هوامش الهزيمة... هل كان المنفى خيراً لعرابي؟

الأحد 5 يونيو 202205:33 م

هناك اختلاف بين المؤرخين السياسيين المصريين على النقطة التي بدأت عندها "الحركة الوطنية المصرية الحديثة" بعضهم يؤرخ لميلادها بثورة القاهرة الأولى ضد الفرنسيس "الاحتلال الفرنسي"، البعض الآخر يؤرخ لها بثورة الشعب المصري ضد خورشيد باشا، الوالي الذي اختاره الخليفة العثماني لحكم مصر بالنيابة عنه عقب انتهاء الاحتلال الفرنسي، واختيار الأعيان لمحمد علي ليكون والياً للسلطنة العثمانية على مصر، وأخيراً، يرى مؤرخون وساسة على رأسهم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أن وقفة ضباط الجيش المصري ممثلين في أحمد عرابي في وجه الحاكم (الخديو توفيق)، ثم مقاومة بعض من هؤلاء الضباط على رأس جيش من الفلاحين المدنيين المصريين والسودانيين، الذين حملوا السلاح في وجه الاحتلال الإنجليزي، هو الميلاد الحقيقي للحركة الوطنية المصرية الحديثة.

لم يكن من الغريب أن يكثر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من استدعاء عرابي في خطاباته، وفرض حضوره وإنصافه، حتى أنه أسماه "أبو الوطنية المصرية". شغل عرابي ذهن عبد الناصر وكتب عنه في يومياته أيام حصار الفالوجة، فقد كان مثله، ضابطاً طموحاً يؤرقه مستقبل حكم البلاد

لم يكن من الغريب أن يكثر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من استدعاء عرابي في خطاباته، وفرض حضوره وإنصافه، حتى أنه أسماه "أبو الوطنية المصرية"، فقد شغل عرابي ذهن عبد الناصر وكتب عنه في يومياته التي نشرت لاحقاً أيام حصار الفالوجة. فعرابي كان ضابطاً متمرداً طموحاً لديه نزوع للزعامة. ويبدو أن الاستدعاء والارتباط امتد إلى مصير الاثنين في الهزيمة المزلزلة مع اختلاف الظروف، وجاءت هزيمة 5 يونيو/ حزيران 1967، لتكون الأثقل والأفدح من بعد هزيمة عرابي على يد الاحتلال الإنجليزي، وعدم جاهزيته ولا جاهزية قواته لمثل تلك المواجهة التي تصدى لها اضطراراً ومن منطلق وطني، بينما استدعاها ناصر من دون إدراك لحجم القدرات العسكرية المصرية في وقتها.

إلى المنفى

لم يكن أمام الاحتلال الإنجليزي لمصر حين نجح في كسر مقاومة ونضال جيش أحمد عرابي (1841 - 1911)، إلا أن ينفي زعيم ذلك الجيش غير النظامي خارج البلاد، إلى جزيرة سيلان أو سرنديب (سريلانكا الحالية)، التي قضى بها عرابي وكبار قادته وأصدقائه 20 عاماً، كانت كما يقول رفيقه في المنفى محمود سامي البارودي:

عناء وشوق واشتياق وغربة ... ألا شد ما ألقاه في الدهر من غبن

14 يوماً على ظهر الباخرة

غادرت السفينة "ماريوتيس" ميناء السويس في كانون الأول/ديسمبر 1882، برفقة سبعة من زعماء الثورة العرابية، محكوم عليهم بالنفي في المستعمرة البريطانية سيلان.

استغرقت الرحلة 14 يوماً، حسبما يسجل عبد الرحمن الرافعي، في مؤلفه "الزعيم الثائر أحمد عرابي"، الذي يروي أنهم ركبوا الباخرة يوم 28 كانون الأول/ديسمبر، ووصلوا إلى ميناء سيلان مساء 9 كانون الثاني/يناير عام 1883.

انشغل الزعماء خلال هذه الأيام بتعلم اللغة الإنجليزية، وتجمع عدة آلاف من أنحاء سيلان على شاطئها في انتظار وصول الباخرة، آملين في رؤية "الزعيم المصري" أحمد عرابي، القائد الذي كاد أن يهزم بريطانيا التي تحتل جزيرتهم، ومنحهم حلم الاستقلال، فأطلقوا عليه لقب "البطل عرابي.

يبدو أن استدعاء عبد الناصر لعرابي وارتباطه به، امتد إلى مصير الاثنين في الهزيمة المزلزلة مع اختلاف الظروف، وجاءت هزيمة 5 يونيو/ حزيران 1967، لتكون الأثقل والأفدح من بعد هزيمة عرابي على يد الاحتلال الإنجليزي

بالطبع كانت الصحف السيلانية تترقب وصول "عرابي"، ومنها ما عرفت باسم "أوبزيرفر"، وعند وصول الباخرة صعد إليها أحد مراسليها، وقابل الزعيم المصري، وكان انطباعه عنه أنه "إنسان طيب، السماحة واضحة على وجهه، له ابتسامة فيها بساطة وكبرياء، ويبدو من كلامه وحركاته أن الإنسان من السهل أن يحبه"، واستفسر منه عن عدد الصحف التي تصدر بالعربية، وعدد المتحدثين بها، بحسب أيمن عثمان، في مؤلفه "موسوعة تراث مصري".

الصحيفة ذاتها وصفت نزول الزعماء على الشاطئ، وكان مما جاء فيها: "وفي الساعة الواحدة بعد الظهر نزل عرابي باشا من الباخرة، هو وأفراد أسرته وعددهم 6. هنا هتفت له الجماهير، هجموا عليه يقبلون قدميه ويديه، وكان الرجل عالي الرأس كأنه يستقبل مظاهرة في القاهرة والإسكندرية".

صورة فوتوغرافية نادرة لعرابي في سيلان - ويكيميديا 

الزعماء في مستشفى أمراض عقلية!

وبحسب أنيس منصور، في كتابه المعنون بـ" 200 يوم حول العالم"، فوجئ الزعماء عند نزولهم أن البيوت لا يوجد بها أثاث، ونشرت صحيفة الأوبزرفر مقالاً طويلاً تتساءل فيه إن كانت الحكومة البريطانية تعلم ذلك، أو أن الاتفاق تم مع حكومة الخديوي على هذا كله، ثم قالت: "إن الجزيرة ترحب بقدوم هؤلاء المتمردين، ولا مانع عندها من أن تخلي لهم جانباً من مستشفى الأمراض العقلية، أو تبني لهم بيتاً واحداً، عالي الجدران كالسجون، واسع النوافذ كالقصر".

بعد هذه الأزمة بوقت قصير منح الخديوي توفيق (1852 - 1892) لكل زعيم يومية قدرها "روبية"، ما يقدر بثمانية قروش، ورفض أي التماسات لزيادة المخصص لهم، واستقر "عرابي" في مدينة كولومبو، وأزعجه كثرة زواره من السائحين الأجانب حتى أصبح منزله مزارا سياحيا، فقدم شكوى لرئيس الشرطة لإبعاد المتطفلين عن حياته الخاصة.

بدأ أحمد عرابي في أنشطته الاجتماعية بكولمبو، فهو الذي دعا إلى تعلم اللغة الإنجليزية حتى يؤمنوا شر أهلها، في البداية عارضوه وقاطعوه، لكنه مع الوقت أقنعهم، وزاد تعلقهم به، وقلدوه في لبس الطربوش والسروال الأبيض.

صورة نادرة لعرابي في سيلان - ويكيكومونز

ميلاد "الزاهرة"

فتح "عرابي" باب التبرع، وجمع خمسة وعشرين ألف روبية، وحصل من السلطات البريطانية في الجزيرة على مبلغ مماثل لخدمة الأهالي، بعد أن قدم طلبا بذلك، وفي تموز/ يوليو 1892، وضع الزعيم المصري حجر أساس مدرسة "الزاهرة"، التي تعرف الآن باسم "الزاهرة كوليدج"، وانتخب رئيساً فخرياً لها.

جاء ذلك بعد أن رفضت الحكومة المصرية أن يعمل مساعدا لمستر "ت. ج. ليبتون"، مؤسس شركة إنتاج الشاي الشهيرة، الذي كانت تربطه صداقة بعرابي في سيلان، وفقا لأيمن عثمان".

قضى عرابي نحو 20 عاماً في المنفى، وعاد ليعيش عشراً أخرى في مصر، لا توجد أوراق تدلنا على مشاعره بعدما عاد إلى وطنه كما يتمنى، فاستقبله الناس بالكراهية واضطروه إلى العزلة، وكتب الزعيم مصطفى كامل والشاعر أحمد شوقي يهاجمانه في الصحف

وعندما سافر الكاتب أنيس منصور إلى سيلان في الستينيات، بحسب ما ذكر في مؤلفه "200 يوم حول العالم"، التقى بشخص يدعى "شري جورو"، متقاعد في الثالثة والسبعين من عمره، كان زميلا لأبناء عرابي في المدرسة، أكد جورو لمنصور، أن "عرابي باشا كان رجلاً طويلاً ممتلئاً. إنه نوع غريب من الناس لم يكن مألوفا بالنسبة لنا، فالناس يمشون إلى جواره وكأنهم أقزام، وكان يركب حصانه وينتقل بين الشوارع ويخرج إلى الجبل، ليزور بعض أصدقائه. أولاد عرابي كانوا زملائي في مدرسة سانت بول، كانوا ثلاثة أو أربعة، وكانت أشكالهم تلفت النظر، فقد كان لونهم أبيض وكانوا منعزلين عنا".

مسجد أقام عرابي حولة كلية "الزاهرة" لتعليم أبناء سيريلانكا - ولا تزال الجامعة قائمة

وبعد حديث جورو، يسلط أنيس منصور الضوء على ما قاله أحمد عرابي في أيامه الأولى بكولمبو، حين سألوه: هل ستلحق أبناءك بالمدرسة المسيحية التي يديرها قسيس؟

قال لهم: "هذا لا يؤثر في الموقف... أولادي حفظوا القرآن".

ثم سألوه: "هل عندك مانع في أن المرأة المسلمة يعالجها طبيب مسيحي".

أجابهم: "لا مانع".

وأعادوا السؤال: "هل تثق المرأة المسلمة في علاج الطبيب المسيحي؟"

قال: "إنها تعتمد على ضمير الطبيب نفسه".

وكعادة أنيس منصور، لا يذكر أية مصادر لما ينقله، لكن أيمن عثمان يصدق تلك الرواية ويعلق عليها بقوله: "حاوطوه بهذه الأسئلة بعد أن شوهته الدعاية البريطانية التي أوهمت البعض أنه مسلم متعصب، وثورته إنما قامت لتحارب العقيدة المسيحية. جعلوا من أنفسهم حماة للمسيحية، وبرروا احتلالهم للأمم أن هذا الفعل خدمة للعقيدة".

الزاهرة الآن - كما بناها عرابي


"لو كان المسلمون أقوياء لطردوا الإنجليز من مصر"

التقى أنيس منصور أيضا في رحلته بطاهية عرابي العجوز، مؤكداً أنها "رفضت أن تتحدث عنه، والكلمات القليلة التي سمعتها منها أن الناس هم الذين قتلوا عرابي، وأن القتلة هم هؤلاء المسلمون، فلو كانوا أقوياء لطردوا الإنجليز من مصر والجزيرة "، مضيفة: "والناس هنا كانوا يتزاحمون على عرابي، لكنه كان يتأوه آخر الليل دون أن يشكو لأحد".

وفي أيلول/سبتمبر عام 1901، أصدر الخديوي عباس حلمي الثاني (1874 - 1944)، قرار عفو عن أحمد عرابي، فأحس الأخير بالسعادة تمتلكه بعد أن حقق الله أمنيته بالعودة إلى بلده، ولم يلتفت إلى أن القرار لم يخصص أي مبالغ تغطي تكلفة عودته!.

ويؤكد عثمان في كتابه، أنه في هذه الأثناء وجد عرابي محبة الناس في سيلان تتحول إلى مظاهرة أحاطته واحتوته، واحترمت رغبته في الرجوع إلى وطنه، وبادروا وجمعوا من بعضهم "الروبيات" لتغطية نفقة العودة، وكأنه جزء من رد جميل عطفه عليهم بنصائحه ورعايته لهم وتعليمهم.

ولم يفت على الزعيم المصري أن يزور المدرسة التي أنشأها قبل السفر بأيام قليلة، ولآخر مرة، ووقف الطلبة ينشدون:

بحمدك يا بارئ العالمين

وأنت الرحيم وأنت المعين

بارك سرنديب في علمها

ومعهد آدابها الزاهرة

وأحسن لأبنائها الآخرة

ثم هتفوا بحياة المؤسس والمدير الشرفي للمدرسة، وتمنوا عودته سالماً إلى وطنه، عندها فقط لم يتمالك عرابي دموعه، ولأول مرة منذ وصوله إلى الجزيرة شاهدوه يبكي، لكنه في الحقيقة بكى مرات سراً من شدة التأثر، والحزن والأسى على وطنه.

ويروي أيمن عثمان أن "عرابي" غادر الجزيرة يوم 18 أيلول/سبتمبر 1901، ووصل إلى السويس أوائل تشرين الأول/ أكتوبر، وعاش 10 سنوات بمصر، إلى أن غادر الدنيا في 21 أيلول/سبتمبر 1911.

عودة إلى الغُبن

قضى عرابي نحو 20 عاماً في المنفى، وعاد ليعيش عشراً أخرى في مصر، لا توجد أوراق تدلنا على مشاعره بعدما عاد إلى وطنه كما يتمنى، فاستقبله الناس بالكراهية واضطروه إلى العزلة، إذ أن وصمه بالخيانة لم يسقط على الرغم من عفو الخديوي، وكان المصريون جاهزون كعادتهم، لعزل من يلفظه الحاكم ويصمه بالخيانة حتى وإن كانت خيانته ممثلة في الدفاع عن وطنهم ضد احتلال أو فساد. وصدقوا أن عرابي ما قام بثورته إلا بحثاً عن مجد شخصي أو لحبك مؤامرة ضد البلاد لصالح أعدائها.

عاش عرابي في مصر فقيراً مكروهاً معزولاً، بعد أن رفض محافظ السويس استقباله، واضطر من جديد إلى مكاتبة الخديو كي يمنحه فرصة للعيش في القاهرة، فمنحه استراحة صغيرة في شارع "خيرت" حالياً، ليقيم فيها مع أبنائه، فيما يهاجمه الشعراء والكتاب ورموز الحركة الوطنية الجديدة ومنهم مصطفى كامل وأمير الشعراء أحمد شوقي، متهمين إياه أنه صنيعة الإنجليز.

يقول الرافعي في كتابه "الزعيم الثائر أحمد عرابي"، أن عرابي "لم يلزم الصمت" كصديقه البارودي الذي اختار العزلة والصمت بعد الرجوع، لكن عرابي تكلم وكتب ويسجل الرافعي أنه كتب ما يظهر تراجعه عن رفض الاحتلال. وينسب الرافعي إلى الإنجليز أنفسهم السعي إلى عودة عرابي وأن الأخير ربما شعر أنه مدين لهم بعد أن أعادوه إلى وطنه فتكلم مؤيداً سياساتهم ليختتم نضاله بسبب جديد – ربما كان حقيقياً هذه المرة- للوصم والكراهية.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard