جسر الزرقاء، القرية الفلسطينية الوحيدة الصامدة على الساحل... كيف تحاول إسرائيل ابتلاع البحر؟

الاثنين 6 يونيو 202201:43 م

على مدار سنوات طويلة، تبنى الاحتلال الإسرائيلي سياسات ممنهجة لضمان سوء المعيشة في المدن والقرى العربية في الداخل الفلسطيني. هذه السياسات، نستطيع رؤية تجلياتها في الحياة اليومية للفلسطينيين في الداخل من خلال قضايا كثيرة ومختلفة، مثل الفقر والاكتظاظ السكاني وهدم البيوت وانتشار الجريمة المنظمة، والقائمة تطول، ومن خلال إجراء مقارنات بسيطة بين أي قرية أو مدينة عربية في الداخل الفلسطيني مع البلدة اليهودية المجاورة لها، نستطيع ملاحظة كل هذه الفروق الهائلة.

جسر الزرقاء

تُواجه قرية جسر الزرقاء الحصار الإسرائيلي من جميع الجهات على نحو متواصل ومتصاعد، من خلال توسيع الشوارع ومشاريع بناء مدن يهودية، كما تواجه سياسات الهدم بحجة البناء دون ترخيص، ومشاريع بناء وتطوير للشارع السريع المجاور للقرية (شارع الشاطئ 2)، إضافة للمشاريع التوسعية والمضايقات التي يتعرض لها الأهالي من المحيط الإسرائيلي للقرية، خاصة من جهة مدينة قيساريا، أو كما يُطلَق عليها في الجسر "مدينة الأثرياء".

تقع قرية جسر الزرقاء في قضاء حيفا، ويمكن القول إنها القرية العربية الوحيدة الصامدة على ساحل فلسطين تاريخياً، فهي الوحيدة التي تبعد 300 متر عن الشاطئ (خط المياه)، حيث يصل تعداد السكان فيها إلى حوالي 15,000 نسمة، موزعين على مساحة 1566 دونماً، منها حوالي 700 دونم للسكن فقط. ومن هنا يبدأ جحيم الاكتظاظ السكاني في القرية.

قسم كبير من أهالي القرية لا يزال يعتاش من مهنة الصيد، كإحدى المهن الأساسية لجني لقمة العيش، وذلك في ظل قلة فرص العمل والموارد والحصار الاقتصادي المفروض على القرية والمحاولات الإسرائيلية المستمرة لعزلها، والتي بدورها أثرت على تطور القرية في كافّة المستويات، ومنها المستوى التعليمي، وهو ما تسبب بعزل المجتمع تعليمياً وانعدام الفرص أمام الناس، حيث أن قلة قليلة فقط من السكان يتمكنون من القراءة والكتابة.

بدأ ربط القرية بالمياه والكهرباء في سنوات الستينات والسبعينات، وفي هذه الفترة، شُيدت أول مدرسة، حيث اقتصر التعليم بها حتى الصف الثامن، أمّا من لديه القدرة على استكمال دراسته، فقد كان يضطر للدراسة في مدارس ثانوية خارج القرية، في منطقة المثلث أو حيفا على سبيل المثال، وذلك في ظل غياب أي دعم كان، مادي أو معنوي. وفي سنة 1990، تأسست المدرسة الثانوية الأولى في القرية، بعد أن أدى هذا التأخير والإهمال لكل هذا الوقت، إلى ضياع أجيال لم تسمح لها سياسات إسرائيل وممارساتها العنصرية بإكمال تعليمها.

لم يختلف الأمر كثيراً، فالوضع على حاله حتى يومنا هذا، وذلك لأن نسبة كبيرة من الجيل الثاني والثالث، لم تحظَ بفرصة التعليم، ولا تزال نسبة التعليم في القرية متدنية جداً، فنسبة الحاصلين على التعليم الثانوي (البجروت) لا تتعدى الـ30%، بالإضافة إلى أن القرية لم تشهد منذ سنوات عديدة أي حراكات فنية أو ثقافية أو تربوية. ومن الأمور اللافتة، أن نسبة الأكاديميات النساء في القرية تفوق نسبة الرجال بشكل ملحوظ، إذ تراوح نسبة الأكاديميين بين 4% و 5%، تتوزع على مهن مثل التربية والتعليم والتمريض والطب والصحافة والمحاماة والهندسة.

يُعتبر عام 2008 عاماً فارقاً في جسر الزرقاء، إذ شهدت نشاطات عديدة من قبل اللجنة الشعبية، بالإضافة إلى الحراكات التي نشطت لتحسين الأوضاع السكنية والبيئية، وإقامة فعاليات منهجية ولامنهجية في القرية، كافتتاح مدرسة "حسكة"، وهي أول مدرسة للرياضات المائية والبحرية في المجتمع العربي.

وفي مقابلة مع مدير المركز الجماهيري والناشط الاجتماعي في جسر الزرقاء، محمد حمدان عماش قال لرصيف22، إن "أراضي قرية جسر الزرقاء كانت أوسع وأكبر، القرية امتدت من جبل الكرمل للطنطورة امتداداً لقيساريا. كانت مساحة القرية تاريخياً أكثر من 12 ألف دونم".

وتابع عماش: "على مدار ثلاثين عاماً، خسرنا العديد من الأراضي، تم تهجير القرية قبل عام 1948، وهُجرنا من أراضينا لأراضينا، عن طريق سلبها، مثل قرى ومدن أخرى مثل قيساريا، والتي هُجر أهلها أيضاً لمدن وقرى أخرى".

وأضاف أنّ "المشروع الإسكاني المسمى بـ"غرب الجسر"، تم تأسيسه حسب معايير السوق الحرة، ومن الناحية الاقتصادية أو المادية، فلا يمكن لأي فرد من القرية أن يكون جزءاً من هذا السوق، وعلى صعيد آخر، فإن معظم من سيشتري ويستثمر في هذه الشقق، هم من اليهود"...

مع الأسف، تُركت قريتنا وحيدة على شاطئ فلسطين، فهي محاطة بالكثير من المستعمرات اليهودية. قبل عدة سنوات، كان بإمكاني السير على الأقدام والوصول إلى المقبرة الإسلامية المتواجدة في بلدة زخرون يعكوڤ، لكن اليوم، ومع بناء المحمية الطبيعية، فقدنا إحدى أهم حلقات الوصل مع محيطنا

ووصف عماش الوضع القائم اليوم بالقرية قائلًا "أذكر جدي رحمه الله، كان صياداً، أما اليوم، فالكثير باتوا يعزفون عن هذه المهنة، لما يواجهون من متاعب وصعوبات وتحديات لا تنتهي، عدا عن نقص الأسماك في البحر. خوفي الحقيقي هو من المستقبل، بالطبع، اليوم، وإلى حدّ ما، البحر مفتوح أمامنا، لكن بعد عشرين عاماً، من الممكن أن نضطر أنا وأولادي للعبور في بوابات أمنية والخضوع للتفتيش لمشاهدته".

بين ثلاثة جدران وشباك

جغرافيا جسر الزرقاء محاصرة من جهاتها الأربع، من الشمال المحمية الطبيعية الإسرائيلية وكيبوتس معجان ميخائيل، إحدى أقوى وأغنى البلدات في إسرائيل، ومن الشرق الشارع السريع (حيفا - تل أبيب) الملاصق لبيوت الأهالي، والذي يفتقر لكافة معايير الأمن والأمان، إذ شهد هذا الشارع خلال سنين مضت حوادث دهس معظمها لأشخاص من سكان القرية، ومن الجنوب، يُحاصرها الجدار الذي يفصل بينها وبين مدينة الأثرياء "قيساريا"، والذي أقيم في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2002، ويصل ارتفاعه إلى نحو 10 أمتار، ويمتد على طول 1500 متر، ويمكن القول إن هذا الجدار هو جدار الفصل العنصري الأول، إذ سبق الجدار المقام بين الفلسطينيين في الداخل والضفة الغربية. أما من الغرب، فهناك البحر الأزرق، وهو المتنفس الوحيد لأهالي الجسر، أو كما قال لي أحد الشباب من القرية "البحر هو بصيص الأمل بالنسبة لنا".

على الرغم من هذا المستقبل المجهول والقاتم، تواجه القرية أربعة مخططات إسرائيلية تهدف إلى تحويل هذه الجغرافيا إلى مكان غير صالح للسكن.

المخطط الأول: غرب الجسر

يعرف هذا المخطط باسم "سعر للساكن"، وهو مخطط إسكاني سياحي تجاري يهدف للاستيلاء على نحو 300 دونم على بعد أمتار من الشاطئ، كانت إسرائيل قد استولت عليها عام 1948 ومنذ ذلك الوقت، منعت الأهالي من البناء عليها، وعام 2015، فرضت إسرائيل مخطط غرب الجسر، الذي يشمل مشروعاً إسكانياً لبناء 530 وحدة سكنية للأزواج الشابة مطلة على البحر، ولكن في ظل الشروط التعجيزية للسكن هناك، أصبح حلم الأزواج الشابة بعيد المنال، فضلاً عن أن هذه الشروط لا تلائم الواقع المعاش إطلاقاً، في ظل ارتفاع أسعار الشقق في المنطقة والوضع الاقتصادي الصعب. وعليه، أصبح هؤلاء الشباب الذين هم بحاجة فعلية للسكن، غير قادرين على الحصول عليه.

المخطط الثاني: المخطط الهيكلي الشامل

يهدف هذا المخطط إلى توسيع رقعة الحصار، وهو مخطط حكومي عرف باسم "المخطط الهيكلي الشامل"، حيث تقوم الحكومة باستغلال ومصادرة أراض من القرية، لضمها للمشاريع الاستعمارية التي تقوم الدولة عليها، والتي بدورها، تزيد من محاصرة القرية، كأن تقوم الحكومة بتوسيع مساحات الشوارع قرب القرية لمنح البلدات اليهودية سهولة التنقل والحركة على حساب الأهالي، في حين أن القرية تحتاج لنحو 2000 دونم للتطور والتوسع خلال السنوات المقبلة، علماً أن المخطط لا يلبي احتياجات أهل القرية بتاتاً، وإنما يوسع رقعة الحصار ببضعة دونمات لن تحل الأزمة السكنية المتفاقمة.

المخطط الثالث: أراضي "الموارس"

هو مخطط فرضته إسرائيل في العامين الأخيرين على الأهالي، وذلك ضمن سياساتها الجديدة لمصادرة الأراضي المملوكة للفلسطينيين في البلدات العربية. وحسب المخطط، تصادر إسرائيل نحو 60% من مساحة الأرض الزراعية المملوكة للأهالي، والتي تصل لنحو 130 دونماً، وذلك بحجة "الصالح العام" ولصالح مشاريع توسعة المحمية الطبيعية وحماية مقطع "وادي التماسيح" الملاصق للأراضي والمواقع الأثرية القريبة. وعقب المخطط، بدأ أصحاب الأراضي معركتهم الطويلة لتعديل المخطط، وخفض نسبة المصادرة الكبيرة، ومعارضة ما يمليه المخطط من شروط بناء وتقسيمات وأشكال العمران. وما زالت المعركة مستمرة حتّى الآن.

المخطط الرابع: محو هويّة الشاطئ العربية

بدأ تنفيذ هذا المخطط عام 2015، ويهدف إلى تحويل شاطئ جسر الزرقاء لمحمية طبيعية إسرائيلية تمتد بدورها على خط الساحل، فإن جوهر المشروع الأساسي، هو ليس تهويد الشاطئ، إنما محاولة محو هوية الشاطئ العربية الفلسطينية، وذلك بنية هدم قرية الصيادين كلياً، والتي تشمل حوالي 36 كوخاً للصيادين قائمة منذ عقود.

بدأ هذا المشروع، الذي هو لب التقرير، بأكل المساحة الجغرافية للقرية، كما أنه يهدد مكانة الصيادين التاريخية، ويصادر حقوقهم ويمنح سلطة الطبيعة والحدائق صلاحيات سيادية تدير بها الموقع وتحدد قوانين وشكل التطوير، وتضيق على أعمال الصيادين، وتُعتَبر هذه المهنة، لدى عدد كبير من أبناء القرية موروثاً عائلياً ينتقل من جيل إلى جيل، كما أنّها تشكّل المصدر الرئيسي لجني لقمة العيش. يعيش أهالي قرية الصيادين اليوم بحالة من القلق على مصيرهم، في ظل تنفيذ هذا المخطط الذي صادقت عليه سلطات التخطيط الإسرائيلية أخيراً، ويحاول الصيادون بشتى الوسائل الممكنة، الحفاظ على الوضع القائم، فمهنة الصيد كما ذكرت، هي مهنة ذات مكانة تاريخية، يمارسها أهل القرية منذ نعومة أظافرهم، كما أنها تشكل صورة كبيرة لأهل القرية من خلال تعريفهم لأنفسهم، إذ إن قصة الصياد في الجسر، ليست مجرد قصة كفاح شخصي، وإنما قصة كفاح جماعية تمتد سنوات طويلة.

بحسب الإجراءات الأمنية الإسرائيلية، لا يُسمح للصياد الفلسطيني الصيد لأكثر من أربعة أميال داخل البحر. إلى جانب ذلك، وبسبب وضعه الاقتصادي، لا يستطيع اقتناء سفن كبيرة، وإنما يملك قوارب تقليدية وأدوات بسيطة تمنحه إمكانيات محدودة في الصيد، كما أن القوارب المرخصة لصيادي القرية، هي قوارب لا تملك القدرة على الإبحار لمسافات كبيرة.

ما زالت محاولات إسرائيل المستمرة لابتلاع ونهش ما تبقى لأهالي قرية الصيادين. هذه المحاولات، كانت أولاها مصادرة الممتلكات وتخريبها وهدمها، إذ قامت سلطة الطبيعة والحدائق، وبذريعة "مخطط التطوير"، بهدم وقلع جميع الأكواخ الموجودة على الشاطئ بحجة عدم ترخيصها، ولاحقاً، وبعد اعتراض الصيادين، والنضال العنيد الذي خاضوه في مواجهة السلطة ضد محاولات اقتناعهم، إلى اتفاق يقضي بإبقاء الأكواخ لكونها "مميزة وأثرية"، ولكن مع حرمان أصحابها من ملكيتها، ومنحهم حق استخدامها فقط وفق القوانين الإسرائيلية لفترات زمنية محددة يتم تجديدها مع انتهائها.

كانت المحاولة الثانية تهدف إلى السيطرة على الشاطئ وكل ما هو بالقرب منه، فقد حاولت السلطات إدخال مستثمرين إسرائيليين للقرية، محاولةً إقناع الصيادين بإقامة شراكات مع هؤلاء المستثمرين في مشاريع، شريطة تخليهم عن أكواخهم للمستثمرين بعد خمس سنوات

إلا أن الصيادين رفضوا هذه المحاولة. إضافة إلى ذلك، قامت السلطات بإجراء "ترميمات للميناء" وبناء كاسر أمواج، وذلك دون إبلاغهم، مما أدى إلى حدوث أضرار كبيرة على الصيادين ومصدر رزقهم، إذ تقلصت المساحة، فضلاً عن القيود الموضوعة، والتي تمنع الصيادين من ربط أكواخهم بالكهرباء وشبكة الصرف الصحي.

محاولة أخرى قامت بها السلطات الإسرائيلية للاستيلاء على الأكواخ من خلال الاستهداف الفردي، بالإضافة للمخطط الكامل الذي يستولي على الشاطئ كله، وذلك عبر إصدار أوامر هدم لكل كوخ بني بعد عام 2015.

قبل ثلاث سنوات، مع نهاية عام 2019، قام ابن قرية جسر الزرقاء، وسكرتير لجنة الصيادين، سامي العلي، بترميم كوخ العائلة المقام على شاطئ القرية قبل أكثر من 60 عاماً، يقول إنه، مع انتهائه من الترميم، صُدِم بتلقي أمر هدم إداري من قبل سلطة الطبيعة والحدائق، وكان مسوغ قرار الهدم هو أن الكوخ لم يكن قائماً حتى عام 2015. قدّم أصحاب الكوخ اعتراضهم على أمر الهدم، وخاضوا نضالاً قضائياً وشعبياً لحل المسألة وإلغاء القرار. وبعد محاولات عديدة، رفضت سلطة الطبيعة أي حل، وأصرت على تنفيذ أمر الهدم الذي تلقته عائلة جربان، إذ كان من الواضح حينها، أن هدفها الأساسي قمع النضال الذي يخوضه الصيادون لحماية مكانتهم والحفاظ عليها، والضغط على الأهالي بشتى الوسائل للانصياع للمخطط الاقتلاعي.

حتى يومنا هذا، ما زالت قرية الصيادين وأكواخها مهددة بالهدم المستمر من قبل حكومات إسرائيلية عنصرية مستمرة، لكن مع هذا كله، لا يزال أهل القرية صامدين أمام الانتهاكات في نضالهم على أرض الواقع من خلال تعزيز مكانة القرية والحفاظ على هذا الموروث وترميم الأكواخ بين فترة وأخرى. فبعد أسبوعين من هدم كوخ عائلة جربان، قام سامي ووالده ببناء وتأسيس الكوخ مرة أخرى، فكما يقول الصيادون في القرية "هذه الأكواخ ليست مجرد بناء فاقد للمعنى، بل امتداد لهويتنا ونضالنا وتاريخنا وثقافتنا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard