"بتعملي علاقة بتصيري مذيعة"... هل يكفي فضح المتحرّش صاحب النفوذ؟

الجمعة 3 يونيو 202202:54 م

كنت لا أزال طالبةً جامعيةً أبحث عن عمل يُدخلني إلى عالم الصحافة الذي أحببته منذ صغري، عندما قرأت إعلاناً في أحد مواقع التواصل الاجتماعي، عن موقع إلكتروني سياسي يبحث عن محرّرة مبتدئة. لم أكن لأُضيّع هذه الفرصة من يدي بالطبع.

في يوم التقديم، جمعت ما أنجزته خلال سنوات من شهادات ومهارات في "سيرتي الذاتية"، وذهبت إلى المكتب البعيد نسبياً عن بيروت. وصل دوري لمقابلة مدير التحرير الذي أعرب فوراً عن انزعاجه من وجهي "الكشوش"، وثيابي "المقفولة زيادة عن اللزوم". أحسست منذ البداية بأن المقابلة لن تكون مهنيةً أبداً.

بدأت بالحديث عن سنواتي الدراسية، فقاطعني قائلاً: "ما بهمني شو درستِ، بهمني تحكي عن حالك، إنت سلسة يعني بتاخدي وبتعطي؟". حقاً لم أفهم معنى السؤال في البداية، قبل أن ينتقل بسرعة إلى الصراحة المطلقة: "بتعملي علاقة مقابل إنه تصيري مذيعة أو بدك تضلي بمطرحك؟"، ثم جلس بجانبي بعد أن كان في الجهة الأخرى. هنا، أحسست بأن الخطر يقترب أكثر، وبحركة فجائية وقفت ورحت أهرول خارج المكتب. لحق بي مهدّداً: "ما تجربي تحكي لأن ما بتعرفي أنا مين".

لا أذكر أنني تجرأت يوماً على سرد الحادثة، فالضحية في مجتمعنا تقع دوماً في دوامة التبرير التي تجعلها أمام امتحانات كثيرة، ما جعلني أنسى بعض التفاصيل، لكنني استرجعتها قبل أيام، بعد قراءة قصة الصحافية اللبنانية التي فضحت ما تعرّضت له من صحافي آخر، عندما كانت تبحث عن عمل وذَهبت للقائه أملاً بفتح باب مهني أمامها. خلال دقائق، كرّت مسبحة الناجيات من المتحرش نفسه، وتقريباً بالطريقة نفسها؛ هل تبحثين عن عمل؟ إذاً، لقد وقعتِ في الفخ.

يمكن أن نعدّ المتحرش صاحب السلطة من أخطر الأنواع تأثيراً على ضحيته، وأكثرها قدرةً على الإيقاع بها، نظراً لمعرفته بحاجاتها ونقاط ضعفه

"يستقبلني بعبارات بذيئة"

في اليوم التالي، ذهبت للقاء صديقتي، وتطرّقنا إلى "موضوع الساعة" طبعاً. عندها، سردت لي ما تعرّضت له من مضايقات يومية من مديرها السابق قبل أن تترك العمل. بدت عليها مظاهر الاشمئزاز وهي تصف استقباله الصباحي لها بنظرته التي تخترق تفاصيل جسدها.

تقول: "كان يصرّ على أنني من معجباته. فكيف لفتاة في العشرين من عمرها ألّا يثير إعجابها ويحرّك مشاعرها الفتية، شخص ناجح مثله؟". تضيف صديقتي: "لطالما علّق على ثيابي وطريقة أكلي وجلوسي مستخدماً عبارات بذيئة مبطّنة أحياناً وواضحة أحياناً أخرى. أشعر بالغثيان كلّما رأيته على الشاشة أو المنابر. هل يقتنع الناس فعلاً بما يقول هذا الرجل الغبي بمجرد أنه صاحب نفوذ في مهنته؟".

صاحب النفوذ

"المتحرش لا ينحصر في فئة دون أخرى"، يقول الدكتور بسام سكرية، أخصائي علم النفس التربوي لرصيف22، ويضيف: "عوامل عدة تؤثّر في هذا السلوك، كالتربية والطفولة والظروف المحيطة ومنظومة الأخلاقيات وغيرها، إلا أننا يمكن أن نعدّ المتحرش صاحب السلطة من أخطر الأنواع تأثيراً على ضحيته، وأكثرها قدرةً على الإيقاع بها، نظراً لمعرفته بحاجاتها ونقاط ضعفها، كالحاجة الملحة إلى العمل مثلاً. كما أن الذكاء الاجتماعي الذي ساعده على الوصول إلى المكانة التي يعتليها، يعطيه قدرةً أكبر على التأثير على الآخرين من غيره من المتحرشين".

"إلى جانب دراسة الضحية، يعتقد الشخص صاحب النفوذ أن بإمكانه الحصول على ما يريد، فهو يقدّم خدمةً، ويريد الحصول على مقابل لها"، يعلّق سكرية.

"ما بهمني شو درستِ، بهمني تحكي عن حالك، إنت سلسة يعني بتاخدي وبتعطي؟". حقاً لم أفهم معنى السؤال في البداية، قبل أن ينتقل بسرعة إلى الصراحة المطلقة: "بتعملي علاقة مقابل إنه تصيري مذيعة أو بدك تضلي بمطرحك؟"

تروي الصحافية رنا (اسم مستعار)، عن تجربتها في أحد أكبر المواقع الإلكترونية المعروفة عندما قرأت أن هذا الموقع يبحث عن صحافية. ذهبت رنا إلى المقابلة بلا أيّ تردّد. تقول لرصيف22: "بدا اللقاء عادياً جداً في البداية، إلى أن طلب مني أن أعمل معه كسكرتيرة خاصة، وقال لي: اللي كانت عندي زوجها بغار عليها كتير".

حين سمعت رنا هذا الكلام، بدأت الشكوك تراودها، وزاد من شكوكها المعاش المغري الذي عرضه عليها لقاء البقاء بجانبه، حتى لو تطلب الأمر السفر معه إلى خارج البلاد، والبقاء معه حتى ساعات متأخرة كما سرد لها. تقول: "ما هي إلا لحظات حتى جلس بجانبي، وعندما وقفت لأهمّ بالذهاب فاستوقفني قائلاً: هيدا الشغل بدّو جرأة ما بيمشي حالك هيك".

تُضيف: "أمسك بيدي وشدّني بقوّة. مشيت نحو الباب وفتحته، لأخرج من المؤسسة، وكأن طاقة القدر فُتحت لي، وكأنني خرجت من ساحة معركة طويلة ومنهكة"، تشرح. "لطالما رغبت في فضحه علّه يخسر بعضاً مما بناه، فيتوقّف عن إيذاء أخريات"، تقول رنا ودموعها تجري كلّما ذكرت تفاصيل ذاك "اليوم المشؤوم".

فعالية التشهير

بدأ التشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة معتمدة من قبل الناجيات في العالم، منذ قيام حركة "مي تو موفمانت-أنا أيضاً"، في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2017

بدأ التشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة معتمدة من قبل الناجيات في العالم، منذ قيام حركة "مي تو موفمانت-أنا أيضاً"، في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2017، لإدانة التحرش الجنسي واستنكاره، على خلفية الاتهامات التي وجّهتها عشرات النساء إلى منتج أفلام هوليوود البارز، هارفي واينستين. تحوّلت الحركة إلى شعار عبّرت من خلاله ناجيات كثيرات عما تعرّضن له، للعالم.

"هذه الحركة أعطت فعاليةً لمواقع التواصل الاجتماعي كسلاح فعّال في يد الضحايا"، تشرح الصحافية حياة مرشاد، المؤسسة المشاركة للجمعية النسوية "في-مايل"، لرصيف22. وعن فعالية هذه الطريقة لمعاقبة المتحرش، تؤكّد مرشاد أن "التشهير يجب أن يقترن بمسار قانوني صحيح، إلا أن الهدف يبقى دائماً أن تصل الضحية إلى الراحة".

المواجهة أولاً

"تلجأ النساء إلى وسائل التواصل نظراً لضعف القوانين التي تعاقب المتحرش، خصوصاً في عالمنا العربي. لذلك، يجب رفع الصوت، حتى لو تطلّب الأمر معالجة الناجيات وتشجيعهن لسنوات طويلة". وترى مرشاد أن للجمعيات النسوية أهميتها أيضاً في هذه المواجهة، عبر معرفتها بالطرق الفعالة للتعامل مع هذا الفعل.

لطالما كان التشهير بالمتحرش، موضع جدل على مواقع التواصل، بين مؤيّد ورافض، وبين من يعدّها وسيلةً تدمّر حياة الجاني ولا تفيد الناجيات. إلا أن بعض الدول اختارت أن تدخله إلى قوانينها، كالسعودية مؤخراً، التي أقرنته بعبارة "بحسب مدى جسامة الجريمة وتأثيرها على المجتمع"، نظراً لدراسات أقيمت عن أهمية التنبيه إلى الخطر الذي سيلحق بالمجتمع إذا ما حافظ المتحرّش على أفعاله في الخفاء، خصوصاً في حالات المتحرش "ذي السلطة" الذي يمكن أن يوقع عدداً أكبر من الضحايا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard