التأثير السلبي لمصطلح "البنت العايبة" الذي تعتمده المسلسلات السورية

الاثنين 6 يونيو 202212:54 م

لربما كان للمسلسل السوري الشهير "باب الحارة" الذي أخرجه بسّام الملا تأثير كبيراً على الأعمال الدرامية والاجتماعية المعاصرة، فقد انتشرت بعض أفكاره في المسلسلات الأخرى. ومن أكثر ما تم تداوله منذ دخول الحارات الشامية للمسلسلات هي عبارة: "البنت العايبة"، أي التي فعلت عيباً. وليس بالضرورة هنا أن تكون البنت قد "فقدت عذريتها"، بل يكفي أنها فعلت "فاحشة"، حسب المعايير الذكورية للمجتمع. ومنذ ذلك الحين، بدأت تتكرر هذه الصفة في الدراما السورية، وكانت واضحة جداً في موسم رمضان الماضي. 

"حارة القبة" و"الكندوش" 

لا يمكن تقييم الأعمال الاجتماعية المعاصرة بنفس الطريقة التي يُقَيَّم فيها عمل شامي مثل "حارة القبة" و"الكندوش"، اللذين عُرض الجزء الثاني من كليهما في هذا العام. ولكن يمكن القول إنّ هذه الأعمال باتت محصورة في نفس الدائرة تقريباً من ناحية ما يُسمى بـ "قضية الشرف"، مع إلصاق فكرة "البنت العايبة" في أحد الخطوط الدرامية. وبات الأمر يتكرر في كل عمل شامي تقريباً. 

في مسلسل "حارة القبة" - وهو مسلسل درامي اجتماعي سوري أنتجته شركة "عاج" عام 2021 - تدور الأحداث، منذ الجزء الأول، حول شخصية فَطمة، وهي بنت أبو العز. وكانت قد كُشِفَت علاقة الحب بينها وبين عمار ابن الجيران، حيث يلتقي الاثنان على سطحَي منزلَيهما دون أن يكون هناك أي علاقة جنسية بينهما، بل هو لقاء حب
"بريء فقط". لكن، بسبب فضح الأمر من قبل شخصية طبنجة، أحد أشرار الحارة، تنقلب الدنيا رأساً على عقب. وتتوالى المصائب تباعاً وتتعرض البنت للتعنيف الشديد من أمها لأنها التقت ابن الجيران. وذلك على اعتبار أنها أصبحت "عايبة" لمجرد قيامها بهذا الفعل. ويحاول الجميع "لفلفة" الموضوع عن طريق الزواج، فتُجبَر البنت على الزواج برجل آخر، وهو شقيق حبيبها. وتدخل الحكاية في موجة أخرى من الصراع. 

لا يمكن تقييم الأعمال الاجتماعية المعاصرة بنفس الطريقة التي يُقَيَّم فيها عمل شامي مثل "حارة القبة" و"الكندوش"، اللذين عُرض الجزء الثاني من كليهما في هذا العام. ولكن يمكن القول إنّ هذه الأعمال باتت محصورة في نفس الدائرة تقريباً من ناحية ما يُسمى بـ "قضية الشرف"

ولكن الفكرة الأساسية التي ارتكزت عليها الحكاية، هي "العيبة" التي قامت بها فطمة، والتي ولّدت هذه المصائب بشكل مبالَغ فيه، قد لا تحدث بهذه الطريقة في حقبة "أيام الاحتلال العثماني". ومن هنا، باتت فكرة العمل مكررة كثيراً، وهي أنّ النساء في سوريا كُنَّ محكومات بمجتمع ذكوري، ولا يستطعنَ حتى التنفس براحتهنّ. 

القصة لم تنتهِ هُنا، فقد برزت في الجزء الثاني قصة جديدة لعبتها الفنانة حلا رجب بشخصية غفران، التي جاءت من حماة إلى دمشق للتعرف على والدها بعد طول غياب، وبعد أن ترك دياره الأصلية سنين طويلة بسبب قتله زوجته زوراً وبهتاناً.  

وأيضاً، دارت قصة غفران حول موضوع "الشرف والعيب"، لنكتشف أنها قد تعرضت للاغتصاب في بيت الرجل الذي كانت تعمل عنده خادمة. وحين يُكشَف الأمر، يهددها والدها بالقتل والذبح ويحاول مع جدتها (صباح الجزائري) التي جاءت معها من حماة، أن يخفُيا القصة ويحلاها بطريقةٍ ما كي "يسترا" على البنت. ولكن معالجة الأمر جاءت بطريقة ألطف، وتعامل الوالد مع ابنته على أنها مظلومة وبريئة، وزوّجها لصديقه الذي عرف بالأمر ولم يكن لديه مشكلة. وبشكل عام، فإنّ العمل، بجزأيه، ركز على موضوع الشرف والمرأة والعيبة بخطين دراميين أساسيين. 

أما مسلسل "الكندوش" - مسلسل سوري أخرجه سمير حسين عام 2021 - فقد تناول حياة السوريين في فترة الاحتلال الفرنسي بطريقة اجتماعية ألطف، وأهدأ، وأكثر واقعية. فلم يصوّر المرأة تابعة أو جاهلة، بل أكد أنها تدرس وتعمل ولها كينونتها الخاصة. ولم نشاهد نساء يرتدين "الملايات" السوداء بشكل دائم كما هو الحال في أغلب أعمال البيئة الشامية. 

إلّا أن حادثة معينة خلخلت هذا الإيقاع الدرامي بقصة شخصية أمل التي تلعب دورها الفنانة كندة حنا والتي يكون والدها في المسلسل الفنان أيمن زيدان، وهو رجل غني ومقتدر و "بيك". 

تُلَفّق تهمة للابنة أمل من قِبل حماتها بأنها ترسل "مكاتيب" غرامية لابن خالتها، وهي متزوجة أصلاً. فما كان من الوالد إلا أن رضخ لشروط "حَماة ابنته" كي لا تتطلق في نفس اليوم وتثبت التهمة عليها بأنها كانت "تفعل العيبة" بدون علم أهل زوجها. فتخضع هي الأخرى وتبقى ساكتة عن حقها فقط من أجل عدم "تلويث سمعة شرفها". الأمر الذي جعل من فكرة العمل، التي تناصر المرأة الشامية وأهمية وجودها مع الرجل، تتشتت، خصوصاً أن الشخصية ليست جاهلة أو فقيرة أو ضعيفة، بل يمكنها التمرّد ببساطة. 

هذه ليست المرة الأولى التي تركز فيها الدراما الشامية على فكرة "العيبة" التي ترتكبها الفتاة، فقد حصل ذلك من قبل في أعمال مختلفة مثل المسلسلات: طوق البنات، أهل الراية، عطر الشام وغيرها. لكن الطريقة تختلف في كل مرة، بين "فقد العذرية" أو الاغتصاب

وعموماً، هذه ليست المرة الأولى التي تركز فيها الدراما الشامية على فكرة "العيبة" التي ترتكبها الفتاة، فقد حصل ذلك من قبل في أعمال مختلفة مثل المسلسلات: طوق البنات، أهل الراية، عطر الشام وغيرها. لكن الطريقة تختلف في كل مرة، بين "فقد العذرية" أو الاغتصاب أو مجرد حب بريء، كما المعالجة الدرامية لهذا الموضوع. 

في "مع وقف التنفيذ" و "كسر عضم" 

حقق المسلسلان السوريان "مع وقف التنفيذ" و "كسر عضم" متابعة كبيرة على شاشات عربية مهمة بعد غياب للأعمال الاجتماعية السورية المعاصرة عموماً، وعلى القنوات العربية خصوصاً. ومرت فيهما فكرة "العيبة" أيضاً، وركزا على موضوع "الشرف والعرض". 

طبعاً، لا يمكن نكران أن العملين واقعيان واستشفا قصتيهما من الواقع السوري، الذي ما زالت فيه فئات كبيرة تعتبر المرأة ضلعاً قاصراً ويمكن أن تقوم بـ "العيبة" على عكس الرجل الذي لا يعيبه شيء. 

الدراما مرآة مجتمع وهي تؤثر فيه بشكل كبير وواضح، وانتقاء العبارات والكلمات يجب أن يكون بالضرورة مدروساً بعناية كيلا ينتقل من الشاشة إلى الشارع، وكيلا يرسخ ألفاظ قد تكون دخيلة على المجتمع لتصبح اعتيادية أو ذات وقع طبيعي على الأذن

تبدأ الحكاية في الحلقة الأولى من مسلسل "مع وقف التنفيذ" بخط درامي أساسي يتحدث عن "العيبة" التي قامت بها عتاب الباري، وهي الشخصية التي لعبت دورها الممثلة السورية صفاء سلطان، التي تقع ضحية استغلال جنسي لمشعوذ في الحارة لجأت إليه لكتابة "حجابات". وحين يُقبَض على المشعوذ الدجال يُفضَح أمر عتاب، فيلجأ إخوتها الثلاثة فوراً لفكرة القتل. لم يكن بينهم رجل رشيد يحاول حل الموضوع بطريقة أخرى أكثر سلمية. ثمّ نجد أنّ الأم، التي لعبت دورها الممثلة صباح الجزائري تطرد أولادها الثلاثة من المنزل وتقول لهم بأنها ستذبحها بيديها، فيخرجون جميعهم وتقوم الأم بطرد عتاب من المنزل، وتُوهم إخوتها أنها قتلتها، لتنكشف الحقيقة وهي على فراش الموت. ويعرفون فيما بعد أن أختهم ليست مقتولة، فيسامحونها في النهاية رغم أنها عملت مغنية في أحد الملاهي، وتزوجت من رجل جعل منها فنانة في الحانات. 

القصة أخذت أبعاداً درامية منطقية نوعاً ما ومتوازنة، خصوصاً أن الكاتبين علي وجيه ويامن الحجلي قدّما خطاً درامياً آخر يتحدث عن حليم، الرجل الشيوعي الذي يؤمن بالتحرر. يكتشف حليم، صدفةً، أنّ ابنته "ليست عذراء" فيمنعها من السفر ويطلب من رجال الشرطة الكشف عن "عذريتها" لينتهكوا جسدها. وتكون الحكاية هنا متوازية بين العائلة المتعصبة والمنفتحة في الآن ذاته، والتي تصب في نفس التفكير. 

حين يُصنَع أي عمل درامي، على القائمين عليه أن يعرفوا أنهم متوجهون لمجتمع كامل وشرائح مختلفة من الناس تؤثر وتتأثر.

ورغم تغير البيئات، دارت الفكرة بالأساس أيضاً ضمن إطار "الشرف"، مع استخدام كلمة "عايبة وعيبة" عدة مرات في الحكاية، وكأننا في مسلسل شامي يكرّس هذا التفكير والعبارات. 

ثم يأتي مسلسل "كسر عضم" ليتناول نفس الجمل أيضاً، عبر شخصية يارا التي لعبتها الفنانة السورية ولاء عزام، وخصوصاً أنّ يارا هي ابنة لامرأة قُتلت على يد عشيقها. الأمر الذي اعتبره أهلها وأولاد حارتها معيباً فنبذوها واعتبروها "عايبة بنت عايبة". كما منعوها من العيش في منزل والدتها الراحلة لأنها "ستُنجّس" سمعة الحارة بشرف والدتها الملوث. حتى أنّ والدها لم يقف بجانبها، بل هددها بالذبح لأنها ابنة "العايبة" لتفرّ يارا من حارتها نحو مكان آخر أيضاً كيلا تُقتَل "تطهيراً للشرف". 

أيضاً، في خط درامي آخر، برزت شخصية ردينة التي لعبتها الممثلة الشابة إليانا سعد، والتي تجد في انتحارها حلاً للتخلص من كلمة "عايبة" التي لاحقتها بسبب قيامها بعلاقة جنسية مع شاب ابتزها بمجموعة صور وفيديوهات لعلاقتهما. فكانت النتيجة عدم تعرف الأهل عليها وتمنيهم موتها خصوصاً أن الوالد وجد في إعدامها بعد ارتكابها جريمة قتل الشاب المبتز حلاً موازياً لما كان سيقوم به وهو "القتل". 

تكريس عبارات

لا بد أن بعض تلك الحكايات الدرامية مستوحى من الواقع، إلا أن التركيز على طرح هذه القضايا ظهر بشكل واضح هذا العام في الدراما السورية، مع تكرار وتكريس كلمة "عايبة" على الألسُن والشاشات. علماً أنه، في الواقع المَحكي السوري، لا يستخدم السوريون هذا اللفظ إلا فيما ندر. ولكنه درج في الأعمال الشامية لينتقل كما يبدو إلى الاجتماعية مُظهِراً تأثير أعمال الحارة و"الشروال الفانتازية" بالأصل على الدراما السورية التي تحاكي الواقع. وهذا سيؤثر سلباً على الجمهور في حال استمرار طرح هذه العبارات التي تنمّط تهميش المرأة وتجعل حياتها قائمة على غشاء بكارتها دون تقديم حلول منطقية أو مناسبة، كما كان الحال في المسلسلات السورية.  

لا بد أن بعض تلك الحكايات الدرامية مستوحى من الواقع، إلا أن التركيز على طرح هذه القضايا ظهر بشكل واضح هذا العام في الدراما السورية، مع تكرار وتكريس كلمة "عايبة" على الألسُن والشاشات. علماً أنه، في الواقع المَحكي السوري، لا يستخدم السوريون هذا اللفظ إلا فيما ندر

الدراما مرآة مجتمع وهي تؤثر فيه بشكل كبير وواضح، وانتقاء العبارات والكلمات يجب أن يكون بالضرورة مدروساً بعناية كيلا ينتقل من الشاشة إلى الشارع، وكيلا يرسخ ألفاظ قد تكون دخيلة على المجتمع لتصبح اعتيادية أو ذات وقع طبيعي على الأذن. إلا أن هذا لا يعني أن يتم كتابة نصوص مثالية في عباراتها وألفاظها، لكن يجب مراعاة القضايا الحساسة التي قد تخلق فجوة جديدة بين المجتمع. كما يجب مساعدة المرأة العربية وإنقاذها من عبارات وألفاظ وصفات تُلصَق بها حتى اليوم. 

حين يُصنَع أي عمل درامي، على القائمين عليه أن يعرفوا أنهم متوجهون لمجتمع كامل وشرائح مختلفة من الناس تؤثر وتتأثر. لذا، فإن مصطلحات مثل "رح أشختك ع البلوعة" التي سمعناها مراراً وتكراراً في الأعمال الشامية - لدرجة دخولها أيضاً الأعمال الاجتماعية ومن ثم الشارع الذي بات يستعملها أحياناً من باب المُزاح وأحياناً من باب الجَد - أصبحت مكرسة ضمن مفرداتنا المَحكية. وهذا ما يحدث الآن في التركيز على الكلمات: "العايبة والعيبة". 

بعيداً عن تلك المصطلحات، باتت أيضاً بعض الأفكار تتحول إلى مبادئ وقيم معاصرة مثل: "غسل العار وتطهير الشرف" التي تُرَدَّد على ألسنة أبطال الحكاية، التي يجمع الكاتب فيها صفات الكرم والسخاء والجمال مقابل قيامها أيضاً بأفعال غير قانونية أو أخلاقية. فتظهر هذه الشخصيات وكأنها "سوبر مان" لدى المشاهد. ما يؤدي إلى تعلقه بها وبسلبياتها وإيجابياتها. وقد يعتبر أن فعلها غير الأخلاقي هو حدث بسيط من ضمن أحداث مسلسل، ومن الممكن أن يقوم بها هو نفسه في الواقع

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard