلة، لرصيف22: "عندما ولدت طفلتي، نيللي، كنت مرعوبة من أن طليقي يخطفها ويهرب، نكاية فيَ، فذهبت لتسجيلها في مكتب الصحة التابع له المستشفى الذي ولدت فيه بأحد أحياء القاهرة، عندما وصلت المكتب، الموظف كان سلفياً، وهو ما كان جلياً من مظهره، رفض أن يجعلني أسجل المولودة، وظل يجادلني في أن هذا حق للأب فقط، علماً أن قانون الطفل يقر بحق الأم في تسجيل مولودها ما دام معها ما يثبت العلاقة الزوجية، وهو ما كنت أرد به عليه، فقال لي إن الشرع هو الذي يقصر هذا الحق على الأب، فقلت له إن هذا ليس صحيحاً، وإن كان هناك من يحق له تسجيل المولود، فهو الأم بالأساس".

"الموظف سلفي الهوى، قالها لي مباشرة، أن تسمية الجنين هو حق حصري للأب، وأنت لست أكثر من ماعون. فاضطررت للذهاب لقسم الشرطة وقدمت بلاغاً، ثم عدت لمكتب الصحة مرة أخرى، كل هذا بعد 12 ساعة فقط من إجراء ولادة قيصرية مؤلمة"

وتتابع رانيا: "بل أن الموظف سلفي الهوى، قالها لي مباشرة، أن تسمية الجنين هو حق حصري للأب، وأنت لست أكثر من ماعون أو وعاء فقط، فاضطررت للذهاب لقسم الشرطة التابع له مكتب الصحة، وقدمت بلاغاً، ثم عدت لمكتب الصحة مرة أخرى، كل هذا وأنا كنت لتوي قد أجريت عملية ولادة قيصرية، لم أكمل 12 ساعة، وعندما عدت له ظل يماطلني لمدة أربع ساعات كاملة، أغرقني فيها بعشرات الاستمارات والتعهدات، تعجيزاً لي، ولم أجد مكاناً لأستريح فيه، فظللت واقفة طوال تلك المدة، وتركت ابنتي على الأرض بجانبي لأتمكن من ملء الأوراق المطلوبة، وأنا أحملها على ذراعي وجرح القيصري ينزف، كان هذا في فبراير/ شباط 2018".

تضيف رانيا متعجبة: "العجيب في الأمر أن الموظف لم يجد أي غضاضة في منعي من التسجيل ومماطلتي رغم علمه تماماً بأن التسجيل مهم في الساعات الأولى، لأتمكن من تطعيم الوليدة التطعيمات المبكرة. تسجيل الطفلة الذي لا يستحق بضع أكثر من بضع دقائق، استغرق سبع ساعات كاملة، من 9 صباحاً حتى 4 مساءً، كانت تجربة صعبة ومؤلمة نفسياً وجسدياً، بعدها اكتشفت أن الأمر ليس معمماً على كافة مكاتب الصحة، فهناك مكاتب أخرى لا تتأخر في تسجيل الأم لمولودها، ولا ترفض تنفيذ القانون".

يذكر أن المادة 15 من قانون الطفل المعدل في 2008، تعطي الحق للزوجة في تسجيل مولودها، شريطة إثبات العلاقة الزوجية علي النحو الذي تبينه القوانين المصرية.

أما هالة جمال، 30 سنة، القاهرة، مترجمة، فتروي لرصيف22: "ما حدث كان يوم عقد قراني على زوجي في 2018، كنا متفقين من البداية على شرط واحد سنكتبه في قسيمة الزواج وهو حقي في تطليق نفسي منه، وهو ما اتفقنا عليه مع المأذون، وعندما جاء، وأمام كل الأقارب والأصدقاء ممن حضروا عقد القران، رفض المأذون (موظف توثيق عقود لدى وزارة العدل) كتابة الشرط، رغم أن كل الأطراف متفقة عليه، وحتى الشهود على علم به. لكنه رفض تماماً، وأصر أن هذا الشرط مخالف للشرع، حاولنا نقاشه بالمنطق والقانون والشرع، لمدة نصف ساعة، لكنه أصر على موقفه، لم يكن أمامنا سوى حل من اثنين، إما أنا أتنازل أنا وأوافق على عدم إدراج الشرط في عقد الزواج، أو أن أتمسك بموقفي وهذا يعني تأجيل الحفل بأكمله، وإلغاء كل الترتيبات وانصراف المعازيم، وكان هذا شبه مستحيل، فلم يكن أمامي سوى أن أقبل، وهو ما تم بالفعل".

تعرف جمال أن في تصرف المأذون "تعدياً صارخاً" على حقوقها التي يكفلها لها القانون والشرع معاً، وفكرت في تسجيل بلاغ أو شكوى قانونية ضد المأذون، لكنها لم تكن تعرف السبل القانونية إلى ذلك. 

عادة ما يدعي موظفو الفنادق بأن الأجهزة الأمنية ممثلة في شرطة السياحة هي من تصدر إليهم تعليمات شفهية تمنع تماماً استضافة النساء القادمات للإقامة من دون "محرم" منعاً "للفاحشة"، ما يعني النظر إلى كل أنثى باعتبارها عاملة جنس محتملة

علمت الزوجة الشابة في وقت لاحق أن أغلب موثقي العقود العاملين في مهنة المأذون يرفضون إدارج شروط الزوجات في عقد الزواج رغم النص على هذا في اللائحة المنظمة لعمل المأذونين التي أصدرتها وزارة العدل المصرية إعمالاً لتعديلات قانون الأحوال الشخصية. إذ تنص المادة 33 من لائحة المأذونين (1727 لسنة 2000) على "وجوب أن يبصّر المأذون الزوجين الراغبين في عقد الزواج على الشروط الخاصة التي يجوز لكل منهما إدراجها في العقد، والتي تبدأ من وضع منزل الزوجية في حالتي الطلاق أو الوفاة، والحق في المنقولات وعدم اقتران الزوج بأخرى إلا بإذن كتابي من الزوجة، ورصد مبلغ مقطوع أو نسبة من إجمالي الراتب يؤديها الزوج لزوجته على سبيل المصروف الشخصي أو في حالة الطلاق وغيرها من الشروط التي تفصلها اللائحة ويرفض القائمون بعمل المأذون إدراج أي منها رغم إلزام اللائحة القانونية لهم بذلك.

تقول هالة معلقة على تصرف المأذون: "لم تكن رغبتي تلك لزوم الوجاهة مثلاً، بل كانت مهمة جداً لي لأنني كنت شاهدة على حالات عدة لنساء من حولي، مررن بتجارب مؤلمة وقاسية في الانفصال، فهناك من تنازلت عن كافة حقوقها ودخلت المحاكم ورأت من الذل ألواناً، حتى تتخلص من زيجة مؤذية، بينما كان يكفي للرجل أن يقول كلمة (إنتي طالق) ليتحرر من الزواج، لذلك كنت أتمنى أن يكون لي حق طلاق نفسي، حتى لا أمر بنفس التجربة الأليمة التي قد تزيد من ألم ومرارة الانفصال في حد ذاته".

نوم النساء في الشارع أفضل

أما مروة شاهر* الشابة الثلاثينية التي تعمل بإحدى شركات الأدوية الكبرى، فتروي: "أغرب موقف تعرضت له من بداية خوضي لمجال العمل حتى الآن، كان عندما اتصلت بأحد الفنادق الكبرى بمدينة مرسى مطروح، لأحجز غرفة فردية لزميلة بالعمل، ذهبت لهناك في مهمة من أجل العمل، وهو ما يحدث مراراً ولم يقابلني أي معوقات من قبل، لكن وقتها رد علي موظف ووافق على إتمام الحجز، ثم سمعت صوت شخص آخر يحادثني، وعرف نفسه بأنه مدير الاستقبال والمسؤول عن إدارة الفندق، وكان يرد بمنتهى العجرفة والعنجهية، رافضاً الحجز لفتاة بمفردها، فرددت عليه بأنه ليس هناك قانون ينص على منع النساء من النزول في الفنادق بمفردهن، بل أن امتناعه مخالفة صريحة للدستور المصري في ماديته 11 و53 اللتين تنصان على المساواة وعدم التمييز، والمادة 62 التي تكفل حرية التنقل والإقامة والمواد 161 و176 و309 من قانون العقوبات التي تنص على المعاقبة على أي عمل من شأنه التمييز بين الأفراد والإساءة لهم، لم يعطيني جواباً واكتفى بتكرار الرفض".

عادة ما يدعي موظفو الفنادق بأن الأجهزة الأمنية ممثلة في شرطة السياحة هي من تصدر إليهم تعليمات شفهية تمنع تماماً استضافة النساء القادمات للإقامة من دون "محرم" من أب أو زوج أو أخ أو ابن، منعاً "للفاحشة"، ما يعني النظر إلى كل أنثى باعتبارها عاملة جنس محتملة. 

أرادت شاهر اتخاذ إجراء قانوني ضد الموظف "لكن للأسف كان هناك نقطتان أعاقتا تلك الخطوة، أولاً أن كل تلك المحادثة كانت عبر الهاتف وليس من خلال البريد الالكتروني، أي من شأنه إنكارها ببساطة، والثانية أن الشركة التي أعمل بها كانت سترفض الدخول في معترك قانوني قد يشوش على اسمها في السوق".

يذكر أن موضوع اقامة النساء في الفنادق وحدهن، أثار الكثير من اللغط خلال السنوات الماضية، لتكرار رفض بعض الفنادق الحجز للنزيلات، ورغم المحاولات القانونية لإنهاء ذلك الوضع من خلال النضال القانوني، رفضت محكمة القضاء الإداري في يناير/ كانون الثاني الماضي، دعوى قضائية مقامة من هاني سامح وصلاح بخيت، التي طالبا فيها بإلغاء التنبيهات الصادرة من المؤسسات الأمنية بعدم السماح للنساء دون سن الـ40 من المصريات أو مواطنات مجلس التعاون الخليجي بالنزول في الفنادق بمفردهن، وقالت المحكمة في معرض رفضها للدعوى، إن الحكم جاء لانتفاء صدور قرار يمنع إقامة النساء بمفردهن من الأساس. أي لا توجد ورقة رسمية تنص على ذلك القرار صادرة من وزارة الداخلية، ما يعني أن المحكمة ليس في سلطتها وقف هذا القرار ما دام شفهياً. 

لكن حقوقيين فسروا الحكم باعتباره تأكيداً على حق النساء اللواتي هن تحت سن الأربعين، في النزول وتسجيل الوصول في الفنادق أيا كان تقييمها السياحي، علماً أنه لم يصدر تنبيه بمنع النساء من ممارسة هذا الحق. لكن ذلك التفسير لا يمنع الفنادق المصرية من الاستمرار في تنفيذ التعليمات الشفهية خشية إغضاب بعض الضباط ذوي الاتجاهات المتشددة.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard