العمر مجرد رقم... هل "تتبخر" الرغبة الجنسية لدى المرأة مع التقدم في العمر؟

الجمعة 3 يونيو 202204:10 م

صدرت مؤخراً النسخة المترجمة من رواية الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي "فيوليتا" والتي تناولت قصة امرأة عاشت لمائة عام.

لم يدهشني عمر البطلة المديد، لأننا في عصر تحسنت فيه الرعاية الصحية لكبار السن، فزاد متوسط أعمار الأفراد بشكل طبيعي، لكن جاءت الدهشة لأمر مختلف تماماً: البطلة في الخمسينيات من عمرها، وبينما كانت ابنتها تلد حفيدها، وقعت في الحب، بل عاشت علاقة جنسية مشتعلة مع حبيب يماثلها في السن، وبعد عشرين سنة، عاشت التجربة مجدداً، هذه المرة مع زوج يصغرها بأعوام قليلة، أمضت معه الفصل قبل الأخير من حياتها.

هذه القصة تدحض الفكرة السائدة لدى البعض عن "انتهاء" الرغبة الجنسية للنساء مع التقدم في العمر.

رغبة جنسية تبخرت أم قُتلت؟

يرتبط مفهوم الرغبة الجنسية منذ الإنسان البدائي بمفهوم الخصوبة، فالمرأة التي تستطيع الإنجاب هي التي يحق لها أن تمارس الجنس وترغب فيه، وللأسف هناك تعابير كثيرة تصف المرأة بعد انقطاع الطمث، كذهاب البعض لحدّ القول مثلاً بأنها "عود يابس، جف منبع العاطفة فيه"، الأمر الذي يبرر للكثير من الأزواج الارتباط مرة أخرى، بامرأة شابة تستطيع إشباع رغباته الجنسية.

وفي حين يتباهى الرجل بقدراته الإنجابية التي تمتد لسنوات طويلة، تنتهي هذه القدرة الإنجابية للمرأة بسن معين، ولكن ماذا عن الرغبة الجنسية؟ هل "تتبخر" بدورها مع التقدم في السن؟

في حديثها مع رصيف22، كشفت كل من طبيبة النساء والتوليد، ياسمين أبو العزم، وإخصائية التحاليل نانسي يسري، أن بعض النساء يمتنعن بالفعل عن العلاقة الجنسية تحت ذريعة العمر، ليس امتثالاً لهذا القانون العرفي، لكن لأسباب أخرى: "الكثيرات يشتكين من علاقة جنسية غير مرضية مع شركائهنّ، سواء كان ذلك لجهل الطرف الآخر بطبيعة اللذة الجنسية للنساء وفنون المداعبة، أو نتيجة المرور بتجربة الختان القاسية، وحينها يكون التقدم في العمر بمثابة ذريعة مقبولة مجتمعياً لتقليل ممارسة الجنس للحدود الدنيا".

العلم يحسم الجدل

بغية فهم طبيعة الرغبة الجنسية للنساء، يجب الرجوع للسبب وراءها من الأساس.

جزء كبير من المعادلة يتمثل في الهرمونات، والتي تتغير بالتأكيد مع التقدم في العمر، سواء للرجال أو النساء.

ومع انقطاع الطمث يحدث بشكل طبيعي انخفاض في نسبتي الأستروجين والتوستيرون، الأمر الذي قد يؤدي إلى الجفاف في منطقة المهبل، وهي الحالة التي قد تسبب الألم عند ممارسة العلاقة الجنسية، وكذلك قلة الأستروجين عن المعتاد قد تؤثر في بعض الحالات على إمداد الدم للأعضاء التناسلية، وبالتالي يصعب الوصول للذروة الجنسية.

"الكثيرات يشتكين من علاقة جنسية غير مرضية مع شركائهنّ، سواء كان ذلك لجهل الطرف الآخر بطبيعة اللذة الجنسية للنساء وفنون المداعبة، أو نتيجة المرور بتجربة الختان القاسية، وحينها يكون التقدم في العمر بمثابة ذريعة مقبولة مجتمعياً لتقليل ممارسة الجنس للحدود الدنيا"

بالعودة إلى الطبيبة ياسمين أبو العزم حول العلاج المقترح في مثل هذه الأحوال، أكدت أن هناك الكثير من الحلول التي يمكن للسيدة اللجوء إليها لحلّ مشكلة الجفاف المهبلي: "يمكن استخدام المزلقات الحميمية المتوافرة، والتي تعمل على إضفاء الترطيب وسهولة الإيلاج خلال العلاقة الجنسية بغض النظر عن جفاف المهبل، وكذلك أنواع الجيل التي تحتوي على هرمون الأستروجين الذي يقلل الجفاف بشكل كبير ويحسن من الأنسجة في هذه المنطقة".

أما العلم فيحسم الجدل: الرغبة الجنسية للنساء لا "تتبخر" مع التقدم في العمر، لكنها كأي نشاط جسدي آخر للإنسان تتغير على مرّ السنوات.

وفي حين أن الكثير من الرجال يلجؤون في عمر معيّن إلى المنشطات الجنسية التي يعرف عنها الجميع حتى أسمائها التجارية وطرق استخدامها، هل تعلم النساء عن هذه الحلول الآمنة تماماً طبياً؟

لا تخفي الطبيبة ياسمين أبو العزم أنه طوال مسريتها المهنية، لم تلجأ إليها أي امرأة للبحث في كيفية إيجاد حلول لمشاكل العلاقة الجنسية بعد انقطاع الطمث، مضيفة: "الحلول موجودة ولكن يبدو أن لا أحد يبالي، لأن الثقافة العامة لا تشجع عليها، أو على استمرار الرغبة الجنسية لدى النساء بعد انتهاء فترة الخصوبة".

مجرد جفاف مهبلي بسيط

عند سؤال ناديا عمر (50 عاماً) التي مرت بانقطاع الطمث منذ عامين، عن تأثير ذلك على رغبتها الجنسية، أخذتني الإجابة للميزة الكبرى (من وجهة نظرها) للعلاقة الحميمة بعد انقطاع الطمث، وهي انعدام الخوف من الحمل، الأمر الذي يؤرق في العادة الكثير من السيدات، وقد يؤدي بالفعل إلى تراجع الرغبة الجنسية، سواء لأسباب نفسية، أو خشية البعض منهنّ لاستخدام وسائل منع الحمل الهرمونية التي تؤدي كذلك إلى جفاف المهبل والألم عند العلاقة الجنسية.

ينبوع المرأة لا يجف مع انتهاء الطمث، ولا نتحدث عن رحم "متخشب" لا يلينه إلا الخصوبة وإنجاب الأطفال، فالسيدة قادرة على الاستمتاع بالعلاقة الجنسية حتى بعد السبعين من العمر

غير أن هذه السيدة التي تعمل في مجال الترجمة، أقرت بوجود جفاف بسيط وأكثر من المعتاد في المهبل خلال هذه الفترة، منوهة بأنها لجأت إلى استخدام المزلق الحميمي، فكان حلاً سهلاً ومناسباً لها، مع العلم بأن الكثير من السيدات الأخريات لا يعلمن هذه المعلومة التي قد تغيّر حياتهنّ للأفضل.

وكانت إيزابيل الليندي، قد ذكرت في كتابها "روح امرأة" (The Soul of a Woman)، أنها عاشت شخصياً حياة مماثلة لبطلتها، وقد كتبت بشفافية عن زواجها الثالث وهي في السبعين من عمرها، ورغبتها الجنسية التي لم تتراجع إلا قليلاً مع اقترابها من منتصف السبعينيات، وذلك لأسباب تتعلق بالوهن الجسدي المفهوم في هذه المرحلة العمرية، والذي تغلبت عليه بالحميمية في العلاقة والدفء بين جسدين يعرفان كيف يستمتعان ويمتعان بعضها البعض، دون مغامرات إيروتيكية مرهقة، مؤكدة بأنه ليس لديها أي نية للتوقف عن الشعور بجنسانيتها في السنوات القادمة.

إذن، ينبوع المرأة لا يجف مع انتهاء الطمث، ولا نتحدث عن رحم "متخشب" لا يلينه إلا الخصوبة وإنجاب الأطفال، فالسيدة قادرة على الاستمتاع بالعلاقة الجنسية حتى بعد السبعين من العمر، وبالرغم من أنه قد تؤثر عليها عوامل خارجية وداخلية مثل التغيرات الهرمونية أو الوهن الجسدي والصحي، لكنه لا يجب حصر لذة المرأة بقدرتها فقط على إنجاب الأطفال، بل الأهم أن تعيش جنسانيتها وأن تستمتع بجسدها وتكون قادرة على إشباع رغباتها الجنسية بمعزل عن مسألة العمر التي تبقى مجرد رقم لا أكثر. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard