لِمَ أحمل عاراً أجهل أسبابه؟... الجدار الذي يصطدم بي

السبت 4 يونيو 202202:29 م

 حياكة الكلام


ليلى

لِمَ أحمل عاراً أجهل أسبابه؟!

استيقظ هو ليراني أتجول في المنزل عارية تماماً. لم يندهش فهو يعرفني جيداً. يتوقع مني أي شيء تماماً. أخبرته أنني أحاول تجربة أمر قد تعتبره "بروفة" ليوم البعث، ولكن "على الضيق!".

تابعت حديثي وظل كما هو يحدق في عيني، بينما أحاول أنا أن أواصل التعبير عما يدور في رأسي حتى تكتمل الصورة. تابعت موضحة أنني لا أريد أن تسيطر عليَّ مشاعر الخجل في ذلك اليوم، أريد مواصلة التجربة في الأرض حتى أعهدها. أتصور أنه سيكون من الصعب التحكم في مشاعري و ملاحظة مشاعر الآخرين في نفس الوقت، لذا عليَّ أن أتغلب على المشاعر التي أظن أنها قد تتمكن مني يومها، حتى أتفرغ لمتابعة ما يدور حولي. الأمر مثير ويستحق المتابعة بعناية، البشر بأكملهم أمامي... أرى كل العيون وسأكون في حاجة إلى ترجمة ما بعيونهم من نظرات، أن أعرف قصتهم و أتجاهل جسدي أو ربما خجلي.

أشعر دائماً بأنني "كاميرا" تلاحق الناس و تركز على عيونهم، تحاول كشف ما فيها من خبايا ومشاعر. أنا كاميرا بعدسة صغيرة متعبة تتسلل إلى عيون الناس لتحكي حكايتهم. قاطعني قائلاً: "كالعادة السينما واكلة دماغك". ثم دق جرس الباب، وتوجهت كما أنا نحو الباب وفتحته. لأجد رجلاً متوسط العمر والطول، ذا لحية طويلة بشكل ملحوظ، يحمل أوراقاً عديدة في يده وينظر فيها بحثاً عن رقم الشقة. قال: "فاتورة المياه"، وهو يرفع رأسه ببطء ويوجهها نحوي، ولم يكمل جملته، وظل في مكانه مذهولاً. ابتسمت قائلة: "أنا ليلى. حاول أن تتذكر ملامح وجهي جيداً. أرجوك عندما تراني يوم البعث ابتسم لي، فربما أكون حزينة". سارع الرجل في المغادرة تعلوه علامات الدهشة.

"عزيزي، كم سنحتاج من الماء حتى نخمد الجحيم؟ وكم ستكون الفاتورة؟ إذا عاد الرجل سأكون في حاجة لمناقشته حول هذا الأمر. يجب علينا ترشيد استهلاك المياه، نحن في خطر، ولكن تفتكر هيفتكرني؟!". ابتسم مُراد قائلاً: "انتِ ما بتنتسي. ولكن لماذا طلبت منه أن يبتسم لك؟ سأكون إلى جانبك يومها وسأبتسم لك بدلاً منه".

ضحكت بشدة: "ستكون أمام جميع نساء العالم... عرايا!! لماذا تبتسم لي إذن؟!".

ابتسم تلك البسمة الهادئة المعتادة وقال: " إنه ذلك العُري التقليدي. أجساد متهالكة من كثرة التعري وما يتبعه. نهدان رماديان، فخذان معدمان وساقان هزيلتان. سَئِمَت الركض وراء الشهوات. سأبتسم لكِ أنتِ. وحدك أنتِ فقط، عندما أنظر إلى صدرك أرى بداخله قلباً دافئاً مُحباً تملأه الأزهار. ثم أنظر لذراعك لأجده قوياً يحاول الصمود، وساقاك الصغيرتان تحاولان مواصلة السير نحو الفراشات. وأرى نفسي بعيونك التي تسكنها قطرات الندى لا الدموع. جسدك منزل صغير أقطنه أنا وتقاسمني إياه الحدائق الخضراء".

"آه، عقلي يحتار في أمرك. مازال يفكر في تصديقك، بينما يدفعني قلبي لمعانقتك".

استيقظ هو ليراني أتجول في المنزل عارية تماماً. لم يندهش فهو يعرفني جيداً. يتوقع مني أي شيء تماماً. أخبرته أنني أحاول تجربة أمر قد تعتبره "بروفة" ليوم البعث، ولكن "على الضيق!"... مجاز

بداخلي هذا الصوت دائماً، بداخلي شعور يمنعني من إدمان عذوبتك. أفكر كثيراً قبل أن أتفوه بـ"أحبك". ربما لا أعرف ما هو الحب بالتحديد بعد ولكني أشعر به عندما تملأني الرغبة في معرفة عدد رموشك، فالحب بالنسبة لي هو أن أقاطع أصوات الشك والخوف في عقلي: "تُرى كم رمش في عين حبيبي؟".

مُراد

لا أذكر شيئاً سوى صوت أم كلثوم يندفع من أحد الأزقة في ليلة باردة، مع رائحة كوب الكاكاو الساخن، وصوت ليلى.

تسكن تلك الذكريات ذاكرتي منذ أن أصبحت هنا، بين أربعة جدران مظلمة، نادراً ما يدخلها شعاع الشمس. مزيج من المشاعر. الشعور بالوحشة والألم، وأحياناً أخرى الحنين، وأكثر الأحيان الضعف و الرغبة في البكاء بين ذراعي ليلى.

ولكني لا أستطيع حتى أن آمل ذلك، أو أن أتطلع لهذا اليوم، فمنذ قدومي وأنا شخص آخر غير ذلك الشخص الذي عرفته ليلى، وضمته إليها و شاركته فقاعتها في ارض الفقاعات المرحة الهزيلة!

أصبحتُ مسخاً، شبحاً، لا يحمل سوى ذكرى قتله.

كانت الكلمات سلاحي الدائم و ربما الوحيد، إلى أن تسببت في قتلي فجأة. ربما أنا من أساء استخدام السلاح، أو ربما أتقنت استخدامه لدرجة قاتلة!

كانت تقول "نحن نعمل من أجل الفكرة لا المادة"، و كنت أوافقها الرأي.

ولكن لا يا عزيزتي. نحن نعمل من أجل الموت، فالفكرة في مدينتنا تُعامل معاملة العدو ونحن عندما نفكر نعلن الحروب على أنفسنا، وعندما نعمل من أجل الفكرة نموت كما الغرباء الدخلاء على أراض غير مسموح الاقتراب منها.

في مدينتنا يجب أن تعيش كـ"قالب الطوب"، صخرة جامدة لا تبعد عن الرصيف، وعندما تتحد "قوالب الطوب" يتكون الجدار الذي يُذكرك بأصلك، كما يُذكرك بحدودك التي يجب ألا تتخطاها، فأنت مجرد صخرة نستخدمها لتكوين و بناء الجدران، والصخور لا تفكر... الصخور تنصاع.

ليلى

"ومتى القلب في الخفقان اطمأن".

نشأت بين أربعة جدران صفراء اللون. لطالما كرهت هذا اللون. ربما لأنه ارتبط معي بجدران حجرتي. تلك الأسوار العالية. أجلس في أحد أركان الغرفة و أتأملها. أحاول تسلقها وأسقط في كل مرة، إلى أن تعلمت نوعاً آخر من التسلق. لقد تسلقت هذه الجدران وتجاوزتها مئات المرات بخيالي. خيالي أعلى من جدران حجرتي وربما أعلى من أعمدة السماء.

منذ ذلك الوقت و أنا أعامل الجدران على أنها صديقتي المقربة. إنها هنا لتحميني، لتضمني ولتحاوط أحزاني الصغيرة. تعانقني كل مساء وتغضب مني في صباح اليوم التالي، عندما أحاول تسلقها مجدداً.

حاولت أن أقبل الواقع، أن أقبل الأسوار على أنها جزء من مأساة وجودي، أو ربما إحدى ضرائبه، ولكني اخترت أن تكون جدراني من نوع آخر، نوع لا يذكرني بحبسي الافتراضي الممتد، فأخذت أُعلق عليها لوحاتي المفضلة وأبيات شعرية أجد فيها عزائي، وبعض الصور النادرة التي تجمعني بسجناء آخرين، يحتمون تحت أسوار حجرات أخرى مختلفة، متفرقة، ولكن في نفس حدود المدينة.

يقولون أنه في تلك العصور القديمة البعيدة كانوا يقومون بوأد الفتيات الصغيرات، ثم جاء الإسلام ليمنع و يحرم تلك العادات الخاطئة، ولكنه عاد بعد ذلك ليبيح و يحلل وأدي بطرق أخرى أكثر عصرية، كان من بينها فرض الهرم الأبوي وطريق الأوصياء الذي لا ينتهي، وبالطبع إقامة الجدار.

أعزائي أولي الأمر:

إلى متى أظل عالقة هنا؟ إلى متى عليَّ أن أحتمل هذا الضياع؟ إلى متى أظل أحمل هذا القلق الميتافيزيقي بداخلي؟

و لعل طرحي للتساؤلات بهذه الكيفية يحفل بالعصيان و التحدي ولكن ليس بالإنكار، فأنا لا أنكر الله أساساً، ولكني أخاطبه وأبحث دائماً عن الإجابة لسؤال صعب جداً لم أجده أبداً.

و ظلت رحلة الجدار محاولات هدمه تكمن في البحث عن عزاء.. إلى أن تمثل هذا العزاء في فتاي المحارب، الصامد رغم تيارات الحيرة العنيفة، في مُراد الصادق. إنه ذلك الشاب الذي يأخذ من الميادين بيتاً له ومن الكلمات سلاحاً ومن الثورة أغنية. تُذكرني عيونه بعيون "أمل دنقل". بها ما يكفي من الحزن و الشجن ولكن لا مكان لليأس فيها. بها ما يكفي من القوة والصلابة، ولكن في نفس الوقت تترقرق بالدموع التي تأبى الاستسلام.

ظلت عيون مُراد هي العزاء الوحيد لكل ما أمر به في هذا العالم. كان كالبركان، من الصعب التنبؤ بموعد ثورته، ولكن الكل يؤمن بحتمية تلك الثورة. قلمه ثائر يحمل الكثير من النقد والاتهامات. أمله الدائم و الوحيد هو الحرية. كان يعمل مُحرراً بإحدى الصحف، إلى أن تم طرده، واتجه بعد ذلك للتدوين إلكترونياً. إنه لا يهتم إلا بالفكرة، بقضيته الأسمى، بقضيتنا نحن جميعاً.

لم يتعامل مُراد مع الجدار كما كنت أتعامل معه. فكان يراه عدوه اللدود، كما يرى أن محاولاتي لخلق صداقة وطيدة مع الجدران ما هي إلا رؤية شاعرية مفرطة. الجدار لا يعني شيئاً سوى السجن، ثم يحدق بي بجدية وصرامة و يقول: "وهل يعني الجحيم سوى الجحيم؟!"... مجاز

ولم يتعامل مُراد مع الجدار كما كنت أتعامل معه. فكان يراه عدوه اللدود، كما يرى أن محاولاتي لخلق صداقة وطيدة مع الجدران ما هي إلا رؤية شاعرية مفرطة. الجدار لا يعني شيئاً سوى السجن، ثم يحدق بي بجدية وصرامة و يقول: "وهل يعني الجحيم سوى الجحيم؟!".

مُراد

مدينتي؟ مالك من مدينتي؟

فليس في ساحتها سوى الذباب و الحفر

وليس في حياتها سوى رفيق واحد هو الضجر.

كان عالمي محدوداً: الجريدة والكتابة. بعض الأصدقاء. المقهى والكثير من الكتب، والكثير الكثير من الملل.

لم يكن للتناقض وجود في حياتي إلى أن ظهرت ليلى.

تلك الفتاة الهاربة من زمن آخر. لا أعلم ماهية هذا الزمن بالتحديد. ربما لأنه لم يسبق له وجود، لذا أنعته بـ"الآخر"، فهو بكل تأكيد ليس زمننا الحالي.

إنها تلك الفتاة التي ستُحدثك عن الصحة وضرورة تناول الخضراوات وهي تُدخن سيجارة. ستشعر بالخجل عندما تُطري على مظهرها، ولكن ستسحبك من قميصك بعنف لتُقبلك وسط الجموع بلا خجل. ستشعر ليلى بالحزن صباحاً، وستعتزل الحياة ولكن ستجدها ترقص في شوارع المدينة ليلاً بخفة ومرح.

ستشاركك مناقشة مشكلاتك وصناعة قراراتك بواقعية شديدة، حتى تختفي فجأة من النقاش لتجدها غارقة في إحدى مقطوعاتها الموسيقية، أو بين سطور كتابها المفضل، وستبكي كل مرة على موت بطل القصة وكأنها أول مرة.

ربما تدخل الغرفة ذات مرة لتجدها تتحدث مع الأريكة أو التلفاز، ربما تجدها تشكر زوج أحذيتها عندما تعود إلى المنزل بعد يوم شاق و طويل، قائلة: "آسفة تقلت عليكم النهاردة!". ستحدثك عن حقوق الفقراء، و مدى كرهها لتلك النظم الرأسمالية اللعينة، ثم تعود لتتصرف كفرد من طبقة النبلاء.

تميل على كتفي بدون مقدمات قائلة إن الأبد فكرة سخيفة ومملة، وأنها تُفضل أن تبقى هنا جانبي على الأريكة بدلاً من النعيم الأبدي، ثم تعود لتسمع صوت موسيقاها المفضلة قادمة من مكان ما، فجأة فتندفع قائلة: "لابد أن هذه الموسيقى قادمة من الجنة!".

تقدس الصمت ولكن صوتها حولك دائماً. تكره الضعف ولكن لا تخشى الاعتراف به. قوية ومسؤولة إلى أقصى درجة، ولكنها ستبكي بين ذراعيك آخر كل ليلة من شدة الإرهاق والخوف. تمقت الحدود و القيود ولكنها لا تمانع صداقتهما!

قلقة وصاخبة، ولكنها لن تفشل أبداً في أن تمدك بالاطمئنان والدفء. ستغمرك بالسلام والهدوء بينما تشتعل في أعماقها الحروب و الصراعات.

تكره الحيرة ولكنها لا ترسو أبداً على ميناء فكري. تخاف التشرد و الضياع وتحارب الاستقرار. لا تحب منطقة الوسط، ولا تنتمي للمناطق الرمادية. تمقت الحلول الوسط وتحتقر الإنفعالات الوسط. تتلف الألوان جميعها ليظل الأبيض والأسود وحدهما في حياتها. تحب أو تكره، تبارك أو تلعن، هاربة دائماً من كل مناطق الحياد التي تقتلها.

أما أنا فكان عنوان حياتي الوحيد هو الضجر، وصديقتي المقربة هي الرتابة، وعندما جاءت ليلى صادقت ضجري ورتابتي، فإذا بالضجر يقدم استقالته وتنتحر الرتابة أمام عشوائية وحيوية ليلى.

ليتك هنا يا عزيزتي، فترين الضجر وهو يسبح حولي في الهواء. ليتك هنا فترين فتاكي العاجز وهو يحاول تنقية الهواء من الضجر، فإذا به يتنفسه.

ليلى

فيا شاب يا معْلِم، يا متعلم

أرقص على السلم.

جاءني خبر القبض على مُراد كالصاعقة. تُرى هل المساس بالأسرة المصرية وتقاليدها مُجدداً؟! التحريض على العنف والإرهاب عن طريق منشورات كتابية متمردة؟!

ما أسهل ابتداع التهم و الإلقاء بها في مدينتنا. ربما قريباً سيبتدعون تهماً جديدة تحت اسم "تهديد مستوى وتاريخ الكتابة المصرية" أو "المساس بشرف اللغة العربية وحروفها".

أخبره بأن القضية "ميؤوس منها". ينظر لي بحزن عميق أعرفه جيداً، إنها تلك العيون من جديد، عيون أمل دنقل

و ربما يلقون بهذه التهم على كل كاتب يتجرأ و يستعين ببعض الألفاظ الخارجة من "عاميتنا" الحبيبة، أو على كُتاب تلك الروايات والقصص القصيرة التي تربط أبطالها علاقات غير شرعية.

ولكن دائماً و أبداً تبقى الـ"أحا" هي التعبير المناسب، بل الأنسب للرد على هذا السخف الفكري.

أحياناً أتخيل أنه كان هناك متجر كبير "للحثالة الفكرية" لا يقربه أحد، ثم جاءت مدينتنا الحبيبة واتخذت من ذلك المتجر مقراً لها، واتخذت من حثالة الأفكار التي توجد به قوانين وتقاليد تحكم المدينة وسكانها التعساء.

قد تفاجئنا المدينة بقوانين و قواعد غريبة غير محتملة، قد يغلقون البارات والمقاهي حرصاً منهم على الأخلاق، ثم يغلقون المساجد و دور العبادة لأنها قد تكون أماكن لرعاية التطرف الفكري والجماعات الإرهابية، قد يغلقون المدينة بأكملها في تمام التاسعة مساءً. قد يغلقون كل شيء عدا أفواهنا. عدا فم مُراد.

لطالما كنت أظن أن الوطنية ما هي إلا "شعارات فارغة" و أن الدفاع الحقيقي يجب أن يكون من أجل الفكرة، من أجل الحرية، من أجل العالم و الإنسانية بأكملها، فأنا لا أرى أن ما يفرض عليَّ نوع القضايا والمبادئ التي أدافع من أجلها هو البقعة الجغرافية، فأنا أناضل من أجل العالم، من أجل الإنسان نفسه ومن أجل الفكرة، وليس من أجل بقعة جغرافية محددة تحيطها أسوار وحدود تفصلها عن إنسان آخر، عن فكرة أخرى. فالحرية هي التي تجمعنا دائماً، وإزالة الجدران والحدود هو كل ما نرجوه نحن أبناء الأرض.

أراه في غرفتي، في سجنك، في الحدائق، في المساحات المفتوحة قبل المغلقة، في صوت أمي، في الكتب السماوية، في صورنا المعلقة. أراه في وجوهنا، في عقولنا، في عيونك و عيوني، في صدري و صدرك، في خطواتنا المترددة. أراه في كل وقت. مع كل شروق و مع كل غروب، فالجدار يكمن في العالم ذاته... مجاز

كان يختلف معي مُراد في تلك الجزئية، فهو يدافع ويثور من أجل مدينته التي يعرفها، أو ربما مدينته التي كان يحاول جاهداً أن يتعرف عليها، ولكنها ترفض ذلك التعارف دائماً.

أخبره بأن القضية "ميؤوس منها". ينظر لي بحزن عميق أعرفه جيداً، إنها تلك العيون من جديد، عيون أمل دنقل.

يقول:

"وطني تبغ مخلوط

بالأوهام العطرية

من ذا يخرجني من وطني؟

إني أدمنت الوطنية..

وطني

حفرة قبر تتلقاني،

في أي مكان بالكرة الأرضية.".

مُراد

الحروف تموت على شفتي هنا. أحاول أن أكتب لليلى منذ عدة أيام ولكني أفشل في ترجمة شعوري إلى كلمات وجُمل. مؤخراً سمحوا لي بالقراءة و حيازة الكتب. ربما أستطيع مراسلة ليلى أيضاً. يوجد هنا الكثير من التجاوزات و التحايل على القواعد. ربما أتمكن من استغلال تلك التجاوزات.

و لكني حتى لا أعرف اسمها الثنائي! لا أعرف سوى ليلى.

أذكر أنني ستيقظت ذات يوم لأجد ليلى تقف أمام الثلاجة وتحدق بها بعنف. جلست أنا على الأريكة المقابلة، مُتابعاً ذلك المشهد الصامت. استدارت ليلى فجأة و وجهت نظرها نحوي وقالت بلهجة حادة: "أين ورقتي يا لص؟". تساءلت مُتعجباً: "أية ورقة؟".

حاولت ليلى أن تتابع كلامها ولكن بلعثمة شديدة. قالت: "أقصد تلك الضمانات اللعينة، ياإلهي. كم هذا مضحك ومؤسف. لماذا علينا أن نمتلك ورقة قبل أي شيء؟ الورقة أهم من أي شيء. ربما أهم من الحب ذاته. في الواقع هي مجموعة أوراق تماماً كعقود البيع والشراء. هل دفعت الثمن المطلوب؟ هل كتبت الورقة؟ هل سجلتها في الشهر العقاري؟!

إذن الآن تمت البيعة وربحت الصفقة المنشودة، وكتبنا قائمة عريضة تضمن لنا استرداد الثلاجة، لا قدر الله، في حالة الانفصال. لا تنسى! الإثباتات في مدينتنا مهمة للغاية".

ثم صرخت بي و قالت: "تباً للإثباتات و الضمانات يا مُراد، أنا لا أعرف سوى ذلك الشعور. شعوري بمسام جلدي وهي تذوب كمكعب من الثلج داخل جلدك إلى أن نتحد تماماً، لا أهتم سوى بهذا الشعور، أتفهم ذلك؟

إنه نوع خاص من الذوبان، لا يوجد فيه مذيب و مذاب كما الكيمياء، ولكن يوجد فيه ما هو أعقد من ذلك، و ربما تعقيده يكمن في بساطته ليس إلا. لا يمكننا أن نتحدث بحرية أو نتلامس أو نبكي سوياً دون الورقة و الإثبات اللعين".

لا يتبقى سواي. أنا في مواجهة مباشرة مع ذاتي. مع الجدار. مع المعلقات. مع صوتي المبحوح و شعري الأشعث، ومع عيوني المرهقة الذابلة و الهالات السوداء التي تزينها. اليوم أنا سجينة ذاتي. سجينة كُتبي و أشعاري المفضلة. سجينة موسيقاي. سجينة كل الأشياء التي أحببتها... مجاز

اقتربتْ من الأريكة و جلست إلى جانبي، التصقت بي و اختبأت داخلي و بكت. قالت بيأس: "كنت أتمنى أن يكون العالم أبسط أو على الأقل كما أراه أنا".

عزيزتي ليلى، الآن فقط أدركت أنه لو كان لدينا تلك الورقة "اللعينة" لكنت عرفت اسمك الثنائي!

ليلى

لو كنت أعلم أنني

سأذوب شوقاً في الألم

لو كنت أعلم أنني

سأصير شيئاً من عدم

لبقيت وحدي

أنشد الأشعار في دنيا بعيدة.

وصلني خطاب مُراد عن طريق صديق له يعرف عنوانه و اسمه بالكامل.

لم أشعر بالرغبة في أن أكتب له أو أن أراسله من الأساس.

إنه سبتمبر. الخريف من جديد. الصباح البائس. الشرفة الباهتة. أوراق الأشجار الصفراء المتساقطة وصوت خشخشتها المتتابع كلما وطئت عليها قدم.

لا يتبقى سواي

أنا في مواجهة مباشرة مع ذاتي. مع الجدار. مع المعلقات. مع صوتي المبحوح و شعري الأشعث، ومع عيوني المرهقة الذابلة و الهالات السوداء التي تزينها.

اليوم أنا سجينة ذاتي. سجينة كُتبي و أشعاري المفضلة. سجينة موسيقاي. سجينة كل الأشياء التي أحببتها.

اليوم أنا سجينة خوفي. سجينة قبحي. سجينة أوهامي. سجينة كل الأشياء التي كرهتها.

اليوم يا عزيزي لا يوجد فرق بيننا؛ لذلك لم أكتب لك.

ماذا عليَّ أن أخبرك؟ ما الذي يمكنني قوله؟

لا شيء..

اللاشيء كان و مازال حولنا دائماً، نعيشه دائماً، كنا فقط نحاول عبثاً إبعاده عن أفكارنا، كنا نحاول أن نخلق منه شيئاً، إلى أن أماتنا هو.

تمددت على الأريكة. دفنت نفسي تحت الأغطية. ألقيت نظرة على الجدار. أدركت أن معرفة معناه غاية لا تدرك. أدركت أنه أوسع و أعلى بكثير مما يبدو عليه. أدركت أنه حولنا في كل مكان. إنه العالم و تمتد أسواره إلى السماء.

أراه في غرفتي، في سجنك، في الحدائق، في المساحات المفتوحة قبل المغلقة، في صوت أمي، في الكتب السماوية، في صورنا المعلقة.

أراه في وجوهنا، في عقولنا، في عيونك و عيوني، في صدري و صدرك، في خطواتنا المترددة.

أراه في كل وقت. في الصباح و في المساء، مع كل شروق و مع كل غروب، فالجدار يكمن في العالم ذاته.

اليوم يا عزيزي وإلى الأبد، أنا سجينة الجدار والأحلام الوردية وأوهام الحرية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard