"هنا الرباط، صوت القناة العبرية!"... فتح مكتبين لقناة إسرائيلية في المغرب

الخميس 2 يونيو 202204:25 م

بعد قطع أشواط مهمة في التطبيع السياسي والعسكري والاقتصادي بين المغرب وإسرائيل، ومحاولات التطبيع الأكاديمي والثقافي، جاء الدور على القطاع الإعلامي، إذ تم الإعلان رسمياً في حفل في موقع شالة الأثري في الرباط، مساء يوم الثلاثاء 31 أيار/ مايو، بحضور 300 شخصية من المغرب وإسرائيل، عن افتتاح مكتبين للقناة الإسرائيلية "I24news"، في كل من مدينتي الرباط والدار البيضاء. إعلان أثار حفيظة العديد من الهيئات والمنظمات والمناضلين والإعلاميين والمثقفين المناهضين للتطبيع، الذين نشروا بيانات استنكار ترى في هذه الخطوة "ضرباً للروح المغربية والتحام الشعب المغربي بقضية فلسطين التي يعدّها قضيةً وطنيةً".

إمعان في إهانة المغاربة

في هذا الإطار، نشرت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات في المغرب، المعروفة اختصاراً بـ"BDS"، بياناً استنكارياً عبرت فيه عن رفضها واستهجانها لهذا التطبيع الإعلامي، الذي رأت فيه "إمعاناً في إهانة الشعب المغربي الرافض للتطبيع مع الكيان الصهيوني العنصري".

أضاف البيان أن هذه الخطوة الخطيرة وغير المسبوقة، تتزامن مع انتهاك حرمة المسجد الأقصى، وتضييق الخناق على جنين، وإجلاء الفلسطينيين من أراضيهم في إطار إستراتيجية الاستيطان التوسعية، ناهيك عن اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة، وبعد زيارة وفد من رجال الأعمال المغاربة إسرائيل وتوقيع اتفاقيات شراكة وتعاون مع شركات في تل أبيب في المجالين التكنولوجي والزراعي وفي مجالي الطاقة والبنوك، هذا إلى جانب وصول "وفد صهيوني" إلى المغرب، وتوقيعه 13 اتفاقية تعاون مع نظرائهم المغاربة.

تم الإعلان رسمياً في حفل في الرباط، مساء يوم الثلاثاء 31 أيار/ مايو، بحضور 300 شخصية من المغرب وإسرائيل، عن افتتاح مكتبين للقناة الإسرائيلية "I24news"، في كل من مدينتي الرباط والدار البيضاء

لهذه الأسباب، أعلنت حركة المقاطعة بي دي إس في بيانها "رفضها التام والقاطع لتواجد أي منبر من منابر الإعلام الصهيونية، أو تلك التي تسوّق للدعاية الصهيونية على أرضنا، وتسعى إلى ضرب الوعي الوطني للشعب المغربي الرافض للتطبيع. ونؤكد مساندتنا للشعب الفلسطيني الشقيق وحقه في تقرير مصيره وعودة اللاجئين، وإقامة دولته المستقلة على كامل أرض فلسطين التاريخية وعاصمتها القدس الشريف. وندين استمرار النظام المغربي في نهجه التطبيعي المسعور مع الكيان الغاصب".

في تصريح لرصيف22، عبّر المناضل الحقوقي سيون أسيدون، المدافع عن القضية الفلسطينية، عن رأيه قائلاً إن "فتح مكتب في الرباط للقناة الصهيونية I24news، والإعلان عن قرب فتح مكتب ثانٍ في الدار البيضاء، هو جزء من تسونامي تطبيعي للسلطات المغربية مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين، له جوانب سياسية ودبلوماسية وعسكرية بالإضافة إلى الجوانب الاقتصادية والمالية والسياحية والثقافية والرياضية".

تطبيع العقول

أكد أسيدون، عضو حركة "BDS" المغرب، أنه على المستوى الرمزي فإن فتح فرع لهذه القناة في المغرب "إهانة مزدوجة للشعب الفلسطيني والشعب المغربي، في الوقت الذي قامت فيه قوى الاحتلال العسكرية باغتيال الإعلامية شرين أبو عاقلة، استمراراً لنهجها في إسكات الأصوات الإعلامية الحرة التي تنشر الأخبار الحقيقة عن جرائم الاحتلال. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذه الخطوة تشكل استمرار المغرب في فتح الأبواب على مصراعيها أمام قنوات ستخدم الدعاية الصهيونية، خاصةً أن هذه القناة تنتمي إلى مجموعة إعلامية صهيونية يملكها باتريك دراحي".

وتعدّ القناة نفسها صوتاً لإسرائيل في فرنسا والعالم، إذ تعمل بلغات عدة ومن ضمنها طاقم القناة العربية التي تعمل منذ عام 2013، أما مؤسسها دراحي، واسمه الأصلي درعي، فهو رجل أعمال فرنسي إسرائيلي من أصول مغربية يملك شركات اتصالات. وتقول القناة إنها ستفتتح مكاتب في مدن دولية عدة من ضمنها دبي، وفق سياستها التوسعية.            

عضو حركة "BDS" المغرب، سيون أسيدون يرى  أنه على المستوى الرمزي فإن فتح فرع لهذه القناة في المغرب "إهانة مزدوجة للشعب الفلسطيني والشعب المغربي، في الوقت الذي قامت فيه قوى الاحتلال العسكرية باغتيال الإعلامية شرين أبو عاقلة

وأوضح أسيدون، أن هذا "المشروع يدخل ضمن مخطط يرمي إلى تطبيع العقول، فالغرض من فتح الباب أمام الإعلام الصهيوني هو خدمة الدعاية الصهيونية بالمساهمة في تقديم هذه الأقلية كممثلة للرأي العام المغربي، بينما الرأي العام المغربي لا يتوانى في العديد من المناسبات عن التعبير عن رفضه للتطبيع، واعتماد شعارات وأغنيات مناصرة للشعب الفلسطيني في هتافات جمهور كرة القدم، بالإضافة إلى الوقفات الاحتجاجية والاستنكارية ضد التطبيع التي تقوم بها القوى الحية في البلد، لا سيما الجبهة المغربية لدعم فلسطين والتصدي للتطبيع التي تنتمي إليها 'بي دي آس'، من ضمن العديد من الهيئات السياسية والنقابية والجمعوية".

علاقات غير متكافئة

من جهتها، قالت المقاولة الإعلامية المغربية والخبيرة في القوة الناعمة وتقنيات التأثير، شامة درشول، في تصريح لرصيف22، إن "العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل لا تسير بالتكافؤ نفسه والسرعة عينها، ففي الوقت الذي يختار فيه المغرب السير بحذر في اتجاه إسرائيل نظراً لالتزامه تجاه القضية الفلسطينية، ولمكانة الملك كرئيس للجنة القدس، وأيضاً لمكانة مؤسسة إمارة المؤمنين التي عُدّت مدخلاً لإعادة تجديد العلاقات مع إسرائيل، حسب ما ذكر البلاغ الملكي الصادر يوم 10 كانون الأول/ ديسمبر 2020، والذي ركّز على أن المغرب يطمح إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية، لكنه رهن تطويرها إلى مستوى العلاقات الدبلوماسية الكاملة، بالعودة إلى طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين، وإيجاد حل سلمي لهذا النزاع، نجد أن إسرائيل تسابق الزمن، وتضرب بعرض الحائط ما جاء في البلاغ الملكي، وتحاول محاصرة المغرب، وإرغامه على نسيان كل ما جاء به البلاغ الملكي، وفرض واقعها ولو بالكذب، مثلما فعلت حين دفعت مدير مكتب الاتصال الإسرائيلي إلى إعلان نفسه سفيراً، في خرق وقح لكل الأعراف الدولية المنظمة للعلاقات الدبلوماسية، مستعينةً على ذلك بلوبي مغربي يخدم مصالحها أولاً وأخيراً".

وأكدت درشول، أن عدم التكافؤ هذا سيجعل الغلبة لكفة إسرائيل التي انتزعت من المغرب "قوته الناعمة" المتمثلة في اليهود المغاربة في إسرائيل والعالم، وباتت إسرائيل اليوم هي من توظف هذه القوة الناعمة المغربية لتخدم مصالحها في المغرب، بل إن إسرائيل "باتت تقدم نفسها لفرنسا على أنها البلد الذي سيحمي مصالح فرنسا في المغرب".

على الرغم من تكثيف إسرائيل لعملية التطبيع وسعيها إلى فتح مكاتبها الإعلامية في المغرب، السؤال الذي يجب طرحه هنا، كما تقول درشول، هو: "هل فتح المغرب أو سيفتح في المقابل مكاتب لقنواته، ومنابره الإعلامية من دون ذكر وكالة المغرب العربي للأنباء، في إسرائيل؟". تجيب بالنفي، وتقول إن المغرب سيعيّن فقط مراسلاً لوكالته الرسمية للأنباء، وهذا غير كافٍ لـ"اختراق" الرأي العام الإسرائيلي، بالإضافة إلى أن الصحف المغربية المحتمل فتح مكاتب لها هناك، على قلتها، هي في الغالب صحف مغربية تابعة للّوبي الإسرائيلي.

الصحافي المغربي جاهل بإسرائيل

أشارت شامة درشول، إلى أن الأمر يمتد إلى طبيعة تناول جزء من الصحافة المغربية لموضوع التطبيع، وبحسب وجهة نظرها، فإن "الصحافي المغربي إما جاهل بحقيقة إسرائيل وكيف تفكّر، ولا يعرف عنها سوى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإما يعتقد أنه لا يجوز الحديث في هذا الملف، لأنه "ديال لقصر" (ملك للقصر)، و"راه لفوق عارفين شنو كيديرو"، (ويعتقد أن السلطات تعرف ما الذي تفعله)، وإما يعتقد بأن عليه التطبيل لإسرائيل حتى يلفت الانتباه إليه، ويحصل على قوة التأثير ليحصد من خلالها "الثروة الموعودة لمجرد كتابته عن إسرائيل". هذا ناهيك عن فئة أخرى تعتقد أن مجرد كتابة مفردة إسرائيل يجعلها تحمل وصمة التطبيع من دون أن تفهم ما هو التطبيع، وأن المواقف الإنسانية والسياسية يجب أن تُفصل عن الصحافة".

سيتضح إلى أي حد توجد نخب ثقافية وفنية وعلمية مغربية لها استعداد للتعامل مع مؤسسة إعلامية إسرائيلية، وهل سيكون لناشطي "مناهضة التطبيع" تأثير على هذه النخبة لرفض هذا "التطبيع الثقافي والإعلامي

ورأت درشول أن النقابة الوطنية للصحافة والمجلس الوطني للصحافة، وبقية التنظيمات الصحافية في المغرب، لا تملك الشجاعة لتدريب الصحافيين على طريقة تغطية الملف الإسرائيلي، حتى تجنّب الصحافي المغربي السقوط في فخ التطبيل لإسرائيل، والانبهار بها بسبب جهله بها، أو السقوط في فخ الرفض خوفاً من نظرة "الناس"، وهو سلوك يشين الصحافي الذي دوره الإزعاج وليس الإرضاء.

النخب ورفض التطبيع الثقافي والإعلامي

أما الصحافي والمستشار الإعلامي المغربي، أنس مزور، فقد أكد في تصريح لرصيف22، أن الحديث عن التطبيع الثقافي والإعلامي المغربي الإسرائيلي، ليس وليد اليوم، فكما هو معلوم لدى كل متابع لهذا الموضوع من قرب، العديد من المغاربة لا يعترضون على الذهاب إلى فلسطين تحت وصاية الإدارة الإسرائيلية، لإقامة أنشطة فنية ثقافية، وهناك بعض الصحافيين شاركوا في زيارات من تنظيم السلطات الإسرائيلية أكثر من مرة، إلا أن هذه المشاركات ظلت في معظم الأحيان شبه سرية، أو حتى عندما يعلَن عنها، فإنها تواجَه بموجة احتجاجات وإدانات تهم عموماً ما يندرج تحت إطار "مناهضة التطبيع".

وأوضح مزور أن الجديد اليوم هو أن "جميع الزيارات من الطرفين أو إقامة أنشطة ثقافية أو إعلامية، تلقى حمايةً رسميةً من الناحية الإدارية والقانونية. فقبل سنوات، كانت الصحافة الإسرائيلية تباشر إنتاجها الإعلامي من المغرب من دون أن يتم الإعلان رسمياً عن الترخيص لها، بحكم أن القوانين المغربية لا تسمح لأي فريق إعلامي تلفزيوني بتصوير تقارير أو برامج من دون ترخيص مسلّم من طرف المركز السينمائي المغربي تحت إشراف وزارة الاتصال".

وبخصوص الإعلان رسمياً عن افتتاح مكتبين واستوديوهات لقناةi24NEWS ، في كل من الدار البيضاء والرباط، أشار مزور إلى أنها خطوة متقدمة جداً في توفير ضمانات إدارية وقانونية للفريق الإعلامي الذي سينتج لفائدة القناة من المغرب، وبالموازاة خطوة نحو تخصيص مساحة إعلامية معتبرة لوجوه مغربية، لن تكون بالضرورة وجوهاً رسميةً تمثل الحكومة ومؤسسات الدولة المغربية، التي أصبحت تجمعها اتفاقات وبرامج مشتركة عديدة مع السلطات الإسرائيلية.

وخلص مزور إلى أنه "خارج المؤسسات الرسمية المغربية، سيتضح إلى أي حد توجد نخب ثقافية وفنية وعلمية مغربية لها استعداد للتعامل مع مؤسسة إعلامية إسرائيلية، وهل سيكون لناشطي "مناهضة التطبيع" تأثير على هذه النخبة لرفض هذا "التطبيع الثقافي والإعلامي". ومن جهة أخرى، "سيتضح كذلك إن كانت القناة الإسرائيلية قادرة فعلاً على إفساح المجال للتعبير عن المواقف المغربية الرسمية والشعبية التي ترفض ما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي من انتهاكات للقانون الدولي في القدس وغيرها من الأراضي الفلسطينية المحتلة أو المحاصرة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard