"الكَفَرَة" أصحاب النبوءات... عن الكهّان في الجاهلية وصدر الإسلام

الخميس 9 يونيو 202210:40 ص

يندرج المقال في ملف عن السحر أعدته وأشرفت عليه أحلام الطاهر

رغم ما نسب إلى النبيّ محمّد من معجزات، لا سيّما بعد أَسْلَمة الجزيرة العربية، فإنّ المعجزة الوحيدة التي أكّدها القرآن في صدر الدعوة إلى الدين الجديد هي معجزة القرآن نفسه، التي تجلّت صريحة في التحدّي البلاغي في الآية 23 من سورة البقرة: "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ". ويطرح هذا التحدّي سؤالين أساسيين مترابطين، الأوّل: مَن المقصود بهذا التحدّي بالذات؟ هل هو مُوَجَّه إلى العربِ كافّة أم إلى طائفة منهم بعينها؟ والسؤال الثاني: لماذا لم يكن الإعجاز نظيراً لمعجزات موسى، إذِ انشقّ له البحر ليعبر آمناً ثمّ انضمّ على أعدائه فابتلعهم، وغيره من الأنبياء، كإبراهيم وعيسى؟

لقد ظهر محمّد في عصر المعجزات فعلاً، وأقواها أثراً في نفوس عرب الجزيرة هي معجزات النبوءات الصادقة لكهّان شبه الجزيرة العربية، ومعجزة الشعر باعتبار الشاعر إنساناً مفارقاً لطبقة الناس. وهي معجزات فرضت على النبي كي يثبّت دعوته أن يأتي بأقوى منها، لكن الأهمّ أن تكون من جنس مادّتها، وهي بلاغة الكلام.

جذور الكهانة في اللغة وتاريخ الجزيرة العربيّة

كما يرد في موسوعة الكهانة العربية قبل الإسلام، يفيد الجذر (كهن) لدى الساميين الغربيين - وهم أجداد العرب - الدلالة على الناطق بلسان الإله، ذلك الذي يحمل على عاتقه "المهمّة الرهيبة في طرح الأسئلة على الإله"، ويحتوي هذا الجذر أيضاً على فكرة "الانخطاف" والوقوف أمام الله، والركوع والخشوع له، وتعظيمه، وكان هو "العابد الرئيس" له، ونائبه، وابنه، وربّما تماهى معه، وهذه العلاقة خوّلت الكاهن الاطّلاع على أسرار الإله من خلف الحُجُب.

ومن المفردات القديمة في العربية الجنوبية القديمة - وهي أخت للعربية وقد انقرضت قبل الإسلام - عبارة "شوع" و"رشو"، وتعنيان الكاهن أو السادن (حارس معبد)، وهي أعلى درجات الكهنوت في هذه العربية التي بقيت منها بعض النقوش (يمكن مراجعتها في كتاب "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"). 

وجميع الحضارات القديمة المتاخمة لشبه الجزيرة العربية، والتي كان لها اتّصال بها، عرفت الكهانة، كحضارة الآشورييّن - البابليّين، والآراميّين، والكنعانيّين، والهنود، والفرس، والروم.

ألحّ القرآن على المشكّكين فيه أن يأتوا ولو بآية من مثله، ذلك أنّ الناس كانوا مؤمنين بنسق آخر: إنّه سجع الكهنة وصدق نبوءاتهم

وكان للكهنة عاصمة في حضارة سبأ، وهي "صرواح" حيث مقرّ الكهنة "المكربون"، وذلك قبل أن ينتقل إلى العاصمة الجديدة "مأرب"، ليقيموا عندها السدّ الشهير الذي سترتبط به قصّة أهمّ كاهنة في التاريخ، وهي طريفة، إذ تنبّأت بسقوطه، وتحقّق ذلك.

هيئة الكاهن

اعتمد الإخباريون على المظهر والجوهر في الكهنة، فهيئة أجسادهم مميّزة، تنضمّ على روح ليست في كلّ الناسّ، إذ يذكر العيني صاحب كتاب "عمدة القاري" أنّ "الكهنة قوم لهم أذهان حادّة ونفوس شديدة وطباع نارية، فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور وساعدتهم بكل ما اتّصلت به قدرتهم إليه"، ذهن ونفس وطبع، مثّلثٌ باطنياً نشيطاً وقلقاً سيحمله جسدٌ لا كالأجساد، فأغلب الكهنة - لا سيّما المشهورين منهم - يحملون عاهات في أجسادهم، أو ربّما كان الجسد عاهةً كلّه، كما في حالة "شِقٍّ" و"سطيح"، أشهر كاهنَيْن متزامِلَيْن قبل الإسلام، فـ "شقّ" سمّي هكذا لأنّه "شِقّ إنسان" أي نصف، له يد واحدة، ورجل واحدة، وعين واحدة. وقالوا إنّ سطيحاً كان كتلة من لحم، ولا عظم فيه إلّا الجمجمة، وأنّ وجهه في صدره، ولم يكن له رأس ولا عنق، وأنّه جسد ملقى لا جوارح له، ولا يقدر على الجلوس إلّا أنّه إذا غضب انتفخ فجلس. وجعل المسعودي في كتابه "مروج الذهب": "نقصان الأجسام وتشويه الخلق" سمات مطلقة في الكهنة.

أمّا في لباسهم فيبدو أنّ أغلبهم لا يلبس الأثواب المصبوغة، ربّما لأنّهم منصرفون عن عالم المادّة إلى عالم الباطن.

لذا، لم تكن هذه الروح النارية تشترط أن تسكن في جسد رجل بالضرورة، فالكهانة ليست متحيّزة جندريّاً، كالنبوّة مثلاً، فمحمّد لمّا قال "لا نبيّ بعدي" لم يحتج إلى أن يقول "لا نبية"، وأغلق بذلك باب النبوّة نهائياً. أمّا في الكهانة فاشتهرت من النساء كثيرات، فعندما ظهر الإسلام كان في قريش كاهنان مشهوران، رجل وامرأة، فالرجل اسمه "خَطَر" والمرأة هي "سوداء بنت زهرة بن كلاب". ويحكى أنّ طريفة - صاحبة نبوءة سد مأرب - دعت بسطيح قبل أن تموت، فأُتِيتْ به، فتَفَلَتْ في فمه، وأخبرتْ أنّه سيخلفها في علمها وكهانتها، ودعت بشقّ ففعلت به ما فعلت بسطيح ثمّ ماتت.

لم تكن شبه الجزيرة العربية خالية من المتنبّئين لمّا ظهر محمّد، بل كان الكهّان بمثابة الرُسل الذين لم يبعثهم الله، وإنما بعثوا أنفسهم، لذا كانوا في رأس قائمة أعداء الإسلام

مدلول الكهانة

إنّ مَا يقوله الكاهن ذو مدلول "غيبي"، أي أنّ المضامين التي ينبئ بها هي أسرار إلهية يفترض ألّا يطّلع عليها أحد من الأرض، فهو "القاضي بالغيب"، حتّى أنّ العرب "تسمّي كل من آذن بشيء قبل وقوعه كاهناً". وهنا تكمن خطورة موقع الكاهن، فمعرفة المستقبل تخوّل التحكّم به، لا سيما إذا كان الأمر قضية حياة أو موت، فهذه الزبراء تنذر قومها بني رئام، قائلة: "مهلاً يا بني الأعزّة، والله إنّي لأشمّ ذَفِر (رائحة الإبطين) الرجال تحت الحديد"، فقال لها فتى منهم ساخراً: "والله ما تشمّين إلّا ذفر إبطيك"، فانصرفت عنهم، وارتاب بعض حكمائهم فانصرف منهم أربعون رجلاً وبقي ثلاثون، فطرقهم بنو داهن وبنو ناعم فقتلوهم أجمعين.

 لكن في حالات كثيرة قد لا تفيد معرفة المستقبل بالتحكّم في المصير المحتوم، إذ تروي بعض المراجع أنّ رجلاً من قبيلة تغلب يدعى "أفنون"، قال له كاهن: إنّك تموت بمكان يقال له إلاهة، فاتّفق أنّه ضلّ طريقه مع قومه فبلغوها، فرفض النزول إليها تطيّراً من نبوءة الكاهن، لكن أفعى خرجت له فجأة فلدغته، ومات بسمّها.

"الرئيّ": الوسيط الخفيّ

هو الوسيط بين الكاهن والسماء، ويسمّى أيضاً التابع، والصاحب، والمولى، والوليّ، والشيطان، وهو الذي يسترق السمع من السماء فيأتي به إلى الكاهن ويلقي ما استرقه إليه، فيلقي الكاهن ما ألقى عليه شيطانه إلى الناس، وبذلك يتنبّأ لهم. وتَوَسُّطُ الرئيّ بين الكاهن والغيب هو المحدّد الأساسي للكهانة. والكهّان في المخيال العربي يرون تابعهم، وقد يتجلّى لهم في صورة إنسان، وإذا كان الكاهن امرأةً ربّما تعشّقها التابع، فيتجامعان، وزعموا أنّ "الغيطلة" وهي كاهنة من قريش، كان لها رئيّ يفد إليها ويدخل حجرتها ويجلس تحتها، ويجامعها.

السجع: الكلام الآخذ باللبّ والقلب

إنّ أهمّ مقوّم في كهانة الكهّان هو الكلام، وهذا الكلام من طبقة عالية كالشعر، لكنه ليس شعراً، وأشهر الكهانات التي وثّقتها كتب الإخباريّين كانت مسجّعة، والسجع في النثر كالقافية في الشعر، هو انتهاء جمل متوازنة بنفس الفواصل، وهو توازن يُحْدِث إيقاعاً منتظماً، ثمّ أنّ الكاهن يعمد إلى ألفاظ غامضة ورموز وصور معمَّمة ويجتنب التوصيفات الدقيقة لما يريد غالباً، ويكثر في لغة الكهّان القَسَمُ بعناصر الطبيعة، كالنجوم والشمس والقمر والسماء والرياح والسحب. ومن أشهر الكهانات التي اجتمع فيها كلّ هذا نبوءة طريفة في حضارة سبأ بسقوط سدّ مأرب وسيل العرم، إذ قالت: "والنور والظلماء، والأرض والسماء، إنّ الشجر لتالف، وسيعود الماء لما كان في الدهر السالف".

مكانة الكهنة في الجاهلية وصدر الإسلام

إنّ التعرّف إلى المجهول من الزمان الآتي كان يعادل في الجاهلية التحكّم في الحياة، لأنّ هذا المجهول عادة ما يكون موتاً، أو مشتقّاً منه، كالوباء، والمجاعة، والمرض. وبهذا التعرّف تبوّأ الكاهن منزلته العليا من طبقة المجتمع الجاهلي، لذا كانت قبيلته تفزع إليه عندما تهمّ بأمر عظيم، وكان أهمّ مقام تتكشّف فيه قيمة الكاهن هو مقام الحرب، سواء في التبشير بالنصر أو الإنذار بالهزيمة، إذ كان هجوم قبيلة بني أسد على "حَجَر"، والد الشاعر امرئ القيس وسيّد مملكة كندة، بإشارة من كاهنهم الذي يدعى "الربّ"، كما كان اجتنابهم لبني تميم الذين بيّتوا نيّة حربهم بإشارة منه أيضاً.

أغلب الكهنة يحملون عاهات في أجسادهم، أو ربّما كان الجسد عاهةً كلّه، كما في حالة "شِقٍّ" و"سطيح" أشهر كاهنَيْن قبل الإسلام، فـ "شقّ" سمّي هكذا لأنّه "شِقّ إنسان" أي نصف، له يد واحدة، ورجل واحدة، وعين واحدة. وقالوا إنّ سطيحا كان كتلة من لحم، ولا عظم فيه إلّا الجمجمة

وربّما ترك الكهان مخابئهم وقاتلوا مع قومهم، فمنهم الفرسان مثل زهير بن جناب، وجذيمة العبسي، وقلطف، والمأمور. وربّما لجأ الناس إلى الكاهن في مقامات أخرى ليتبصّر لهم، كما في إثبات الخيانة الزوجية، إذ تروي المراجع قصّة رجل يدعى الفاكه بن المغيرة، كان قد اتّهم زوجته بالخيانة، وهي هند بنت عتبة التي ستكون أمّ معاوية بن أبي سفيان، مؤسّس الدولة الأموية، فعرض والد هند على الفاكه التحاكم إلى كاهن باليمن، فارتضوا به جميعاً، ولمّا أشرفوا عليه عرضوا عليه عدداً من النساء فيهنّ هند، وطلبوا منه أن يعرف حاجتهم دون أن يخبروه بشيء، فجعل يقول لكل امرأة: "قومي قومي"، حتّى وصل إلى هند فقال: "انهضي غير وسخاء ولا زانية، وستلدين ملكاً يُقال له معاوية"، وهكذا أكبّ الفاكه على هند يعتذر ويسترضيها فرفضت الرجوع إليه، وتزوّجت أبا سفيان فيما بعد وأنجبا معاوية.

ونظرا لهذه المكانة، جعل الناس يقصدون الكاهن في أمور ذات شأن في غير الكهانة، كاعتباره عَدْلَ إشهادٍ، إذ كانت القبائل تعقد أحلافها ويأخذ بعضها العهود على بعض أمام الكهنة، كأنّ ذلك لترهيب مَن تسوّل له نفسه الحنثَ بالعهد، لاتّصال الكاهن بالسماء. ثمّ أنّ الكاهن كان يحكم بين الناس، لذا كان أكثر حكّام العرب كهّاناً، ولكثرة تنازع الناس إليه، صارت كلمة "حكم" مرادفة لكلمة "كاهن"، وكان يُقصَد من كلّ فجّ عميق، وحُكمه هو حكم باتّ لا اعتراض عليه، ومن أشهر هذه المحاكمات، تحاكم أمية بن عبد شمس - جّد بني أمّية - وهشام بن عبد مناف - جدّ الهاشميّين - إلى كاهن يدعى الكاهن الخزاعي، في خلاف بينهما، فحكم لهاشم على أمية، وسجّع قائلاً: "والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، لقد سبق هاشمٌ أميةَ إلى المآثر، أوّل منه وآخر"، فكان ذلك أوّل خلافٍ بينهما. ويرجّح بعضهم أنّ الاستسقاء في الجاهلية - وهو كالدعاء لاستنزال المطر - كان يقوم به الكهنة أساساً، لأنّه من صميم أعمالهم ومهامّهم.

ولهذا أيضاً كان الملوك الكبار يحرصون على تواجد كهنة في قصورهم، مثل كسرى ملك فارس، الذي تحدّثت بعض المراجع عن أنّ لديه قرابة 360، بين كاهنٍ ومنجّم وساحر.

امتحان الكاهن وأجرته

يروي الإخباريون أنّ الناس ربّما امتحنوا الكاهن ليطمئنوا إلى كهانته، لا سيما إذا لم يكن ذائع الصيت، ويكون الامتحان عادة بإخفاء شيء في موضع يعسر الاهتداء إليه. ومن أمثلة ذلك أنّ جماعة قصدوا كاهناً اسمه سواد بن قارب، واتّفقوا أن يخفي كلّ واحد منهم شيئاً ولا يخبر صاحبه به إمعاناً في تعسير الامتحان على الكاهن، فكان أن أجابهم إلى مخبوءِ كلّ واحد، حتّى تمثّل أحدهم بشعر فيه قائلاً:

ألا لله عِلْمٌ لا يُجَارى     إلى الغايات في جَنْبَيْ سَوَادِ

أتيناه نُسائله امتحاناً     ونحسب أن سيَبْعَلُ بالعِنادِ

كأنّ خبيئنا (ما خبّأناه) لمّا انتخبنا     بعينه يُصَرِّح أو ينادي

وربّما بلغ من إدراكه أن يخبر عن المخبوء بسجعة، كما فعل بعض كهّان اليمن لمّا امتحنه رجل بأن خبّأ حبّة في دُبْرِ حصانه، فأجابه: "حبّة بُرْ (قمح) في دُبْرِ مهرْ".

ولم تكن نبوءة الكاهن على المجّان، بل كان يقبض أجرة تسمّى "حلوان الكاهن"، وهو شيء غير معيّن ولا ثابت، وإنّما يتّفق عليه، والرأي الشائع أنّ الكهانة لا تَصْدُق إذا لم يُعْطَ الكاهن حلوانَه، لأنّه في الحقيقة ليس له، وإنّما هو للرئيّ، وعلى الكاهن استشارة "التابع" ومراجعته فيه حتّى يقنع، ويوافق على الأجر.

أشهر الكهنة

يبدو أنّ عدد الكهنة في الجاهلية وصدر الإسلام لا يقع تحت الحصر، وهم طبقات من حيث الشهرة، واثنان يرفعان شهرة الكاهن: صدق النبوءة، ومدى قيمتها. فإن كانت طريفة قد اشتهرت في سبأ بنبوءة سدّ مأرب، فإنّ شِقّ وسطيح اشتهرا بتأويلهما لرؤيا ملك من ملوك اليمن "التبابعة"، وذلك أنّه رأى رؤيا أفزعته، فأحضر من عنده من المنجّمين والكهنة، وحتّى يتوثّق من مدى قدرتهم اشترط عليهم أن يخبروه بالرؤيا التي رآها ثمّ بتأويلها، فعجزوا جميعاً، وأشاروا عليه بشقّ وسطيح، فأحضروا له سطيحاً أوّلاً، فسأله الملك عمّا رأى فقال: "رأيتَ حُمَمَةْ خرجتْ من ظُلَمَةْ، فوقعتْ بأرض تَهَمَةْ، فأكلتْ منها كلّ ذات جُمْجُمَةْ"، فقال الملك: ما أخطأتَ منها حرفاً، فأخبرني بتأويلها، فقال:

"أحلفُ بما بين الحِرّتين من حَنَشْ، لتهبطن أرضكم الحَبَشْ، فلتملكنْ ما بين أَبْيَن إلى جَرَشْ"، وهكذا أنبأه بغزو السودان لمملكته بعد ستّين أو سبعين سنة، وهذا ما حصل. ولمّا أحضروا له شقّ أخبر الملك بنفس كلام سطيح مع بعض اختلاف في الألفاظ. واشتهر خنافر بن التوأم بكهانته بمجيء محمّد، إذ يروي خبرٌ أنّ رئيّه زاره بعد غيبة، فقال له خنافر: "شصار؟"، فقال: "اسمعْ أقلْ". قال خنافر: "قلْ أسمعْ"، فقال: "اسمع يا شصارْ، عن أصدق الأخبارْ، واسلكْ أوضحَ الآثارْ، تنجُ من أُوار النارْ، فيقول خنافر: "ما هذا الكلام"، فيقول: "فرقان بين الكفر والإيمان، رسول من مَضَرْ، من أهل المَدَرْ، ابتعث فظهرْ، فجاء بقول قد بَهَرْ". وذكر الإخباريّون كهنةً كثيرين بشّروا - أو أنذروا - بمجيئه، كشقّ وسطيح أيضاً، والعرّاف اللهبي الملقّب بـ "العائف"، والغيطلة، وابن الهيبان، والمأمور الحارثي.

جعل النبي مجيء الإسلام انتهاء لعهد الكهانة حتّى قالت العرب "لا كهانة بعد الإسلام" و"لا كهانة بعد النبوّة"، وتمّ قمع كلّ محاولة لإحياء الكهانة بعد النبوّة

شَبِيهو الكاهن: العرّاف، العائف، القائف، الساحر وغيرهم

يعتبر الباحث توفيق فهد الذي أنجز أطروحته "حول الكهانة العربية قبل الإسلام"، أنّ الفصل القطعي بين حدود كلّ مجال من هذه المجالات أمر مستحيل، "نظراً لأنّها تعايشت جميعاً في محيط واحد". لكن يمكن على الأقلّ تمييز أحدها عن الآخر بسمة مهيمنة فيه، فالكاهن يستند إلى ما ينبئه به الرئيّ، والعرّاف لا وسيط له، وإنّما يخبر عن طريق الملاحظة والاستدلال، وهو دون الكاهن، لأنّه ينبئ عن أمور ليست في خطورة وقيمة ما يُنبئ به الكاهن، كالتعرّف إلى مكان الشيء المسروق، أو الضالّة. أمّا السحر فإنّه "عمل وصناعة" للتأثير في الأرواح، ولا يمكن صنع السحر ما لم يقترن بعمل. أمّا العائف فهو الذي يزجر الطير، أي يحملها على أن تطير بحصاة ويصيح عليها، فإذا ولّاه الطير جناحه الأيمن استبشر خيراً، وإن ولّاه الأيسر تشاءم لشرٍّ سيحدث، وربّما شقّ العائف بطن حيوان وأخرج بعض أحشائه ليعلم خبراً منها، لذا يسمّى "الشاق" أيضاً، واشتهرتْ بالعيافة بنو أسد وبنو لهب ومنهم "لهب بن أحجن بن كعب" الذي تنبّأ بموت عمر بن الخطاب قبل وقوعه بعام. والقائف هو الذي يقتفي آثار الأقدام فيعرف ما حدث في مكانها، واشتهرت بنو مدلج بالقيافة، ومنهم محرز المدلجي الذي تعجّب النبيّ منه. أمّا الفراسة فهي الاستدلال بهيئة الإنسان وشكله وأقواله على صفاته وطبائعه. والمنجّم هو الذي يطالع أحوال النجوم والكواكب ومواقعها ومنازلها، فيبشّر أو ينذر.

الإسلام والكهانة

إنّ آية التحدّي البلاغي للقرآن، بكثير من الأدلّة، هي موجّهة في المقام الأوّل إلى الكهنة، وبدرجة أقلّ إلى الشعراء، ومن خلفهم جميعاً إلى العرب المنقادين لمن يقودهم. ذلك أنّ بين النبيّ والكاهن والشاعر تشابهاً عميقاً، فجميعهم يتواصل مع وسيط: الكاهن مع شيطان، والنبيّ مع ملاك هو جبريل، والشاعر كذلك يتواصل مع جنّ هو الذي يوحي إليه الشعر، فيما تعتقده عرب الجاهلية. ويقوى التشابه بين النبي والكاهن خاصة في أنّ كليهما يتواصل مع السماء، ثمّ إنّ الاعتقاد في كون المصير مكتوباً والناس صائرة إليه منتشرٌ بين عرب الجاهلية، لذلك هم ينقادون خلف مَن تصدق نبوءاتهم، لرهبتهم من المستقبل. لكنّ أخطر تشابه بين الكاهن والنبي هو بلاغة الكلام الذي يسمو على الكلام العاديّ، إنّ النبيّ يدرك جيّداً أنّ العرب "شديدو الحساسية تجاه الانسجام والإيقاع وسحر النطق" لذلك كانت أوّل ردّة في الإسلام سنة 11 للهجرة، تُعزى إلى رجل يقال له "ذو الخمار"، وهو عبهلة بن كعب الملقّب بالأسود، "كان يسبي قلوب من كان يسمع منطقه"، وهذا ما فُسّر به اتّباع الناس مسيلمة وسجاح.

لذا كان على القرآن أن يفارق لغة الكهنة، وأساسها السجع، ولغة الشعر، وأساسها الميزان، ورغم ذلك لم يسلم من الاتّهام بأحدهما أو كليهما، جاء في الآية 29 و30 من سورة الطور: "فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ*أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ". وقد ألحّ القرآن على دفع الشبه عن النبي بالشاعر والكاهن، في لغته ووسيطه، فأكّد أنّ الشعر ممنوع عن النبيّ، لم يعلّمه الله، ولا ينبغي له تعلّمه: "وَمَا عَلَّمْنَٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُۥٓ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ"، وفي الآيات 210 إلى 212 من سورة الشعراء ينكر أن يكون الوسيط هو الشيطان الذي يتعامل معه الكاهن: "وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ* وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ* إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ"، وتذكر كتب التفاسير أنّ الآية نزلت ردّاً على زوجة أبي لهب التي قالت، لمّا تخلّف النبي عن قيام الليل ليلتين لمرضٍ به: "أرجو أن يكون شيطانك قد تركك". وكان الردّ أنّ الشياطين التي كان تسترق السمع من السماء قد ألجمت عنها، وكلّ شيطان يقترب من السماء يقذف بشهاب لاهبٍ: "وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً* وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً" سورة الجنّ.

وقد اعترف بعض "ذوي الأسنان" من علية قريش، بأنّ لغة القرآن ليست من الشعر، ولا من كلام الكهنة، كالطبيب ضماد بن ثعلبة الذي قصد النبي ليداويه لمّا وَصمته قريش بالمجنون، فلمّا سمع من النبي بعضاً من القرآن قال: "لم أسمع مثل هذا الكلام قطّ، لقد سمعت الكهنة والسحرة والشعراء فما سمعت مثل هذا قطّ".

ورغم ذلك ظلّت قريش تلحّ على تشبيه القرآن بالكهانة، ولعلّ ذلك راجع  - مع حضور الوسيط في كليهما - إلى ثلاثة تشابهات قويّة بينهما، أوّلها هو حالة "الانخطاف" التي تقابل في التصوّر الإسلامي حالة نزول "الوحي" على النبيّ، إذ يكون الكاهن في أثناء تكهّنه في غيبوبة أو في شبه غيبوبة في الغالب، "وذلك لأنّه متّصل في هذه الأثناء بعالم مجهد صعب لا يتحمّله كلّ إنسان، واتّصال الروح بجسم الكاهن شيء جدّ عسير، ويتصّبب منه العرق"، وهو الذي سمّاه ابن خلدون في مقدّمته بـ "الانسلاخ من البشريّة إلى الرّوحانيّة الّتي فوقها". وطقس الانخطاف هذا مشابه لما يمرّ به النبيّ أثناء تلفّظه بالقرآن، ففي حديث نبويّ صحيح عن عائشة أنّ النبيّ سُئل كيف يأْتِيه الوَحْيُ؟ فقال: "أحْيانًا يَأْتِيني مِثْلَ صَلْصَلَة الجَرَس، وهو أَشدُّه عليَّ، فيَفْصِمُ عنِّي وقد وَعَيْتُ عنه ما قال، وأحياناً يتمثَّلُ لي المَلَكُ رَجُلًا فيُكَلِّمُني فأَعِي ما يقول". وتقول عائشة: "ولقد رأيتُه ينزِل عليه الوَحْيُ في اليومِ الشديدِ البرْدِ، فيَفْصِمُ عنه وإنَّ جَبِينَه لَيَتَفَصَّدُ عَرَقاً".

وثانيها أن بعض الآيات والسور تبدو مسجّعة، كسورة الكوثر: "إنّا أعطيناك الكوثرْ* فصلّ لربّك وانحرْ* إنّ شانئك هو الأبترْ"، والثاني أنّ القَسَم بعناصر الطبيعة الذي ذكرنا أنّه من مميّزات كلام الكهنة، موجود في القرآن: "والسماء والطارق"، "والتين والزيتون"، "والضحى والليل إذا سجى". والثالث أنّ النبي الذي كان يؤكّد أنّ مفاتيح الغيب عند الله، تنقل عنه بعض الأخبار ما يشبه الكهانة أو العرافة الصادقة، من ذلك قوله: "تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم فارس فيفتحها الله ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله". وقد سعى الفقهاء والمفسّرون إلى نفي اعتبار هذه الأمور من الكهانة، فالسجع في القرآن ليس سجعاً، والقسم بعناصر الطبيعة هو من باب التعظيم، ويحقّ لله القسم بما خلق، أمّا ما "تكهّن" به النبيّ فليس من الكهانة، بل هي "نبوءات" صادقة، فسّرها النبيّ نفسه بقوله "إنّي والله لا أعلم إلّا ما علّمني الله".

لعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ "الكلمة" هي التي تحكّمت بمسار تاريخ الحضارة العربية: كاهن يسجع، وشاعر يوقّع، ونبيّ يخلع بالقرآن آلهة ويثبت إلهاً، ويضع بسورٍ وآياتٍ أمّةً كاملة في منعرج آخر من التاريخ مازلت سائرة فيه إلى اليوم

"يخلطون معها مئة كذبة"

لكن يبدو أنّ الكهّان والمؤمنين بهم تعنّتوا، فمثّلوا تهديداً حقيقياً لتثبيت الدعوة المحمّدية، لذا كان من أهداف الإسلام الأولى اجتثاث الكهنة والكهانة نهائياً من شبه الجزيرة، واتّخذ هذا الهدف وسائل مختلفة، منها تكفير مَن يتعامل معهم في أحاديث نبوية كثيرة كحديث: "إنّ مَن أتى كاهناً أو عرّافاً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّد"(رواه الحاكم). ثمّ إنّ النبيّ حظر السجع، وحرّمه، من ذلك ردّه على رجل يبدو أنّه سَجَعَ دون قصد، فقال له: "أَسَجْعٌ كسَجْعِ الكهّان؟!"، وفي رواية "إيّاكم وسجع الكهّان". ويروى أنّه نهى حتّى عن التشبّه بلباسهم وهيئتهم. وربّما هذا ما يفسّر المذبحة التي أذن بها النبي في بني قريظة وبني النضير من اليهود الذين عُرِفوا بالكهانة، وعَفْوِه في المقابل عن أعداء الماضي من قريش.

أمّا كيف تعامل النبيّ مع ما يصدق من كلام الكهّان، فقد سأله ناس عنه، فقال عن الكهنة: "ليسوا بشيء"، فقالوا: "يا رسول الله، إنّهم يحدّثونا أحياناً بشيء، فيكون حقّاً"، وهنا أقرّ النبيّ ببعض صدقهم، إذ قال: "تلك الكلمة من الحقّ، يخطفها من الجنّي فيُقرّها في أذن وليّه، فيخلطون معها مئة كذبة".

وهكذا جعل النبي مجيء الإسلام انتهاء لعهد الكهانة، حتّى قالت العرب "لا كهانة بعد الإسلام"، و"لا كهانة بعد النبوّة". وكلّ محاولة لإحياء الكهانة بعد النبوّة تمّ قمع أصحابها بالقتل والصلب، وبعضهم كان يدرك في حياة النبيّ أنّ عهده انتهى، فأسلم وساهم في إدخال قومه إلى الإسلام.

ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ "الكلمة" هي التي تحكّمت بمسار تاريخ الحضارة العربية: كاهن يسجع، وشاعر يوقّع، ونبيّ يخلع بالقرآن آلهة ويثبت إلهاً، ويضع بسورٍ وآياتٍ أمّةً كاملة في منعرج آخر من التاريخ مازلت سائرة فيه إلى اليوم. ولا ندري هل انقياد العرب إلى الكلمة لسحرٍ غامض في اللغة العربية، أم لأنّهم يعقلون بقلوبهم، حتّى خاطبهم القرآن بقوله: "أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها" سورة محمّد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard