"يسمع ابني مفردة جديدة فيخمّن معناها من لغة جسد المتحِدث"... تأثير الثنائية اللغوية على الأطفال

الخميس 9 يونيو 202212:08 م

كوننا أمهات مغتربات، يلازمنا جميعاً هاجس يدور في خلفية أحداث حياتنا اليومية، وهو نقل الهوية والتراث إلى أطفالنا، نحكي لهم عن بلادنا وعائلاتنا الممتدة، نروي لهم قصص الجدات وأغانيهن المتوارثة أمّاً عن أم، نصنع روائح الوطن ومذاقاته داخل منازلنا ونقيم شعائر أعيادنا كل عام بنفس الشغف، نخلق وطناً مصغراً مُحلّى بلون بلادنا المشتهاة، ولكي يتم ذلك كله نهتم باللغة الأم بجانب لغة المجتمع الذي نحيا فيه.

تُعرف اليونسكو ازدواجية اللغة Bilingualism بأنها استخدام الشخص لأكثر من لغة في الحياة اليومية، فليس من الضرورة - وفقاً لليونسكو- أن يكون مستوى جودة اللغتين لدى الشخص متساوياً ليوصف بأنه مزدوج اللغة. هذا التعريف يحرر ازدواجية اللغة من المفهوم الشائع الذي يفترض بأن مزدوجي اللغة يتحدثون كلتا اللغتين بنفس الكفاءة، فبدلاً من أن تكون للإنسان لغته الأم في الطفولة ولغة أخرى ثانية يتم إدخالها لاحقاً، تتكون في عقله لغتان أو أكثر في الوقت ذاته.

لماذا ننشئ أطفالاً مزدوجي اللغة

تتعدد الأسباب التي تجعل الأهل يربون أطفالاً مزدوجي اللغة، ثمة من يضعون أطفالهم في هذه البيئة التربوية بمحض إرادتهم لتنشئة أطفال متعددي اللغات مما يخدم مستقبلهم العملي والاجتماعي من وجهة نظرهم، وثمة من يرتبطون بشخص يختلف عنهم لغوياً، فتحوي الأسرة أكثر من لغة واحدة، وثمة من يتم إقحامهم في هذه التنشئة بسبب اختلاف بلد المعيشة عن بلد المنشأ كالمهاجرين أو الأجانب المقيمين في بلاد تختلف اللغة فيها عن بلادهم الأصلية.

تُعرف اليونسكو ازدواجية اللغة Bilingualism بأنها استخدام الشخص لأكثر من لغة في الحياة اليومية، ليس من الضرورة - وفقاً لليونسكو- أن يكون مستوى جودة اللغتين لدى الشخص متساوياً ليوصف بأنه مزدوج اللغة.

تشير دراسة نشرت في أحد المواقع الهولندية إلى أن هناك 20% من الأطفال في هولندا يتعرضون للغة ثانية أو ثالثة موازية مع الهولندية في منازلهم بسبب كون أحد الأبوين أو كليهما من المهاجرين، ينشأ هؤلاء الأطفال كمزدوجي أو متعددي اللغة. بجانب ذلك، تلفت جامعة أمستردام إلى أن عدد الأطفال المزدوجي اللغة bilingual يفوق عدد الأطفال أصحاب اللغة الواحدة monolingual حول العالم.

تسترجع (جينا) ذكرياتها حينما انتقلت بتوأمها من العراق إلى هولندا في أوائل التسعينيات إذ كان عمر طفليها وقتئذ ثلاث سنوات ونصف، عندما واجه الطفلان صعوبات في تعلم اللغة الهولندية في المدرسة، فنصحتها معلمة الصف أن تتحدث مع الولدين بالعربية لأنها لغتهما الأم. بينما يتحدث الطفلان معاً بالهولندية كنشاط لتقوية اللغة، اعتمدت (جينا) وقتئذ على القاموس لترجمة مفردات الطفلين الجديدة، تصف تجربتها: "صرت أتعلم اللغة من ولدَيّ وقد ساعداني كثيراً في ذلك، فبالإضافة إلى دروس اللغة التي تلقيتها اعتدت أن اسألهما بالعربية عن كيفية تكوين الجمل الحوارية وكيف أرتب الكلمات وأصوغ الأسئلة". 

مهارات مكتسبة بازدواجية اللغة

حينما أقرأ بالهولندية مع طفلي البالغ من العمر خمس سنوات أسأله عن معاني بعض المفردات الصعبة في القصة، فأجده لا يعرف معناها بشكل دقيق بالرغم من إدراكه الكامل لما تعنيه داخل سياق القصة، ما كان يقوم به -بلا وعي منه- هو عملية تنقية واستنتاج. واكتشفت أنه يفعل ذلك طوال يومه بالمدرسة، فكلما تعرض لمفردة جديدة خمّن معناها أو استنبطه من لغة جسد المتحدث أو فهم المعنى المقصود من السياق. 

أردت أن أجري اختباراً أتأكد به من فرضيتي، فسألته عن المرادفات العربية لثلاث كلمات هولندية وهي "متوتر، محبط، يشعر بالملل" فجاءت إجابته بأن مرادف الكلمات الثلاث هو "غاضب/حزين"، وذلك لأنه استنتج معاني هذه الكلمات من تعابير وجه قائلها الذي كان يشي بالغضب وأحياناً الحزن على حد وصفه. 

أقرأ بالهولندية مع طفلي وأسأله عن معاني المفردات الصعبة، فأجده لا يعرفها بشكل دقيق بالرغم من إدراكه الكامل لما تعنيه داخل سياق القصة، ما يقوم به هو عملية تنقية واستنتاج. فكلما تعرض لمفردة جديدة خمّن معناها من لغة جسد المتحدث أو فهم المعنى من السياق

هناك دراسة أجرتها الباحثة الكندية (إلين بياليستوك) مفادها أن الأطفال المزدوجي اللغة يميلون لا إرادياً إلى تنقية المحتوى التعليمي المقدم إليهم واستخلاص الهدف منه بتجاهل ما يعتقدون أنه غير هام، وتفيد كذلك بأن الأطفال المزدوجي اللغة لديهم مهارات كالمرونة والقدرة على الارتجال والتكيف وفقاً للهدف الدراسي المطلوب منهم لأنها الطريقة ذاتها التي يتعلمون بها أكثر من لغة في نفس الوقت.

تحكي (هدية هاني) عن ملاحظتها لطفليها التوأم، وهما يتنقلان في الحديث بين العربية والهولندية بمنتهى السهولة ودون أي تذبذب وفقاً للغة الشخص الذي يتحدثان إليه، كما يمكنهما التعبير عن نفسيهما في كلتا اللغتين بالكفاءة ذاتها، بينما تروي (جينا) فيما يخص الأمر ذاته بأن ابنَيْها البالغين من العمر الآن 26 عاماً لا يتذكران مطلقاً مرحلة تعلمهما للغة الهولندية أثناء الطفولة وذلك لشدة إتقانهما لها الآن، وتضيف أنهما يشعران بالتميز لكونهما مزدوجي اللغة.

كيف نتعلم اللغات

عندما قطعت شوطاً كبيراً في تعلم اللغة الهولندية لازمني شعور لم أستطع وصفه، بأن عقلي صار أرحب، وكأن ذهني انفتحت فيه غرفة مليئة بالحياة لم يكن لها وجود من قبل، كأن عقلك قد استطاع قراءة موجة ضوئية لم يكن بإمكانه التقاطها من قبل، وجدت في الدراسات العلمية وصفاً لما اعتمر داخل رأسي وعجزت عن توصيفه، وهذا ما جعلني أفكر في الكيفية التي تعمل بها عقول الأطفال المزدوجي اللغة.

عندما قطعت شوطاً كبيراً في تعلم اللغة الهولندية لازمني شعور لم أستطع وصفه، بأن عقلي صار أرحب، وكأن ذهني انفتحت فيه غرفة مليئة بالحياة لم يكن لها وجود من قبل.

تشرح الباحثة (بياليستوك) أن النظام المتعلق باللغة في دماغ الإنسان الأحادي اللغة  monolingual يحتوي على كل ما يتعلق باللغة من حيث اللغة المنطوقة والمسموعة وما يتعلق بها من اللهجة وطريقة النطق والصوتيات، وكذلك لغة الجسد المتعلقة بهذه اللغة بالتحديد، وبناء الجملة وما يتعلق به من قواعد نحوية، بالإضافة إلى حس الدعابة. حينما يتواصل الشخص مع غيره بواسطة اللغة فإنه يُفعِّل هذا النظام المتعلق بهذه اللغة خصيصاً، وإذا انتقل إلى الحديث بلغة أخرى فإن دماغه يوقف عمل هذا النظام اللغوي وينتقل بشكل غير واعٍ إلى النظام أو القاموس اللغوي المتعلق باللغة الأخرى.

دماغ الإنسان الثنائي اللغة يختلف عما سبق توضيحه في رأي (بياليستوك)،  ففي دماغ الإنسان المزدوج اللغة يكون النظامان اللغويان مُفعَّلين طوال الوقت، وهذا ما يجعلنا نقول أن أدمغة المزدوجي اللغة تعمل بشكل مختلف عن غيرهم وفقاً لدراسة (بياليستوك).

الوجه الآخر لازدواج اللغة

هناك ما يُعرف في اللغة الانجليزية باسم semilingualism، هذا المصطلح الذي يعرفه أستاذ علم اللغويات بجامعة كاليفورنيا ( فريدريك فيلد ) بأنه القدرة على التحدث بلغتين دون إتقان أي منهما بشكل فعلي.

حينما نصحت مستشارة شؤون الأطفال الحديثي الولادة (هدية) بالتحدث بالعربية مع أطفالها تعجبت في البداية، لأن الكثير من الأسر في مصر تتحدث مع أطفالها باللغة التي ترغب في أن يتقنها الأطفال، إلا أن نصائح الاخصائية اللغوية باتت مقنعة بالنسبة لها إذ لاحظت في الكثير من الأطفال الذين يتسمون بثنائية اللغة ظاهرياً أو ما يُعرف باسم "شبه اللغة" مع عدم القدرة على التحدث بأي من اللغتين بشكل كافٍ. 

هناك ما يُعرف في اللغة الانجليزية باسم semilingualism، هذا المصطلح الذي يعرفه أستاذ علم اللغويات ( فريدريك فيلد) بأنه القدرة على التحدث بلغتين دون إتقان أي منهما بشكل فعلي.

تشير الدكتورة (سارة العزب)، أخصائية التخاطب وتأخر الكلام، إلى أن نوع اللغة لا يهم إذا بلغ الطفل مرحلة التأخر اللغوي أو شبه اللغة، إنما الأولوية تكون بإتقان الطفل لغة واحدة بشكل كافٍ للتعبير عن نفسه سواء كانت هذه اللغة هي العربية أو الهولندية أو أي لغة أخرى لتفادي مشاكل ضعف اللغة ومشاكل تأخر الكلام وكذلك التأخر الدراسي في المدرسة فيما بعد.

تؤكد دراسة جامعية أجريت على بعض الطلبة الهولنديي الأصل وآخرين مزدوجي اللغة من أصول تركية ومغربية، أن قدرة الطفل المزدوج اللغة على استيعاب كم أكبر من المفردات اللغوية تفوق الطفل الأحادي اللغة، ولكن الدراسة ذاتها تشير أيضاً إلى أن أطفال المهاجرين المزدوجي اللغة في هولندا يعانون من قلة التعرض للغة المحلية مما يجعل أقرانهم من الهولنديين أكثر مهارة في استخدام اللغة. وتلفت الدراسة إلى أن أطفال المهاجرين أقل تعرضاً للمفردات الأكاديمية التي من شأنها أن تحفّز المهارات الأكاديمية لدى الطالب، لا تعزو الدراسة التأخر الدراسي لدى بعض أطفال المهاجرين للغة فقط، وإنما تتدخل في المعادلة عوامل أخرى كدرجة الأبوين التعليمية ومدى انخراطهما في المجتمع الهولندي.

تحكي (هدير) عن القلق الذي تشعر به حينما يتعلق الأمر بمستوى ابنتها الدراسي، وتقتنع بأن الطفل المزدوج اللغة سيظل دائماً غير متقن للغة الهولندية بنفس كفاءة أبناء المجتمع من الأطفال الهولنديين، فمهمة إعداد طفل متفوق أكاديمياً من الجيل الأول من المهاجرين -في رأي هدير- يجب أن تكون مقترنة بالكثير من الجهود الذاتية في المنزل، وأن الاعتماد الكلي على المدرسة لن يكون كافياً بالرغم من أن نصيحة الخبراء التربويين في هولندا توصى بغير ذلك.

إدراك النظام التعليمي لوجود المهاجرين 

أجرت جامعة خروننجين الهولندية دراسة حول مدى استيعاب المعلمين لما تعنيه ازدواجية اللغة في الأطفال، شملت 72 معلماً من المدينة ذاتها، وأظهرت أن عدم الاستيعاب لمفهوم تعدد اللغات عند الطفل واسع النطاق بين المعلمين، وسوء التفاهم بين المعلم والأسرة يقف عائقاً في طريق تنشئة طفل متعدد اللغات ومن ثم في طريق إتقانه للغة الهولندية، جاءت النتائج بأن 33 % من المعلمين المشتركين في الدراسة لا يتحدثون مع أولياء الأمور حول تعددية اللغة لدى الطفل.

على الجانب الآخر هناك ما يُعرف باسم "التعليم المبكر ما قبل المدرسي VVE" وهو خدمة هولندية مجانية تقدم للأطفال المتعسرين لغوياً في سن ما قبل المدرسة. يتم تلقي هذه الدروس الإضافية داخل المدرسة لتمكين الطفل من إتقان اللغة قبل بدء المدرسة في العام السادس من العمر.

تلخص (هدير) تجربتها مع المدارس الهولندية بأن لا وجود لآلية تعامل مع الأطفال المزدوجي اللغة في المدارس الهولندية الحكومية، فمنذ ست سنوات تراقب هدير النمو اللغوي لابنتها في الهولندية والعربية، وتستخلص أن أغلب ما تمتلكه ابنتها من مفردات هولندية هو ما زرعته فيها الأم عن طريق المجهود الإضافي المستقل عن المدرسة. يهيمن الشعور بعدم الثقة على علاقة (هدير) بالقائمين على التعليم فيما يتعلق بازدواجية اللغة. تشعر (هدير) بأن النظام التعليمي في هولندا لا يستوعب مخاوفها كأم حريصة على تحقيق كيان ابنتها تعليمياً وأكاديمياً، فتجتهد بأكثر مما تقدمه المدرسة لمساعدة ابنتها لغوياً. 

وصفت الدكتورة (سارة العزب) القراءة المبكرة بالوسيلة الأكثر فعالية لإدخال المفردات اللغوية، فكلما قرأ الطفل زادت حصيلته اللغوية وتحسنت كفاءة النظام اللغوي في الدماغ، لا سيما في حالة الطفل الثنائي اللغة.

التكيف والاندماج 

وصفت الدكتورة (سارة العزب) القراءة المبكرة بالوسيلة الأكثر فعالية لإدخال المفردات اللغوية لدى الأطفال، فكلما قرأ الطفل زادت حصيلته اللغوية وتحسنت كفاءة النظام اللغوي في الدماغ، لا سيما في حالة الطفل الثنائي اللغة. اتفقت مع هذا الرأي الباحثة النمساوية في علوم التربية (جوليا فيستمان) وصاحبة كتاب "تنشئة أطفال مزدوجي اللغة" إذ أوضحت أن تنشئة طفل متعدد اللغات تعتمد على إدخال مفردات جديدة في أكثر من لغة بشكل مستمر، وهذا لا يتم بغير القراءة المستمرة منذ الطفولة المبكرة.

تعتمد (هدير) على القراءة باللغتين العربية والهولندية مع ابنتها، منذ عمر الثلاثة أشهر وهي تقرأ لها في جميع المجالات. بهذه الطريقة تمكنت من إدخال أساسيات اللغة الهولندية لعقل طفلتها منذ الطفولة المبكرة وقبل الوصول لمرحلة المدرسة،  أما فيما يخص العربية فإن (هدير) تعتمد على كتب المنهج المصري في تدريس اللغة العربية من أجل متابعة إدراك ابنتها للقراءة والكتابة بالعربية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard