الملك الأردني قلق من إسرائيل-الإمارات-السعودية... القضاء على "تمرّد" شقيقه حمزة لم يمرّ

الأربعاء 1 يونيو 202201:03 م


رسالة غير مسبوقة كان قد وجهها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، عصر يوم الخميس 19 أيار/ مايو 2022، حول شقيقه الأمير حمزة، حملت في طياتها رسائل عدة موجهة إلى الشعب الأردني، وإلى شقيقه حمزة، ورسالة "قوية" إلى الخارج، وتحديداً إلى الإدارة الأمريكية.

يرى البعض أنّ أحد الأسباب التي دفعت العاهل الأردني إلى إصدار البيان الأخير، هو خلاف كان قد نشب في أول أيام عيد الفطر، بين الأمير حمزة ورئيس الحرس الخاص التابع للحرس الملكي والمختص بـ"مرافقته"، لكنّ آخرين يرون أنّ المسألة أبعد من ذلك بكثير، وتتعلّق بالتدخلات الخارجية في الشأن الأردني، ومنها تدخلات سعودية-إماراتية، وأنّ هناك صراعاً خفياً تدور رحاه على الأردن وخضوعه؛ للمظلة البريطانية أو للمظلة الأمريكية؟

العاهل الأردني كان قد طلب من الإدارة الأمريكية بقيادة جو بايدن، إعطاءه الحصانة الكاملة، ودعم عرشه والوصاية الهاشمية على المقدسات، وإعطاءه الصلاحية الكاملة في كيفية التصرف في ملف الأمير حمزة.

الأسباب التي دفعت العاهل الأردني إلى إصدار البيان الأخير، هو خلاف كان قد نشب في أول أيام عيد الفطر، بين الأمير حمزة ورئيس الحرس الخاص التابع للحرس الملكي

الأسباب والخلفيات

الرسالة الأخيرة حملت لهجةً شديدةً وصارمةً تجاه الأمير حمزة، وسعت في مضمونها الأساسي، إلى الإشارة إلى أنّ الأمير بات إشكاليةً وعائقاً حقيقياً أمام استتباب الحكم، وتهديداً للعرش، ولهذا قرر الملك عبد الله كما ذكر في رسالته، "الموافقة على توصية المجلس المشكّل بموجب قانون الأسرة المالكة، بتقييد اتصالات الأمير حمزة وإقامته وتحركاته".

وتزامنت الرسالة مع عودة الملك عبد الله من زيارة إلى واشنطن استمرت أياماً عدة، وفُسرت بأنّه أخذ الضوء الأخضر من الرئيس الأمريكي جو بايدن، بعد لقائه به في واشنطن.

يستبعد رئيس المنظمة ‏الأردنية للتغيير، حسام العبداللات، هذا الأمر، "لأنّ الولايات المتحدة منشغلة بملفات أخرى على رأسها ملف الحرب الروسية-الأوكرانية، وليست من أولوياتها الأزمات الداخلية التي يواجهها الأردن"، مؤكداً أنّ الأهمية السياسية للأردن جيو-سياسية، كونها قريبةً من فلسطين المحتلّة".

ويضيف في هذا السياق: "أصبحت العلاقات بين تل أبيب وعواصم عربية وخليجية متطورة بشكل كبير، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني، وتالياً الدور الأردني السياسي والأمني وهامش المناورة تجاه إسرائيل تمّ تقليصهما لأنّ العلاقة بين الأخيرة والعالم العربي أصبحت أكبر من الدور السياسي الذي كان يمارسه الأردن".

برأي العبداللات، "توقيت الرسالة كان مبرمجاً، لأنّه لا يمكن ترك ملف الأمير حمزة مفتوحاً على مصراعيه، فكلما حدثت أزمة في الداخل الأردني، كارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة أو أزمة المعتقلين السياسيين، يكون ملف الأمير حمزة حاضراً ومطروحاً".

حاول الملك الأردني أن ينتزع موافقة الإدارة الأمريكية على "إنهاء" ملف شقيقه الأمير حمزة لكنه على ما يبدو لم ينجح، فيما يبدو أن الصراع الداخلي في الأردن لن ينحصر قريباً مع "القلق" الذي يشكله حمزة لأخيه وتداخل مصالح العديد من الدول في الداخل الأردني

في المقابل، يقول عبداللات إن "ما يُسمّى بالفتنة لم يرقَ إلى أن يكون انقلاباً على حكم العاهل الأردني، وحتى الاتهامات بالتواصل مع سفارات أجنبية من قبل الأمير حمزة والشريف حسن بن زيد، لم ترقَ إلى ادعاءات النظام بوجود انقلاب عسكري عليه، إذ تحولت شخصية الأمير حمزة إلى شخصية رمزية من قبل الشعب الأردني، وازدادت شعبيته في الشارع، لمواجهة حالة ازدياد الفساد في أوساط النظام السياسي الأردني، وحالة التغوّل السياسي من قبل المقربين من العاهل الأردني، لأنّ الشارع الأردني يريد البديل بأي طريقة ووسيلة، لاستبدال المنظومة السياسية الحالية".

الصراع البريطاني الأمريكي

برأي عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية الأردنية، محمد الروسان، فإنّ "الجانب الأمريكي يعبث بالأردن، وهناك صراع بريطاني-أمريكي عميق تحت الطاولة، حول النفوذ في الأردن الذي كان سابقاً تحت المظلة البريطانية"، مشيراً إلى أنّ الملك عبد الله حينما تسلم الحكم، نقل الأردن من المظلة البريطانية إلى المظلة الأمريكية، الأمر الذي أدى إلى معاناة الأردن إقتصادياً وظهرت بعدها تفجيرات عمان في عام 2005، ورُفع الغطاء الأمني عن الأردن، وبعد 15 عاماً شعر الملك بخطورة ما أقدم عليه، لكنّ البريطانيين لا يزالون مستمرين في معاقبة المملكة.

يضيف: "عندما رفضت واشنطن أن توقع على ما أراده الملك عبد الله في ما خص ضمان ملف ولاية العهد لنجله الحسين، وملف الوصاية على المقدسات، ولمس لدى عودته عدم التعاون الأمريكي، سارع إلى إصدار الرسالة الأخيرة للشعب بخصوص الأمير حمزة"، مشدداً على أنّ الرسالة هي رسالة إلى الأمريكي في الدرجة الأولى.

ويشير الروسان، إلى أنّ "كلاً من السعودية والإمارات تعبثان في الداخل الأردني، واحتجاز الأمير حمزة يعني أنّ رئيس الديوان الملكي السابق باسم عوض الله، باقٍ في السجن، والمفاوضات السرية التي تجري بين المخابرات الأردنية والاستخبارات السعودية قد توقفت، لأنّ شرط ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لتحسين العلاقات الأردنية-السعودية، كان الإفراج عن عوض الله الذي يحمل الجنسية السعودية، والذي كان مستشاراً خاصاً له، إذ وضع عوض الله الأسرار الأردنية على الطاولة السعودية".

 الملكة رانيا العبد الله، عقيلة الملك الأردني، هي من تدير ملف الأمير حمزة بالكامل، وهي المسؤولة عن التسريبات والأخبار المتعلقة بالأمير

ومن هنا فإنّ الرسالة الأخيرة التي أصدرها العاهل الأردني هي بمثابة العملية الاستباقية لردع العبث الأمريكي-السعودي-الإماراتي، ويشدد الروسان على أنّ الإسرائيليين يريدون شطب النظام الأردني وإنشاء نظام سياسي بديل برؤية جديدة.

دور الملكة

بعتقد الناطق الرسمي باسم الحركة الفكرية الأردنية المعارضة، عمر النظامي بني مصطفى، أنّ الملكة رانيا العبد الله، عقيلة الملك الأردني، هي من تدير ملف الأمير حمزة بالكامل، وهي المسؤولة عن التسريبات والأخبار المتعلقة بالأمير، مشيراً إلى أنّ "حمزة قيد الإقامة الجبرية، ورهن الاعتقال منذ أحداث الفتنة، وممنوع من الخروج من مقر إقامته، ولا يزال معتقلاً بشكل رسمي ومقيداً في تحركاته واتصالاته هو وعائلته، ولا يعيش حياةً طبيعيةً"، مضيفاً أنّ الملكة رانيا تسعى إلى التلاعب في قضية الأمير حمزة بكافة الوسائل والطرق الممكنة وبثّ التسريبات والشائعات حوله لتشويه سمعته وصورته أمام الشعب الأردني.

كذلك، يرى النظامي أنّ "الكثير من شرائح الشعب الأردني والأمير حمزة، يبدون اعتراضهم على تعيين الأمير الحسين، نجل الملك عبد الله الثاني، في منصب ولي عهد الأردن، فشخصيته غير مقبولة وغير مرغوبة في أوساط الشارع الأردني"، مشدداً على أنّ الظروف الراهنة التي تمرّ بها البلاد تجعله غير مؤهل ليتولى حكم الأردن، وهذا ما يدور في أروقة المجالس الخاصة بالعشائر والقبائل الأردنية.

ويكشف النظامي عن السبب الذي دفع العاهل الأردني إلى توجيه الرسالة الأخيرة إلى الأردنيين بخصوص الأمير حمزة، والذي يتمثل في المناوشات التي حدثت بينه وبين الحرس الملكي الخاص المكلف بمرافقته وحراسته في أول أيام عيد الفطر، الأمر الذي استفز العاهل الأردني وأغضبه ودفعه إلى توجيه الرسالة الأخيرة، في ظل شعوره المتزايد بأنّ الأمير حمزة لا يزال يشكل تهديداً متزايداً ومستمراً على عرشه.

"سعى الملك عبد الله خلال زيارته إلى واشنطن، إلى الحصول على التغطية من الإدارة الأمريكية، تمهيداً لتصفية حمزة سياسياً، والعاهل الأردني قدّم تنازلات في مقابل التغاضي عن ملف شقيقه حمزة، تمثلت في تقديم وعود من الأردن بتكثيف الجهود لمكافحة الإرهاب في المنطقة والتنظيمات المتشددة في الصومال والعراق ودول إفريقيا على المستويين الأمني والعسكري، بالإضافة إلى التعهد بفتح المجال أمام واشنطن لإنشاء المزيد من القواعد الأمريكية في الأردن"، يقول النظامي.

مجلس العائلة ودستوريته

يُعدّ مجلس العائلة المالكة الذي عُقد قبيل توجيه الرسالة، ومن خلاله تقرر تقييد تحركات الأمير حمزة واتصالاته وإقامته، بأنه إطار قانوني ينصّ عليه قانون المجلس المستمر منذ عام 1937، وقد انعقد للمرة الأولى قبل أكثر من 85 عاماً، بمعنى أنّ هذه هي المرة الأولى بعد هذا التاريخ التي تضطر فيها الدولة إلى تفعيل قانون العائلة المالكة.

أصدر العاهل الأردني أمراً بالموافقة على رأي "مجلس الأسرة المالكة" المشكل بموجب المادة (8) من قانون الأسرة المالكة، والذي يتضمن تقييد اتصالات أخيه الأمير حمزة

وتؤكدّ مصادر مطلعة أنّ قرار مجلس العائلة المالكة الأردني بشأن الأمير حمزة، قد اتُخذ قبل خمسة أشهر بعد مناقشة ملف الأمير ودوره في "التحريض السياسي والاقتصادي على النظام السياسي في الأردن، وبقي في مكتب الملك حتى لحظة صدور القرار بعد الزيارة التي قام بها إلى الولايات المتحدة".

وفي هذا السياق، يرى عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية الأردنية، محمد الروسان، أنّ الملك الأردني لمس ميوعةً في الموقف الأمريكي الذي لا يزال يعبث بالملف الأردني، مشيراً إلى أنّه عندما تقدم الوفد الأردني المرافق للملك في أثناء زياته الأخيرة إلى واشنطن، بخطة من أجل التوقيع والإقرار بضمان الوصاية الهاشمية ودعمها، فإنّ الإدارة الأمريكية رفضت ذلك واكتفت بإعطاء موقف شفوي، وهنا أدرك العاهل الأردني أنّ الأمريكيين يريدون الاستمرار في العبث في الملف الأردني.

في المقابل، يقول النظامي إنّ "مجلس العائلة الحاكمة هو مجلس خاص بالعائلة الهاشمية، وتمرير شخصيات من خارج هذه المنظومة يُعدّ تجاوزاً للدستور الأردني اﻟﺼﺎدر ﻋﺎم 1952، وتحديداً في البند المتعلق بالدولة ونظام الحكم فيها"، منبّهاً إلى أنّ الدستور كفل حفظ العائلة وكرامتها، متسائلاً في الوقت نفسه لماذا لم يتم إدراج الأمير حسن عم العاهل الأردني كونه حكيم العائلة وكبيرها من ضمن شخصيات المجلس؟

ويتشكل مجلس الأسرة المالكة من الأمير علي بن الحسين رئيساً، وعضوية كل مـن رئيس الوزراء بشر الخصاونة، ووزير الدولة لشـؤون رئاسـة الـوزراء/ عضـو الحكومة المعيّن من قبل رئيس الـوزراء إبراهيم مشهور الجازي، وقاضي القضاة عبد الحافظ الربطة، ورئيس محكمة التمييز محمد الغزو.

وغالبية الأسماء ليس لها ارتباط بالعائلة الهاشمية، وهذا ما يعدّه البعض أمراً مستغرباً، إذ من الضروري أن يحتوي المجلس على شخصيات من العائلة المالكة كونه يُعنى باتخاذ قرارات تختص بها.

يشير النظامي إلى أنه "لا يحقّ لا لقائد الجيش ولا لمدير المخابرات ولا لأي جهة سيادية في البلاد التدخل في الشأن الداخلي للعائلة، وهذا ما ترجمه النقاش الحاد بين الأمير حمزة وقائد الجيش الأردني اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي، الذي نقل له رسالةً باسمه واسم مديري الأجهزة الأمنية، وبضوء أخضر من العاهل الأردني، مفادها أن تحركاته الأخيرة تجاوزت الخطوط الحمراء".

ويتساءل النظامي في سياق حديثه: "أي قانون وأي دستور يسوّغ التدخل ويشرعنه في أوساط العائلة الحاكمة؟ هذا ما يسعى إليه المجلس الأخير الذي توحي تسميته الرسمية بأنه يتشكّل من أعضاء الأسرة الملكية في الأردن، لكنّ المجلس اتضح أنّه يهدف إلى اتّخاذ قرارات تخص الأسرة المالكة، ويتشكل من عضو من أعضاء الأسرة المالكة يعيّنه الملك، ورئيس الوزراء، وعضو من الحكومة يعيّنه رئيس الوزراء، وقاضي القضاة، ورئيس محكمة الاستئناف".

وكان العاهل الأردني قد أصدر أمراً بالموافقة على رأي "مجلس الأسرة المالكة" المشكل بموجب المادة (8) من قانون الأسرة المالكة لسنة 1937، في الجريدة الرسمية، والذي يتضمن تقييد اتصالات أخيه الأمير حمزة بن الحسين وإقامته وتحركاته ضمن المكان الذي يُحدَّد له.

ولهذا المجلس صلاحيات واسعة تتعلق بإبداء الرأي في أي مسألة ذات صلة بالأسرة الحاكمة، كما أنّه يمارس جميع صلاحيات المحكمة القضائية في مسائل الأحوال الشخصية التي يكون أحد الفرقاء فيها من أعضاء الأسرة المالكة، على الرغم من وجود عنصر قضائي واحد فقط في تشكيله.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard