"حتى تجي رجلك في فراشي وراسك عند راسي"... طقوس جلب وتملّك الحبيب

الخميس 9 يونيو 202210:30 ص
Read in English:

Until you set foot in my bed and your head lies by mine”... Rituals to ensnare a lover

يندرج المقال في ملف عن السحر أعدته وأشرفت عليه أحلام الطاهر

"استيقظْ فجراً قبل شروق شمس يوم جمعة، وتوجّهْ لبستان فواكه. اقطفْ من شجرة بديعة أجمل تفاحاتها. اكتبْ بدمك على ورقة بيضاء صغيرة في سطر اسمك كاملاً، ثم على السطر التالي اسم الشخص المطلوب. على ورقة بيضاء ثانية اكتبْ كلمة واحدة: (بثشبع). اطو الورقتين، واربطهما بثلاث شعرات منك وبثلاث من الشخص المطلوب. اقسم التفاحة بالنصف وتخلّص من بذورها، وضع الورقتين الصغيرتين مكانهم. اجمع نصفي التفاحة وضعها في الفرن حتى تجفّ، ثم لفّها بورق غار وخبئها تحت درج سرير الشخص المطلوب دون معرفته"... هذه الوصفة الشعبية جاءت في كتيب ألبير الصغير (1990)، وهو كتاب في السحر انتشر في فرنسا خلال القرن التاسع عشر، ويقدم أدوات لاستدعاء وتملّك المحبوب.

حان الوقت كي نتحدّث عن الرغبة والحب بوصفهما صناعة. فمن منّا لم يطمح ولو مرّةً في حياته لأن يتوصّل لوصفة سحرية تمكّنه من إثارة المشاعر العاطفيّة في قلب المحبوب؟ هي فانتازمات تتّخذ مع توبي ناتان، أستاذ علم النفس في جامعة باريس الثامنة، شكلها الواقعي الملموس. ففي كتابه سحر الحب (2013)، يعتمد المختصّ في أنثروبولوجيا التحليل النّفسي على القوى اللاّمرئيّة التي تُدير شؤون الحب، ويضيء لنا دروب السحر، ابتداء من كنيسة نوتردام الباريسية، وصولاً إلى بلاد ما بين النهرين. لا يؤمن ناتان بعفوية المشاعر، بل بممارسات الأجداد القدامى ومختلف الوصفات السحرية والصلوات والطقوس لإشعال نار الحب في أيّ وقت، ولا يتحرج من شرح كيفية عمل حجاب لجلب المحبوب في قاعة المحاضرة، وهو يحذّرنا من لا جدوى اللّجوء إلى أخصّائي نفسي (مثله) من أجل إيقاع المرغوب في شركنا، أو إنقاذ ما تبقى من حطام حياتنا العاطفية، فثمة دائماً شامان أو ساحر على مقربة منا، يقدم حلولاً أكثر نجاعة.

في محاضرة بعنوان "هل من الممكن أن نجعل أحدهم يقع في الحب"، يقول ناتان: "ينبغي أن نكون ثلاثةً على الأقل كي نتوصّل لخلق مشاعر حب حقيقية. ومن المستحسن أن نُشرك طرفاً ثالثاً وألاّ نعلن عن حبّنا للشخص المُشتهى. الطرف الثالث فقط هو الذي عليه أن يقوم بالإعلان كي يتحقق الحب".

حان الوقت كي نتحدّث عن الرغبة والحب بوصفهما صناعة... ملف السحر وتحويل العالم على ما نشتهي

ودائماً ما نجد في القصص الكلاسيكيّة طرفاً ثالثاً فاعلاً، مثل "برانجيان" في قصة تريستان وإيزولت، أو الأخ لوران في قصة روميو وجولييت. كما يمكن أن نلجأ لإله، أو لعرّاف أو شخصٍ مؤثر أو ببساطة نطلب من أحد أصدقائنا التدخّل، لكننا دائماً في حاجة لطرف ثالث! وهو ما يؤكده ناتان: "من الضروري أن تطلب مساعدة بعض القوى حتّى وإن كنت لا تؤمن بشيء منها. كأن تتوسّل لشجرة بصوتٍ عالٍ، وهو تمرين أعتبره ضروريّاً يُسمّى الابتهال. وفي كل مرة اقترحته على أحدهم لاقي نجاحاً باهراً. حتّى أنّني نصحت شخصاً بأن يذهب إلى كنيسة نوتردام الساعة الثانية صباحاً ليردّد اسم الحبيب بصوت عال، ويؤكد رغبته في أن يبادله نفس المشاعر".

الزيارة

هكذا قصدنا طرفاً ثالثاً. "الساكتة" هو اسمها، كما لو أنها خُلقت لتلتزم الصمت، ذلك الشرط الأساس لإنجاح الطقس السحري حسب العُرف المنتشر بين النساء. لم أطلب خدمة هذه المعالجة لكنني رافقت زبونة لها بعد جهد طويل، وهي جارتي التي أقنعتها بمضمون بحث كنت بصدد إعداده، وأقسمتُ أن أحافظ على خصوصيتها ولا أذكر اسمها أو سنها، فسمحت لي بمرافقتها بعد أن فرضت عليّ التنكر المتقن في زي عاملة نظافة، ومنعتني من الذهاب بالسيارة أو التاكسي، لأن ذلك قد يدل على مستوى اجتماعي أرقى ويغري برفع ثمن الخدمة.

وكنت أعدّ مجموعة من التقارير الميدانية حول الممارسات العلاجية والحمائية التقليدية، السحرية منها والدينية، والطقوس العلاجية المقترحة كجواب للتخفيف من المعاناة، وتحليل العناصر المكوّنة للطقس ومراحل إنجازه والأشخاص المتدخلين في تجسيده، وكذا الحركات والأقوال التي تؤثث فضاءه الرمزي والواقعي. ووقع الاختيار على مُعالِجة معروفة في مدينة وجدة شرق المغرب.

دخلنا بيتاً متواضعاً في الطابق الأول، تتحرك فيه أرملة عجوز في السبعينيات من العمر، بين غرفة الانتظار والمطبخ الذي تضع فيه، خلف ستار، عُدة العمل البسيطة.

تقسم ورق السكر إلى أربع قطع وتبسط كل ورقة على الأرض وتسلّم الزبونة قلماً وتطلب منها كتابة عبارات تُمليها عليها: "يا فلان ابن فلانة، الله يجعلني حلوة في فمك مثل طعم الشاي، حتى تجي رجلك في فراشي ورسك عند راسي"... ملف السحر 
أخبرتنا أنها اكتسبت هذه المهنة بالوراثة. دأبت على ممارستها مند خمسة وعشرين عاماً، وهي متخصصة في طقس معروف باسم "الخفيف" (سكب الرصاص) الذي يساعد في علاج حالات "العكس" ووقف الحال، ويسهّل العلاقات ويقرّب الحبيب وييسر المشاريع ويرفع الأعمال السحرية الشريرة.
بعد زيارة سابقة حيث فحصتها بالـ"خفيف" (سكب الرصاص) للتعرف على أصل المشكلة، تم الاتفاق على جلسة علاجية ثانية. طُلب من الزبونة أن تجلب معها بعض المواد من عند "العطّار"، الذي بدا من سلوكه أن هذه المواد مطلوبة بكثرة وأن استعمالها دارج جداً، حتى أنه كان يعرف الوصفة عن ظهر قلب: حبة السعد وحبة العشق وطائر هدهد وقطعة من جلد حيوان ونبات الجالبة ومسك.

من أجل "القبول" تخلط المعالجة هذه الأعشاب والعناصر الحيوانية وتقرأ عليها تعويذات، ذاكرة اسم المرأة والشخص أو الأشخاص المرغوب في جلب حبهم. أو تكتفي بالاسم فقط مع الغاية من الزيارة، فمن يقصدها ينشد أحياناً حظاً في عمل أو زواجاً أو نجاحاً في علاقات عامة وشهرة في فن أو مهنة... تُوضع المكونات في صرة من الثوب، وتُشد بخيط وتسلم للمعنية لتحملها معها على الدوام. تسمى عادة "الكموسة" أو"الصرة".

"سيأتي ويشرب معك الشاي"

أما طقس جلب الحبيب فيتطلب عناصر ومكونات أخرى: صورة للزبونة والحبيب المطلوب، قالب سكّر، ورق السكّر (وهو ورق أزرق يغلف قالب السكّر)، علبة شاي، قفل، مفتاح، ماء، أعواد ثقاب، وقادوم زراعي من دون يد خشبية، وهي أداة معدنية للبستنة.

Une image contenant assiette, alimentation, table, tasse  Description générée automatiquement

تباشر المعالجة تفاصيل الطقس فيما يشبه لعب الأدوار، فتضع الصورتين الواحدة قبالة الأخرى، وبينهما قفل مغلق. وتتركهما جانباً حتى تنتهي من خطوة ثانية؛ إذ تقسم ورق السكر إلى أربع قطع، وتبسط كل ورقة على الأرض، وتسلّم الزبونة قلماً وتطلب منها كتابة عبارات تُمليها عليها، ويقول نص الكلام المكتوب: "يا فلان ابن فلانة، الله يجعلني حلوة في فمك مثل طعم الشاي، حتى تجي رجلك في فراشي وراسك عند راسي...". ثم تقسم الورق المكتوب إلى أربع ورقات، وتضع نصيباً من الشاي والسكّر وتجمعها على شكل قرطاس. تأخد القراطيس الأربعة وتسلمها للزبونة لتصنع منها الشاي مؤكّدة: "سيأتي ويشرب معك الشاي". بعدها، تكسر القفل وترميه جانباً في إشارة لرفع الحاجز. ثم تلفّ الصورتين على بعضهما وتجعلهما يمران عبر فتحة يد "القادوم"، مرددة أدعية وتعاويذ. وعندما تنتهي من تمرير الصورتين للمرة السابعة، تجعل الزبونة تشعل النار وتحرقهما وتضع رمادهما فوق الشاي والسكر.

استدعاء قوى خارقة لإيقاع الآخر في الحب

استسلمت جارتي لإمكانية تحقيق رغبة دفينة نسعى دوماً لكبتها أو إسكاتها بدعوى التفكير العلمي الموضوعي وقبول منطق الأشياء وتقبل الأمر الواقع. تحسّن مزاجها وبدت أكثر خفة بعد الخروج من عند المعالجة، وكأنما حملت معها سرّاً سيحل كل مشاكلها مع الحبيب. أما أنا فقد وجدت نفسي وسط لعبة مليئة بالإيحاءات والحمول الثقافية، فرمزية قالب السكر في الثقافة المغربية مرتبطة بكل الاحتفاليات وطقوس العبور والأفراح والتجمعات العائلية، ما يمنحه قدسيته الخاصة في الخيال الجمعي. وكذلك رمزية القفل والمفتاح، والقادوم (أو معول الفلاح) الذي يحمل ما يحمله من إيحاء بالإخصاب والحرث وطرح الغلة. كما يخضع هذا الطقس لكل الشروط المكوّنة للطقوس المتعارف عليها في علم الإثنولوجيا، ويحترم المراحل التي تؤثثها، ولكنننا لن نخوض في التحليل التخصصي بقدر ما يهمنا سعي النساء الدائم إلى "إنتاج" مشاعر الحب. لا نقول إن الحب كان دائماً نتيجة تلاعبٍ ما، لكن تمّ استنباط تقنياتٍ منذ القدم لتحقيق هذا الهدف. وقد تشكّلت تلك التقنيات في حضارة بلاد ما بين النهرين ويمكن أن نرى المبادئ نفسها مستمرة حتى اليوم.

استدعاء قوى خارقة لإيقاع الآخر في الحب... ملف السحر 

لم تتخلّص الحداثة من هذه الطقوس، بل على العكس، ضاعفتها. يقول ناتان: " مفهومنا عن الحب والزواج وكل القصص التي تؤطّر خيالنا وتلك التي تغزو شاشاتنا، تقوم على افتراض عفويّة مشاعر الحب. حتى أنّ ذلك يُعدّ من قبيل البديهة التي تُشكّل عمق الفرد وحجر الأساس الذي تقوم عليه مجتمعات اليوم. لكن من المهم تسليط الضوء على مشاعر الحب من زاوية جديدة، باعتبارها حالة أثارها طرف آخر وبشكل متعمّد. بمجرّد أن نطرح الأشياء بهذه الشّاكلة، نحصل على مفهوم أكثر تعقيداً وثراءً للحب، الذي يتحوّل هنا إلى واحدٍ من أهمّ أشكال التّأثير. إنّنا نقبل بمحض إرادتنا أن تدفعنا بعض الأجهزة المؤثّرة إلى شراء ملابس أو سيّارة. ونعترف في حياتنا اليوميّة بقوة هذا التأثير وصعوبة الهرب منه، لكنّنا لا نقبل به في الحبّ!"

يا حجر الحب... تحرّكي لمساعدتي

منذ القدم لم يكف الإنسان عن محاولة "خلق" مشاعر لدى الآخر، إمّا أن يكون عاشقاً منجرفاً بشكل سرّي في حب شخصٍ ما فيبحثُ عن واسطة، أو في وضعيّات أكثر تعقيداً قلّما نعترف بها، حال شخصٍ طامع في ميراث مثلاً ويريد "أسر" شخصٍ آخر. لقد كانت اليونان القديمة، منذ القرن السّادس قبل الميلاد، مهووسة بهذا النوع من الحوادث، وكانت محاكمات علنيّة تُعقد في حقّ أشخاصٍ يُشتبه في كونهم لجأوا لسحر الحب.

إنانا وتموز

أبناء الحضارات القديمة كانوا يعلمون خطورة الحب؛ عندما يحاول أحدهم جعل الآخر يقع في هواه، فهو يراوغ عواطفه، يخدعه، يتلاعب بحياته، "يتملكه".

أما الإغريق الذين وضعوا علم الرياضيّات والفلسفة والسياسة، وكانوا عقلانيين إلى أبعد الحدود، فقد كانوا على يقين أيضاً من أنّ مشاعر الحب تنتج بواسطة بعض التقنيات التي ارتبطت في ذلك المجتمع، كما في مجتمعاتٍ أخرى، بالآلهة. مثل إنانا-عشتار، التي اتخذت فيما بعد أسماء مختلفة، فهي فينوس أو أفروديت،

وكان الناس يطلبون عشتار دوماً بالألعاب السحرية والأحاجي والتماثيل الهادفة لتحقيق العشق، وإحدى تلك الأحاجي تعود إلى خمسة آلاف سنة، حيث تُتلى صلاة لاستدعائها ثلاث مرات على تفاحة أو رمانة: "اصعدي واهبطي يا حجر الحب، تحركي لمساعدتي، إنها عشتار التي ترأس حبنا"، ثم تُقَدَّم التفاحة للشخص المطلوب ليقضمها.

مقاطع توبي ناتان من حوار في جريدة ليبيراسيون الفرنسية ترجمة صلاح بن عيّاد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard