تحويل العالم على ما نشتهي... مقدمة ملف السحر

الخميس 9 يونيو 202210:00 ص

تبيّن في العصر الحديث أن العلم ليس نقيضاً للسحر، بل إنهما يتماسان ويتنافسان- وإن اختلفت الوسائل- في الطموح إلى سبر غوامض الكون والذات، سعياً للتحكم فيها. كان صياد العصر الحجري يرسم تصاوير تمثل الطرائد وهي جريحة أو قتيلة بسهامه، وأصحاب العزائم يصنعون الرقى والتعاويذ لعلاج المرضى أو يعالجون إصابات الصرع باستنفار الجن، ودأب المحاربون على تشكيل دُمى من شمع يستحضرون بها أعداءهم، ويذيبونها في النار كي يسيطروا عليهم، والعشاق يتقربون إلى عشتار بالألعاب السحرية والأحاجي والتماثيل لجلب وتملّك المحبوب. يحفظ لنا التاريخ الأنثروبولوجي زخماً هائلاً من الممارسات المشابهة، نعرف مثلاً أن العرب يهرقون الماء على الأرض لضمان نزول المطر، وعشاقهم يشق الواحد منهم ثوب حبيبته وتشق هي ثوبه كي يدوم حبهما ولا تحول دونه الحوائل، كقول سحيم عبد بني الحساس: "فكم قد شققنا من رداء مزنّر ومن برقع عن ناظر غير ناعس/ إذا شق برد شق بالبرد مثله دواليك حتى كلنا غير لابس". المشترك بين كل هذه الممارسات أنها تتوسل بالعزم السحري تحقيق هدف حيوي، تجسيداً للرغبة في أن تنصرف الأمور عن حقائق أوضاعها كي تلائم أوضاعاً نريدها نحن: "كُن ما أريد"، وسنستكشف في هذا الملف أننا لا زلنا نحمل في أنفسنا هذه الأمنية في استنفار كينونة الأشياء وإجبارها على الطاعة لتحويل العالم على ما نشتهي، وإلا لماذا تنتشر اليوم المتاجر الروحانية الرقمية التي تبيع الشموع والأعشاب وكتب التعاويذ، وانتقل العرافون وقارئو الفنجان والسحرة الجدد إلى قنوات يوتيوب وتيك توك؟

ملف عن السحر في 12 مادة... يستكشف أننا نحمل في أنفسنا رغبة في استنفار كينونة الأشياء وإجبارها على الطاعة لتحويل العالم على ما نشتهي

في محطة المترو في باريس تصدح أغنية آن سيلفستر "ساحرة على غرار الأخريات"، وتُوزع منشورات أطلقتها إيزابيل كامبوراكيس سنة 2015 ضمن سلسلة "ساحرات" التي تبتكر شكلاً من الممارسة الروحانية التقدمية المرتبطة بالمطالب النسوية، ترجم منها للعربية مشروع الألف كتيّب "الساحرات والقابلات والممرضات: تاريخ النساء المداويات"، وقد جعلت الحركة النسوية منذ أمد طويل من الساحرة رمزاً لنضالِ "غير المرضي عنهن"، وبات من المألوف أن نرى في نشرات الأخبار جبهة نسوية للساحرات، تطوف عضواتها وهن يحملن لافتة كتب عليها "ماكرون إلى القِدْر" في باريس، أو يهتفن "ارتجفوا، لقد عادت الساحرات" في إيطاليا، أو يرددن أغنية أمازيغية مقدسة كتعزيم لانهيار بورصة وول ستريت.

ولطالما ساد الاعتقاد أنّ المرأة أكثر ارتباطاً بالسحر من الرجل، وهو ما ذهبت إليه مجموعة من الأبحاث والدراسات الإثنولوجية حول بلدان المغرب كذلك، لأسباب تركّزت حول هشاشة مكانة المرأة وإقصائها الاجتماعي والثقافي. فكلما ازداد حصار الرجل لها لجأت إلى السحر كقوّة خفية لمواجهة هذا الإله البشري الذي يحاكم ويعاقب ويفرض الوصاية، ولاسترجاع ما ضاع منها في العلن بكيفية سرية؛ وهكذا فإنّ السحر، سواء للدفاع عن النفس أو الانتقام، يوفر لها سلطة رمزية تجابه بها السلطة الذكورية. من هنا لا يعود السحر مجرد اعتقاد في تحويل الأشياء أو التأثير فيها أو التغيير في طبائعها، بقدر ما هو حاجة اجتماعية وثقافية ونفسية، لتعويض نقص العالم.

كما يبدو السحر اليوم، وعلى نحو لا يخلو من مفارقة، في غاية البراغماتية، إذ يقدم حلولاً للاتحاد مع قوى الطبيعة، ومع الأرض الأمّ، بعدما شوهتها مفاهيم الغزو والحضارة العدوانية، وأدى نظام لفهم العالم (يقدم نفسه على أنه عقلاني) إلى تدمير الوسط الحيوي للإنسان، ما أجبرنا على إعادة النظر فيما اعتدنا تصنيفه ضمن خانتي العقلاني واللاعقلاني. كان لا بدّ أن تُنقص الكارثة البيئية من هيبة مجتمع التقنية، وهو ما لاحظناه مع انتشار وباء كوفيد 19، إذ لم يجد الناس حرجاً في اللجوء إلى ممارسات شبه سحرية، تسير جنباً إلى جنب مع الطب، لإعادة التوازن النفسي لعالم غيّر كائن مجهري الكثير من قناعاته العلمية، ودفع به القلق إلى "علوم بديلة" وصلوات وتمائم وأحجبة، هي أقرب لتلك التي كانت تُستخدم في الإمبراطوريات القديمة لدرء الطاعون وغيره من الأوبئة. 

لم يجد الناس حرجاً في اللجوء إلى ممارسات شبه سحرية لإعادة التوازن النفسي لعالم غيّر كائن مجهري الكثير من قناعاته العلمية، ودفع به القلق إلى "علوم بديلة" وصلوات وتمائم وأحجبة... ملف السحر 

يُعيد الملف السؤال عن سبب صمود هذه التمثلات التعبدية والسحرية القديمة رغم التطور الهائل في العلوم وفي أنماط التفكير والسلوك، خاصة في المجتمعات العربية، ويتّضح لنا أن العرب سعوا مبكراً إلى ضبط المصطلحات التي تحدد السحر كـ"عمل وصناعة للتأثير في الأرواح" وغيره من الفنون التي تعايشت معه في مكان واحد، مثل العيافة وهي زجر الطير للاستبشار أو التطير، والفراسة وهي الاستدلال بهيئة الإنسان على طبائعه وصافته، والقيافة وهي اقتفاء الأثر، والتنجيم وهو مطالعة أحوال النجوم ومواقعها للبشرى أو النذير. لكن التصور العربي الأوّل لم يفصل بدقة بين السحر والكهانة والشعر، لكونها جميعها تستند إلى قوى غير منظورة تعيش بين عالمين، عالم الإنس وعالم الجن؛ إذ يستند الكاهن إلى ما ينبئه به الرئيّ الذي يسترق أنباء مما كُتب للناس في ألواح الغد، والساحر إلى جني يتسمّع على السماء لالتقاط أسرار الله، وللشاعر شيطانٌ يسكن الوهاد والأودية... وقد تعددت في كتب الأدب القديمة أسماء هؤلاء الشياطين؛ ومنها تابع امرئ القيس "لافظ"، وتابع النابغة الذبياني "هادر"، وأشهرهم هاجس الأعشى وصاحبه "مسحل" الذي يقول عنه: "وما كنتُ ذا شعر ولكن حسبتني/ إذا مسحل يُبدي لي القول أنطقُ". لقد كان الشاعر كاهناً وساحراً وكان الساحر كاهناً وشاعراً في المعتقد الشعبي، وهو ما دفع بنبي الإسلام إلى مواجهة الكهنة والسحرة لردّ الشبهتين عن الكلمة الإلهية، ولئن نجح في حملته تلك، فإنّ السحر ارتدى في العصور اللاحقة للبعثة لباساً آخر اختلط بالآيات القرآنية والأدبيات الإسلامية، لا سيما الصوفية والباطنية منها، لتُتوّج بكتاب "شمس المعارف الكبرى" للعلامة البوني، المؤسس لنوع من "السّحر الإسلامي" الذي يهدف لمعرفة أسرار الأشياء وبواطنها انطلاقاً من أصل قرآني وديني، ويمزج  الآيات والأوفاق مع مستحضرات ذات طبيعة مادية، كالأبخرة والأعشاب، لتتحول إلى طلاسم ووصفات سحرية دقيقة.

ملف عن السحر في العالم العربي يُعيد السؤال عن سبب صمود التمثلات التعبدية والسحرية القديمة رغم التطور الهائل في العلوم وفي أنماط التفكير والسلوك

كما أن العوالم السحرية قد أزهرت في مجال الأدبيات الدينية، لا سيما في وصف عوالم السماء والملائكة، كما نجدها في عرائس المجالس عند الثعالبي أو في صحيفة روزبهان البقلي الشيرازي، والتي يقول الباحث هنري كوربان، إن عالِماً وساحراً غربياً غامضاً هو إيمانويل سويدنبرغ (توفي 1772م) تأثر بها في كتابه حول الفردوس والجحيم الذي ألهم فنانين وشعراء مثل وليم بليك وبلزاك وبورخيس.

إلى جانب مصنفات السحر الرسمي، يستدعي الملف الطقس السحري كما يُعاش ويُمارس من طرف العامة، ونجد تربته الخصبة في بلاد المغرب، حيث لا يزال "القدسي"، بتعبير مرسيا إلياد، يشتبك بقوة مع اليومي والعادي، فيخضع "المسحور" لسلطة الساحر الذي راكم إرثاً طويلاً من الكهانة البربرية والأندلسية المصبوغة بالشعوذة والأسرار الإسلامية لاستمالة الحبيب وجلب الرزق وعلاج الأمراض وتسليط الجان على الخصم والعدو.

بينما لا يزال المطبخ هو المعمل التجريبي لسحر المرأة، حيث تُعد وصفاتها البسيطة من أجل علاج طفل مريض أو كبح تسلط زوج. وسواء كان السحر دفاعياً أم عدوانياً، تُلازمه دائماً طقوس شفوية تعوّل على القول لإحداث الفعل أو لإكماله على الوجه المرجوّ. فلطالما حرك المرأة الأمازيغية معتقد راسخ في سلطة الكلمة وقدرتها على الإثارة والتحريض والتنفيذ. فالقول ليس دائماً غرضاً في ذاته، بل نداء سحري يصوغ مطلباً يَظهر ويكون وينبجس بفعل الكلمة، وسنرى أن بعض الرُقى والتعاويذ تأتي بصيغة الأمر وبعضها الآخر يتحكم في الزمن ويتحدث عن المستقبل بصيغة الماضي.

كان الشاعر كاهناً وساحراً وكان الساحر كاهناً وشاعراً في المعتقد الشعبي... ملف عن السحر في العالم العربي

وغالباً ما ترتبط الممارسات السحرية في بلاد المغرب بالزوايا واسعة النفوذ الروحي وطقوس الزيارة والتبرّك، فللأولياء القدرة على قضاء المصالح وشفاء الأمراض ودفع الأذى لما خصهم الله به من كرامات، ويُقال، في كل ليلة من الليالي الأربع لفترة الموسم السنوي الكبير الذي يلتئم حول ضريح سيدي عمر، عندما يسود الظلام وتستوطن الوحشة أرجاء منطقة تساوت، وبعد أن يفرغ المؤمنون من صلاة العشاء وتستسلم أجساد المرضى وأهلهم للراحة أو للنوم في الزاوية، تنبع وسط النهر عين ماء عجيبة، ماؤها ليس كالماء، فبياضه الشديد يجعله أشبه ما يكون بالحليب، يجري وسط النهر مثل شريط أبيض طويل، والباحث عن التميّز أو الشفاء أو القدرة السحرية، الأكثر حظاً، هو من يلمس أو يشرب الماء الأبيض لنهر تساوت المقدس.

وليس هذا التمهيد سوى خيط الحليب، خيط أريان الهادي في المتاهة السحرية المتشعبة التي خاض فيها كتاب وكاتبات هذا الملف، وتنوعت بين بحوث ونصوص أدبية وترجمات وتأملات تتحدى ما قد يجره سوء التأويل وخطر الاتهام، في محيط ثقافي وعقدي أصبح له من السحر، كنمط في التفكير، موقف مشكك.

الملف من إعداد وتحرير أحلام الطاهر

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard