أفكر متمعنةً بأنه كان وراء هذه التجربة حكمة... رحلتي مع الاكتئاب

السبت 4 يونيو 202211:39 ص
استيقظتُ ووجدت نفسي متمنيةً اللطف من اليوم بإشراقه وانعزاله، فأشقاؤه السابقون سبّبوا لي متاعب كثيرة وأرقاً هدّل جفوني. وتعاوناً معه، ينجرّ الحزن الأسود ليقطن في الجفن ويستوطن أراضيه.  قمتُ ورأيت نفسي في المرآة، فلم أعرفها. ولكن لم أكترث بقدر ما اهتممت بعقارب الساعة الأرجوانية اللون وقت الفجر. كانت العقارب تصرخ وتداهمني، فلدي دوامٌ جامعي ينتظرني. جمعت نفسي وطويت حزني، وارتميت على كرسي "الميترو" بين جموع أرواح الناس، وعقلي لا يزال يعجن نفسه في كومة الأفكار. "لماذا قلما نراكِ حوالي الجامعة؟" يمزح شابٌ في أحد صفوفي. كدتُ أن أبوحَ عن أمري فتذكرت أن الكلام السطحي والمبعثر في أرجاء الحوار لا يعطي قيمة لما يُدعى "الاكتئاب". فكيف أقول: "إنّه ذلك الشعور الذي يؤثر سلباً في المُصاب، ومشاعره، وطريقة تفكيره، وتصرّفاته من خلال أعراض وعلامات شديدة وطويلة المُدّة" دون أن أُعتبرَ مجنونة؟ 

"لماذا قلما نراكِ حوالي الجامعة؟" يمزح شابٌ في أحد صفوفي. كدتُ أن أبوحَ عن أمري فتذكرت أن الكلام السطحي والمبعثر في أرجاء الحوار لا يعطي قيمة لما يُدعى "الاكتئاب" 

الاكتئاب بات وباء العصر الحديث، فقد ينتابك شعور غريب عندما تعرف أن منظمة الصحة العالمية قدرت الاكتئاب بأنه سيكون أحد أهم الأسباب الرئيسية للإعاقة في العوالم المتقدمة والنامية بحلول عام 2030. الاكتئاب السريري هو موضوعٌ شخصي جداً بالنسبة لي، إذ عندما أتذكر تلك الفترة الزمنية، يُدفعُ ثقل الدمع إلى وجنتي، وكأنني محاطة بكفن دائم من الظلام واليأس. هذه العتمة لا تضيئها مصابيح العالم. وإذا كان هناك احتمال لشمعة الحياة، فسيستهلكني الحزن قبل مشاهدتها. حولني الاكتئاب إلى وعاءٍ من الألم المتربص في دواخلي، لا مفر مِنَهُ. الكثيرون من الأشخاص لا يفهمون قلة السيطرة التي تطغى علينا ونحن في أمسّ الحاجة للتفكير بشكل مستقيم، ولو لومضة فكرية خالية من الشتات الذهني. فيضان من الأفكار التي تُعجن في الليل ولا تُخبز في النهار، بل تصبح يابسة ذات رائحة مخمرة من كلمات لا تُقال ولن تُقال. 
كيف وصلت إلى هذه الحالة؟ كيف نال مني الاكتئاب هكذا؟ تتعدد الأسباب والألم واحد، والنتيجة واحدة. فلا أدري ما أراده الاكتئاب مني سوى أني أصبحت مبعثرة في أرجاء غرفتي. ألملم بكتف واحدة فقط ليقع الآخر متلفظاً أنفاسه الأخيرة. أختار الاختباء بين الأسطر الفارغة، فمن الممكن أن تفهمني أو أنْ تلقي عليّ أحرفاً يمكنني أن أصف فيها بشاعة الاكتئاب. 

الكثيرون من الأشخاص لا يفهمون قلة السيطرة التي تطغى علينا ونحن في أمسّ الحاجة للتفكير بشكل مستقيم، ولو لومضة فكرية خالية من الشتات الذهني.

أستمرُ في إجابة الشاب في ذهني، فأقول له بيني وبين نفسي: "أضطر إلى حمل الحبوب المنومة بدلاً من يدٍ تحميني". وللاكتئاب أعراض كثيرة، أهمّها نقص الطاقة وفقدان الشهية، وقلة النوم والشعور بالقلق، والتفكير بإيذاء النفس، إلى جانب تأثيره على الصحة العقلية. يمكن لهذا المرض التأثير على الجانب المالي أيضاً، إذ تقدّر منظمة الصحة العالمية التكاليف المرتبطة بالإصابة بالاكتئاب بنحو تريليون دولار سنوياً. يمكن اعتبار مضادات الاكتئاب حاسمة لأنها تعمل على الناقلات العصبية (المواد الكيميائية في الدماغ)، فهي بالتالي تؤثر على مزاج الشخص. في هذا الوقت من كل عام، أغرق في حفرة من الصعب أن أجد لها سُلماً للنجاة. العالم أجوف، وأصدقائي بعيدون عن متناول اليد، وأصغر المهام تبدو مستحيلة، كالاستحمام، والخروج لنزهة معينة، أو حتى تمشيط شعري. أشعر بأنّ الضوء في نهاية النفق هو شمعة انفرادية على وشك الانفجار في أي لحظة. في الوقت نفسه، أشعر بأن الألم لن ينتهي أبداً. لقد أمضيت سنوات في البحث عن مزيج فعّال من الأدوية المضادة للاكتئاب ومضادات القلق للقضاء على أسوأ أعراض الاكتئاب دون أن يُغمى عليّ أو أن أشعر بالغثيان. 

لم أؤمن يوماً بأن معرفة مصائب الآخرين تقلل من شعوري بمصائبي، أو أنه، مثلاً، يمكنني أن أتجاهل ألم ضرسي الملتهبة إذ لدي ثلاثون ضرساً أخرى بحالة جيدة. أو أنْ أتجاهل إصبعاً مبتورة لأنني لا أزال أستطيع الكتابة بتسع أصابع

لم أؤمن يوماً بأن معرفة مصائب الآخرين تقلل من شعوري بمصائبي، أو أنه، مثلاً، يمكنني أن أتجاهل ألم ضرسي الملتهبة إذ لدي ثلاثون ضرساً أخرى بحالة جيدة. أو أنْ أتجاهل إصبعاً مبتورة لأنني لا أزال أستطيع الكتابة بتسع أصابع. ولم تقنعني الدعوات الفضفاضة من أمي ومِمن حولي إلى أهمية العودة إلى الله كحل للاكتئاب، دون أي توضيح إضافي عن ماهية تلك العودة وكيف لها أن تساعدني. قال الشاعر مهدي الجواهري: "وما الحياةُ سوى حسناءَ فارِكة        مخطوبة من أحبَّاء وأعداء قد تمنعُ النفسَ أكفاء ذوي شغف      ورّبما وهبتها غيرَ أكفاء" وبالفعل، كل شيء تكمن فيه الرحمة أكثر من الأوجاع الوجدانية. وإن جاز لي أن أصف ما حدث لي وقتذاك، فسأقول إنني كنت فعلاً كمن سقط في بئر عميقة، ولكن لا يراه الآخرون. أمضيت تلك الليلة جالسةً على شرفة منزلي، أفكر في ما حدث وفي ملامح ذلك الشاب الذي أصيب بقلق عامر على وجهه بعدما تعمدت الصمت والخروج من المحادثة بالتمثيل أنه قد جاءني اتصال هاتفي. كنت أتصفح شيئاً ما ذات يوم، وشاهدت فيديو لطيفاً وعادياً جداً عن أخت تلاعب إخوتها وهي في غاية السعادة بين عائلتها. وشرعتُ أفكّر في السبب الذي يستوقفني لاسترجاع طاقتي وأصبح كتلك الفتاة مجدداً. جميع هذه الأفكار تدفقت في ذهني كريح عجلى. أجرب كل يوم، قبل خروجي إلى زحمة الأيام، ضحكات زائفة يمكنها أن تنسدل كالستائر على الحزن القاطن. أهم أعراض الاكتئاب ومضاعفاته في آن واحد، هي أن يفقد الإنسان قدرته ورغبته في الاستمتاع باللذات الحسية، كالطعام والموسيقى، وإلخ. الاكتئاب ينزع منك القدرة على الاستمتاع بهذه الأشياء التي خلقت أصلاً لمتعتك، ويعطيك شعوراً زائفاً بالتعالي عليها، وكأنها أمور صغيرة وتافهة مقارنة بما تمر به. 

الشفاء من الاكتئاب معركة يومية، حتى يشفى ذلك الجزء غير المرئي في دواخلنا، ونستطيع أن نكون أنفسنا مرة أخرى.

أشياء كثيرة تدفقت في رأسي تلك الليلة، منها أني اكتشفت أن الاكتئاب - في جوهره - ما هو سوى انتصار لقيم الشر على قيم الخير. وأنا، فعلاً، مررتُ بتجارب سيئة، ولكن الحزن يجب أن يظل شعوراً مؤقتاً. ويجب ألّا أمد خط الحزن على استقامته وكأنه لانهائي وأغطي به حياتي بحجة أنني تعرضت للأذى، فهذا يعد انتصاراً لأعدائي عليّ. بيني وبين فوضى غرفتي وعقلي، بدأت بترتيب الأمور رويداً رويداً، بمعنى أنّه ليس هناك شيء حقيقي بقدر ما هو تصور شخصي. فمن هذا التأصيل اكتشفتُ أن العالم يملك وجهات نظر مختلفة عن الحياة. والجميع لديه نمط حياة مختلف أيضاً. مثلاً، الله الذي رآه العالِم المسلم المجتهد، ابن تيمية، مختلف عن الله الذي رآه أحد أشهر شعراء المتصوفين، ابن الفارض. وكم مرة رأينا أناساً تؤمن بأن الأرض مسطحة، وهم يعيشون حياة سعيدة. وكم عدد الناس الذين يعتقدون بأنّ الشمس تتحرك حول الكواكب، ويكونون بأفضل حالاتهم. بالتالي، هذا يثبت أهمية العقل السليم والمتسامح مع نفسه، بغض النظر عما إذا كان خطأ أو الناس لا يوافقون على هذا الرأي. نحن بشكل ما أو بآخر، في الوعي اللاوعي. نشكل عالمنا البسيط، نشكل بأنفسنا الفقاعة الخاصة بنا. نحن لا نحزن لأننا نود ذلك، بل العالم من حولنا يدعو لذلك. نحن اخترنا هذه الزاوية من الحياة وأصررنا على مشاهدتها في الوقت المتبقي. 

من الممكن أن تكون طبيعتنا البشرية لا تتعلم إلا بالتجارب. وإن شهدنا وسمعنا تجارب الآخرين، مهما كانت محزنة أو مخيفة، فلن نستطيع أن نضع أنفسنا في مكانهم وانتعال أحذيتهم إلا إذا أُصبنا بعين الشعور أو الموقف

بقي أن أقول: الشفاء من الاكتئاب معركة يومية، حتى يشفى ذلك الجزء غير المرئي في دواخلنا، ونستطيع أن نكون أنفسنا مرة أخرى. جاء الأمل أخيراً بشكل واضح، وساعدني في التخلص من الارتباك والظلام "رويداً رويداً". وبدأت أرى حياتي والناس من حولي بطريقة أكثر صفاء وإيجابية. في النهاية، هذه تجربتي الشخصية التي انتشلت العديد من القناعات والمفاهيم واستبدلتها بغيرها. أحياناً، أفكر متمعنةً بأنه كان وراء هذه التجربة حكمة. هل حقاً لنتعلم درساً حياتياً يتطلب منا الإرهاق والضعف؟ هل نستحق كل هذه المعاناة لأخذ عبرة فقط؟ من الممكن أن تكون طبيعتنا البشرية لا تتعلم إلا بالتجارب. وإن شهدنا وسمعنا تجارب الآخرين، مهما كانت محزنة أو مخيفة، فلن نستطيع أن نضع أنفسنا في مكانهم وانتعال أحذيتهم إلا إذا أُصبنا بعين الشعور أو الموقف. من أجل ذلك كتبت هذا المقال، إذ أصبحت مُعجماً من أوجاعي. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard