"أسرار سويسرية"... عن مليارات ملك الأردن وأبناء مبارك ورجاله المخبأة في "كريدي سويس"

الاثنين 21 فبراير 202212:54 م

كشف تسريب هائل لبيانات عشرات آلاف العملاء في أحد أكبر البنوك الخاصة في العالم، وأحد أشهر المؤسسات المالية في سويسرا، عن مليارات الدولارات التي خبأها مسؤولون مرموقون ورجال أعمال عرب، ومنهم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.

يتعلق التسريب الذي أُطلق عليه "أسرار سويسرية" (Suisse Secrets) بمالكين سرّيين لـ 80 مليار جنيه إسترليني (أكثر من 100 مليار دولار أمريكي) في البنك السويسري "كريدي سويس" Credit Suisse، بما في ذلك أكثر من 18 ألف حساب مرتبطة بـ 30 ألف عميل، بينهم "مجرمون ومحتالون وسياسيون فاسدون" ومسؤولون سابقون متورطون في التعذيب وتجارة المخدرات والإتجار بالبشر وغسيل الأموال والفساد والجرائم الخطيرة الأخرى.

ونشر التسريب مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP) الذي يضم أكثر من 160 مراسلاً في 48 وسيلة إعلام لم تكن أي منها سويسرية إذ يحظر قانون عام 2015 على الصحافيين هناك كتابة مقالات بناءً على بيانات مصرفية داخلية.

وسرّب المشروع بيانات البنك لفضح تعاملاته السرية "غير الأخلاقية" فكشف عن "إخفاقات واسعة النطاق في بذل العناية الواجبة من قبل البنك، على الرغم من التعهدات المتكررة على مدى عقود للتخلص من العملاء المشكوك فيهم والأموال غير المشروعة"، بحسب "الغارديان".

ذكرت الصحيفة البريطانية التي كان لديها وصول حصري إلى البيانات المسربة: "تولى البنك بشكل متكرر فتح أو الاحتفاظ بحسابات مصرفية لمجموعة بانورامية من العملاء المعرضين لمخاطر عالية في جميع أنحاء العالم".

خرج التسريب أولاً عبر صحيفة "Süddeutsche Zeitung" الألمانية ثم عبر مجموعة صحف عالمية مثل "الغارديان" و"نيويورك تايمز". ولفت مصدر التسريب في بيان: "أعتقد أن قوانين السرية المصرفية السويسرية غير أخلاقية"، وأن "ذريعة حماية الخصوصية المالية هي مجرد ورقة توت تغطي الدور المخزي للبنوك السويسرية كمتعاونة مع المتهربين من الضرائب".

وكشف التسريب كذلك عن فضائح مدوية لشخصيات عامة ومشاهير وحتى مؤسسات دينية مرموقة مثل الفاتيكان. إذ أظهر استخدام حساب مملوك للفاتيكان في إنفاق 290 مليون جنيه إسترليني (نحو 400 مليون دولار) في استثمار احتيالي مزعوم في عقار بلندن متنازع عليه في محاكمة جنائية جارية متهم فيها العديد من المتهمين، أحدهم كاردينال.

امتلك ستة حسابات، بما في ذلك حساب تجاوز رصيده 224 مليون دولار أمريكي… تسريبات "أسرار سويسرية" تكشف عن ثروة الملك عبد الله الثاني المخبأة في بنك "كريدي سويس"، والديوان الملكي الهاشمي يقول إنها "ثروة خاصة" 

مليارات آل مبارك ورجاله

في ما يتعلق بالشرق الأوسط والعالم العربي، أوضح مشروع "OCCRP" أن مصر هي أكثر دولة يمتلك مواطنوها حسابات في البنك، 2000 حساب، بالإضافة إلى فنزويلا. أبرز العملاء المصريين نجلا الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، علاء وجمال، اللذان افتتحا أول حساب مشترك في "كريدي سويس" عام 1993. بمرور الوقت، أصبحا يمتلكان ستة حسابات، أحدها بلغ رصيده نحو 196 مليون دولار عام 2003. وعام 2010 - العام الذي سبق ثورة 25 يناير التي أطاحت والدهما - بلغ رصيد حساب يملكه علاء 138 مليون جنيه إسترليني (188 مليون دولار).

وفي بيان لصحيفة "نيويورك تايمز"، رفض محامو آل مبارك التعليق على حسابات محددة، واكتفوا بالقول إن الإيحاء بأن أياً من أصول نجلي مبارك "ملوث أو غير قانوني أو نتيجة إساءة سلطة أو استخدام للنفوذ" سيُعتبر "ادعاء لا أساس له من الصحة، وتشهيراً"، مع إشارة إلى أن جميع الأصول التي يمتلكانها نتجت عن "أنشطتهم التجارية المهنية الناجحة".

يشار إلى أنه عقب ثورة يناير، تحديداً عام 2015، حكمت محكمة مصرية على مبارك ونجليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الاختلاس والفساد. وبعد فشل الاستئناف على الحكم، دفع علاء وجمال نحو 17.6 مليون دولار للحكومة في اتفاق تسوية لم يعترفا خلاله بالذنب. ويشدد مدافعون عن الأسرة على أن القضية كانت ذات دوافع سياسية.

العديد من عملاء البنك السويسري الآخرين يمكن وصفهم بـ"رجال مبارك" إذ ارتبطوا بنظام حكمه، منهم قطب المال وصديق مبارك، الراحل حسين سالم - الذي عمل مستشاراً اقتصادياً لمبارك نحو ثلاثة عقود. اتّهم سالم أيضاً بالفساد وغسيل الأموال. كان لدى الرجل عدة حسابات في "كريدي سويس"، رصيد أحدها 79.3 مليون دولار عام 2003.

الملياردير هشام طلعت مصطفى، رجل الأعمال والعضو السابق البارز في حزب مبارك، الذي أدين في عام 2009 بتوظيف قاتل محترف لقتل صديقته السابقة الفنانة اللبنانية سوزان تميم، هو من عملاء البنك أيضاً، ولم يُغلق حسابه حتى عام 2014، رغم إدانته.

رئيس المخابرات السابق عمر سليمان هو أحد أتباع مبارك الذين استفادوا من الخدمات المصرفية لـ"كريدي سويس". كان لديه حساب بلغ رصيده 26 مليون جنيه إسترليني (35 مليون دولار) عام 2007.

العاهل الأردني المسؤول الحالي الوحيد 

أما الملك عبد الله الثاني، فهو أحد المسؤولين القلائل الذين ما زالوا في السلطة وشملتهم التسريبات، والمسؤول العربي الحالي الوحيد تقريباً. ويشير "أسرار سويسرية" إلى أن العاهل الأردني امتلك ستة حسابات في "كريدي سويس"، أحدها تجاوز رصيده 224 مليون دولار.

وفق المعلومات المتوفرة، فتح العاهل الأردني حسابين في البنك السويسري لأول مرة عام 2011، بينما كانت تتعرض العديد من أنظمة الحكم في الدول العربية المجاورة إلى ثورات شعبية. ويبقى من حسابات الملك حساباً واحداً  مفتوحاً إلى الآن. في حين ورد أن زوجته الملكة رانيا هي الأخرى تمتلك حساباً في البنك نفسه. 

مصر هي أكثر دولة يمتلك مواطنوها حسابات في البنك: 2000 حساب. نجلا مبارك وبعض رجاله في الصدارة يملكون مليارات الدولارات، ومعهم عدد من رجال المخابرات والمؤسسة العسكرية وأفراد أسرهم

رداً على ما ورد في التسريب، قال الديوان الملكي الهاشمي في بيان إنه لم يكن هناك "سلوك غير قانوني أو غير لائق" في ما يتعلق بالحسابات المصرفية للملك، مع إشارة إلى أن بعضها هو ثروة خاصة للملك استُخدمت في النفقات الشخصية ومشاريع ملكية لمساعدة الأردنيين وصيانة المقدسات الإسلامية في القدس لأنه الوصي عليها.

وفي عداد الشخصيات الاستخباراتية والعسكرية وأفراد عائلاتهم، من مصر واليمن والعراق والأردن، التي وردت أسماؤهم في التسريب، سعد خير، رئيس المخابرات الأردنية بين عامي 2000 و2005، وقد امتلك حساباً في "كريدي سويس" بلغ رصيده 21.6 مليون دولار، قبل إغلاقه عام 2014 عقب وفاة صاحبه عام 2009.

زوجة خير هي الأخرى كان لديها حساب رصيده 5.9 مليون دولار عام 2010. وأغلق أيضاً عام 2014.

ولاحظ القائمون على نشر التسريبات صلة بين تضخم أرصدة رؤساء مخابرات عرب بارزين، مثل خير وسليمان، في البنك السويسري، وبين الغزو الأمريكي للعراق لإطاحة صدام حسين عام 2003، مع تلميح قوي إلى كونهم "حلفاء رئيسيين" للولايات المتحدة في حربها المزعومة على الإرهاب.

وورد أيضاً أن الأرصدة "من دون مصادر واضحة للدخل الشخصي يمكن أن تفسر الثروة" وأنه "كان لأصحابها أدوار في التدخلات الأمريكية الرئيسية في الشرق الأوسط وأفغانستان".

أما أحد العملاء الجزائريين للبنك فهو خالد نزار، رابع رئيس أركان للجيش الجزائري ووزير الدفاع حتى عام 1993. فتح نزار حسابه عام 2004، لكن رصيده لم يتجاوز 900 ألف جنيه إسترليني (مليون و200 ألف دولار أمريكي) وظل مفتوحاً حتى عام 2013، أي بعد عامين من اعتقاله في سويسرا للاشتباه في ارتكابه جرائم حرب.

وقد تشهد الأيام المقبلة الكشف عن مزيد من الشخصيات العربية التي امتلكت أو لا تزال تمتلك حسابات في "كريدي سويس".

افتتح جمال وعلاء مبارك أول حساب مشترك في "كريدي سويس" عام 1993. بمرور الوقت، أصبحا يمتلكان ستة حسابات، أحدها بلغ رصيده نحو 196 مليون دولار في عام 2003. وعام 2010، بلغ رصيد حساب يملكه علاء 188 مليوناً

تبعات التسريب 

في بيان، رد البنك السويسري موضحاً أنه "يرفض بشدة المزاعم والاستنتاجات المتعلقة بالممارسات التجارية المزعومة للبنك"، معتبراً أن التسريب جزء من "جهود متضافرة لتشويه سمعة البنك والسوق المالية السويسرية، التي شهدت تغيرات كبيرة على مدى السنوات الماضية".

وأشار إلى أن الأمور التي كشف عنها الصحافيون تستند إلى "معلومات انتقائية مأخوذة من السياق، مما أدى إلى تفسيرات متحيزة لأعمال البنك". وذكر أيضاً أن بعض المعاملات المسربة تعود إلى وقت كانت فيه "قوانين وممارسات وتوقعات المؤسسات المالية مختلفة تماماً عما هي عليه الآن".

ونوهت "الغارديان" بأنه في حين أن بعض الحسابات الواردة في التسريب كانت مفتوحة منذ أربعينيات القرن الماضي، فقد فُتح أكثر من ثلثيها منذ عام 2000. علماً أن العديد من هذه الحسابات فُتح العقد الماضي، ولا يزال بعضها مفتوحاً حتى اليوم.

ويخالف البنك - إن صح التسريب - أحد أهم مبادئ الإدارة المصرفية الأساسية "تحقق من عميلك" أو "اعرف عميلك". والعناية الواجبة ليست فقط للعملاء الجدد بل يتعين على البنوك إعادة تقييم العملاء الحاليين باستمرار.

لذا، قد تكون تداعيات التسريب أوسع بكثير من التأثير على بنك واحد، وهذا ما يهدد بحدوث أزمة لسويسرا، التي تحتفظ بواحد من أكثر قوانين البنوك سرية في العالم. تدير المؤسسات المالية السويسرية نحو 7.9 تريليون فرنك سويسري (تسعة تريليونات دولار أمريكي) من الأصول، نصفها تقريباً مملوك لعملاء أجانب.

ويسلط "أسرار سويسرا" الضوء بشكل نادر على أحد أكبر المراكز المالية في العالم، والذي اعتاد العمل في الظل. ويحدد المشبوه فيهم والمدانين الذين تمكنوا من فتح حسابات مصرفية وإبقائها مفتوحة على مدى سنوات بعد ظهور جرائمهم. ويكشف أيضاً كيف ساعدت قوانين السرية المصرفية الشهيرة في سويسرا في تسهيل نهب البلدان في العالم النامي.

طورت البنوك السويسرية سمعتها الموثوق بها منذ عام 1713، عندما منع مجلس جنيف المصرفيين من الكشف عن تفاصيل تتصل بالثروات التي يودعها الأرستقراطيون الأوروبيون. سريعاً، أصبحت سويسرا ملاذاً ضريبياً للعديد من النخب في العالم.

وكُرّست هذه السمعة بقانون عام 1934، وهو قانون السرية المصرفية السويسري، الذي يجرم الكشف للسلطات الأجنبية عن المعلومات المصرفية للعملاء. في غضون عقود، تدفق العملاء الأثرياء من جميع أنحاء العالم على البنوك السويسرية.

ومن المرجح أن تؤدي التسريبات الأخيرة إلى تكثيف التدقيق القانوني والسياسي للقطاع المصرفي السويسري، وعلى وجه الخصوص "كريدي سويس"، لا سيّما أنها تلت عدة تسريبات تفضح الأعمال السرية للبنوك وشركات المحاماة ومقدمي الخدمات المالية الخارجية، على غرار "أوراق باندورا" و"أوراق بنما".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard