المدارس الدينية الإسلامية... أدوار مؤثرة في ميادين العمل السياسي

الجمعة 22 أكتوبر 202110:34 ص

عرف التاريخ الإسلامي ظهور مدارس دينية كثيرة، اشتهرت بتدريس العقائد والمذاهب الفقهية والأصولية، في شتى أقاليم العالم الإسلامي. كثير من تلك المدارس ارتبط بشكل وثيق بالسياسة، وهو أمر يمكن تفسيره بأن أغلبية الحكام حرصوا على دعم سلطتهم وشرعنتها من خلال الترويج لبعض المذاهب المتوافقة معهم.

في الوقت ذاته، لعب أساتذة وطلاب تلك المدارس أدواراً مهمة في ميادين السياسة والحكم، في الكثير من الحالات.

الفترة المبكرة من الإسلام... دار الأرقم وحلقة ابن مسعود

رغم أن مفهوم المدرسة الدينية لم يظهر بشكل مكتمل في الفترة المبكرة من الإسلام، إلا أن تلك الفترة عَرَفت انعقاد بعض مجالس العلم والدرس، والتي لطالما اعتُبرت إرهاصات للمدارس الدينية الكبرى، والتي ستتأسس في القرون اللاحقة.

يمكن اعتبار دار الأرقم بن أبي الأرقم، في مكة، أول المدارس الدينية التي عرفها الإسلام، إذ اعتاد النبي في السنوات الأولى من الدعوة على الاجتماع فيها بالمسلمين وتعليمهم القرآن وبعض الأحكام الإسلامية.

لعبت دار الأرقم دوراً مهماً في تقديم أول مظاهرة سياسية في الإسلام، في أواخر العام السادس من البعثة النبوية، وذلك عندما خرج منها المسلمون في صفين، بقيادة كل من حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب، وتوجهوا إلى الكعبة في وضح النهار، في إعلان صريح عن وجودهم على الساحة المكية، حسبما يذكر عبد الرحمن بن الجوزي (ت. 597هـ)، في كتابه "تاريخ عمر بن الخطاب".

في حقبتي الخلافة الراشدة والدولة الأموية، لعبت حلقات العلم والدرس أدواراً مؤثرة في الحشد ضد السلطة أو دعمها. على سبيل المثال، كانت حلقة درس الصحابي عبد الله بن مسعود في الكوفة قد شهدت اعتراضاً صريحاً على قرار الخليفة الثالث عثمان بن عفان باعتماد نسخة محددة من المصحف وحرق بقية المصاحف. وفي ذلك، يذكر ابن أبي داود السجستاني (ت. 316هـ)، في كتابه "المصاحف"، أن ابن مسعود دعا تلاميذه للحفاظ على مصحفه، فقال لهم: "إني غال مصحفي، فمَن استطاع أن يغل مصحفاً فليغلل، فإن الله يقول: ومَن يغلل يأت بما غل يوم القيامة"، الأمر الذي أسهم في الحشد ضد عثمان، وساعد في نجاح الثورة التي قامت ضده.

على الجانب الآخر، ذكرت الكثير من المصادر التاريخية، ومنها على سبيل المثال "تاريخ الرسل والملوك" لابن جرير الطبري (ت. 310هـ)، أن بعض الصحابة والتابعين المؤيدين للدولة الأموية، من أمثال أبي هريرة، وأبي الدرداء، وكعب الأحبار، اعتادوا أن يذكروا في مجالسهم بعض الروايات والأحاديث المادحة لبني أمية، الأمر الذي ساعد في توسيع القاعدة الشعبية لهم، ولا سيما في الولايات الشامية.

الحسن البصري، وأبو حنيفة، ومالك... مدارس الفقهاء

في أواخر عصر الدولة الأموية، ظهر الكثير من الأئمة والفقهاء، وأسسوا حلقات للدرس والتعليم في شتى الأمصار الإسلامية، وتعرضوا للسياسة في تلك الحلقات بشكل أو بآخر.

من هؤلاء الحسن البصري (ت. 110هـ) الذي شهدت مدرسته في البصرة اجتماع الكثير من الطلبة من ذوي الميول السياسية المختلفة، فكان منهم الخوارج وأهل السنّة، كما تفرعت من مدرسته فرقة المعتزلة، والتي كان مؤسسها واصل بن عطاء أحد تلاميذ البصري، قبل أن ينفصل عنه ويؤسس مدرسته الخاصة، حسبما يذكر عبد الكريم الشهرستاني (ت. 548هـ)، في كتابه "الملل والنحل".

أيضاً، لعبت حلقتا درس الإمام أبي حنيفة النعمان (ت. 150هـ) والإمام مالك بن أنس (ت. 179هـ) أدواراً مؤثرة على المشهد السياسي في كل من الكوفة والمدينة المنورة على الترتيب. يذكر محمد بيومي مهران في كتابه "الإمامة وأهل البيت" أن أبا حنيفة ساند زيد بن علي لمّا خرج على الخليفة هشام بن عبد الملك، ودعا طلابه إلى تأييده ودعمه بشتى السبل. وفي ذلك يذكر جار الله الزمخشري (ت. 538هـ)، في كتابه "الكشاف"، أن أبا حنيفة كان يفتي طلبته سراً بوجوب نصرة زيد بن علي، وحمل المال إليه، والخروج معه.

كثير من المدارس الدينية الإسلامية ارتبط بشكل وثيق بالسياسة، وهو أمر يمكن تفسيره بأن أغلبية الحكام حرصوا على دعم سلطتهم وشرعنتها من خلال الترويج لبعض المذاهب المتوافقة معهم

أما في المدينة، فقد أفتى الإمام مالك بعدم وقوع طلاق المكره، وهي الفتوى التي كان لها بعد سياسي مستتر، إذ أراد أن يطلق يد أهل المدينة ليبايعوا محمد النفس الزكية دون التقيد بالبيعة التي أدّوها من قبل للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور. وبعد فشل ثورة النفس الزكية، عرف المنصور ما في هذه الفتوى من خطر داهم على سلطته، فبعث إلى الإمام مالك وأمره بترك تلك الفتوى، ثم دس له في حلقة العلم مَن يسأله عنها، فلما قال مالك بالفتوى مرة أخرى، استدعاه المنصور وضربه وجلده حتى انخلعت كتفه من شدة الضرب، حسبما يذكر الطبري.

المدارس النظامية

في القرنين الخامس والسادس الهجريين على وجه الخصوص، عرفت المدارس الدينية الإسلامية انتشاراً ملحوظاً، وذلك بعدما ظهرت مجموعة من المدارس التي يمكن وصفها بالسياسية، والتي أسسها رجال الحكم لخدمة أغراضهم وأهدافهم السياسية في المقام الأول.

أهم تلك المدارس كانت تلك التي عُرفت باسم المدارس النظامية، والتي نُسبت إلى الوزير السلجوقي نظام المُلك الطوسي (ت. 485هـ)، وهو الذي تولى منصب الوزارة في الدولة السلجوقية، في عهدي السلطان ألب الدين أرسلان، وابنه السلطان ملكشاه على الترتيب.

نظام المُلك الذي كان يحارب الشيعة الإسماعيلية في مصر الفاطمية من جهة، وقلاع الحشاشين في إيران من جهة أخرى، عرف الأهمية البالغة لتأسيس كيان تعليمي ضخم يقدّم الدعم للمذهب السنّي الأشعري، وهو المذهب الذي اعتمده السلاجقة كمذهب رسمي لدولتهم، فأسّس مجموعة كبيرة من المدارس الدينية في كل من أصفهان وبغداد ونيسابور وغيرها من الحواضر الإسلامية الكبرى، وكان يهدف إلى مواجهة جميع الأفكار الشيعية التي روّج لها البويهيون والفاطميون.

من خلال تقديمه دعماً مالياً غير محدود لتلك المدارس، حظي نظام الملك بتأييد العديد من علماء أهل السنّة والجماعة في عصره، من أمثال كل من أبي إسحاق الشيرازي، وأبي المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، والكيا الهراسي، وأبي بكر الشاشي وغيرهم، وكثيراً ما كتب هؤلاء بعض الكتب والمصنفات المؤيدة للدولة والمهاجمة لأعدائها، ومن بين أهم تلك المؤلفات، كتاب "فضائح الباطنية" الذي ألّفه الغزالي، وهاجم فيه الشيعة الإسماعيلية بشتى السبل، حتى أقدم على تكفيرهم واستحلال دمائهم، الأمر الذي قدّم المسوغ الشرعي لمتابعة المشروع السلطوي لنظام الملك والإمبراطورية السلجوقية من جهة، وأطلق يد الوزير في ضرب معاقل الإسماعيليين من جهة أخرى.

عرف الوزير السلجوقي نظام المُلك، والذي كان يحارب الشيعة الإسماعيلية في مصر الفاطمية من جهة، وقلاع الحشاشين في إيران من جهة أخرى، الأهمية البالغة لتأسيس كيان تعليمي ضخم يقدّم الدعم للمذهب السنّي الأشعري

من الجدير بالذكر هنا أن الكثير من طلبة المدارس النظامية تمكّنوا من لعب أدوار سياسية مهمة في ما بعد، عندما أتيحت لهم الفرصة لذلك، وكان العز بن عبد السلام (ت. 660هـ)، المُلقب بسلطان العلماء، واحداً من بين هؤلاء، إذ اشتهر بموقفه المعارض لسلاطين الدولة المملوكية، وبدوره للحشد والتعبئة في معركتي المنصورة وعين جالوت، واللتين وقعتا في 648هـ، و658هـ على الترتيب.

مدرسة تينمل

في المغرب الأقصى، ارتبطت الدولة الموحدية الكبرى التي تأسست في النصف الأول من القرن السادس الهجري، بواحدة من أشهر المدارس الدينية، ألا وهي مدرسة تينمل.

تذكر الكثير من المراجع التاريخية، ومنها على سبيل المثال كتاب "دولة الإسلام في الأندلس" لمحمد عبد الله عنان، أن تلك المدرسة تأسست فوق قمة جبل تينمل على يد الفقيه المغربي محمد بن تومرت في بدايات القرن السادس الهجري، وكانت ملجأ هرع إليه المئات من معتنقي أفكار ابن تومرت الثورية، والتي عارضتها الدولة المرابطية الحاكمة حينذاك.

ابن تومرت، والذي أدعى في ما بعد أنه المهدي المنتظر، فتح مدرسته ليعلّم طلابه القرآن والحديث وأصول الدين والفقه، وصنّف لهم مجموعة من الكتب، ومن أشهرها أعز ما يطلب، والمرشدة، والموطأ، وبث في تلك المصنفات آراءه الداعية للخروج على المرابطين.

كما قسّم ابن تومرت الطلبة إلى مجموعات متباينة، وذلك بحسب مستواهم الدراسي، فكان منهم الطلبة والحفاظ، وآيت عشرة، وقد اضطلعت كل طبقة من تلك الطبقات بدور مهم في خطة الثورة التي وضعها لهم، وظلوا محافظين على أداء تلك الأدوار حتى نجحوا في تأسيس الدولة الموحدية عام 540هـ.

جامعة الأزهر... بين الشيعة والسنّة

يُعَدّ الجامع الأزهر في مصر أحد أهم المدارس الدينية التي اضطلعت بدور مؤثر على الساحة السياسية في الإسلام. يذكر محمد عبد الله عنان في كتابه "تاريخ الجامع الأزهر في العصر الفاطمي"، بعض التفاصيل عن نشأة الأزهر الأولى، وارتباطها بتوجهات الدولة الفاطمية، التي عُرف خلفاؤها باعتناقهم التشيع على المذهب الإسماعيلي.

يقول: "لم يُنشأ (الأزهر) في الأصل ليكون جامعة أو معهداً للدرس، وليس ثمة في ظروف إنشائه ثم في ظروف حياته الأولى ما يدل على أنه أنشئ لمثل هذه الغاية، وإنما أنشئ الجامع الأزهر ليكون مسجداً رسمياً للدولة الفاطمية في حاضرتها الجديدة، ومنبراً لدعوتها الدينية، ورمزاً لسيادتها الروحية".

خطوة تحوّل الأزهر من جامع إلى مدرسة حقيقية وقعت في عهد الخليفة الفاطمي العزيز بالله، عندما خصص الوزير يعقوب بن كلّس داراً لطلبة العلم الذين يقصدون الأزهر، وعيّن لهم مرتبات ثابتة، ودُرّست العلوم الشيعية، وكان القصد من ذلك هو تخريج مجموعة من الدعاة القادرين على نشر المذهب الإسماعيلي في الدول ذات الأغلبية السنّية.

وكان من أشهر الدعاة الذين درسوا أو تلقوا تعليمهم في الأزهر في تلك المرحلة كل من القاضي ابن حيون المغربي (ت. 363هـ)، وداعي الدعاة المؤيد في الدين الشيرازي (ت. 470هـ)، فضلاً عن صاحب قلعة ألموت، الحسن بن الصباح الحميري (ت. 518هـ).

هذا الهدف سرعان ما انقلب إلى نقيضه بعدما قام صلاح الدين الأيوبي بإسقاط الدولة الفاطمية في 567هـ، لتُعطّل الدراسة في الجامع لفترة طويلة، قبل أن يُعاد افتتاحه مرة أخرى أمام طلبة العلم في زمن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس وخلفائه، والذين خططوا لرفع مدرسة الأزهر راية الفكر السنّي لتصبح رأس حربة الآلة الدعائية المملوكية ضد الدولة المغولية الإيليخانية الشيعية في إيران والعراق، والتي اهتم سلاطينها بنشر العلوم والمعارف الشيعية في الكثير من المدارس في كل من الحلّة ومشهد وقم.

ظلّت جامعة الأزهر تضطلع بدورها التعليمي المصطبغ بالصبغة السياسية طوال العصر العثماني، وحتى وصول الحملة الفرنسية على مصر في 1798م.

وبحسب ما ورد في تاريخ الجبرتي، فإن قائد الحملة نابليون بونابرت، لما عرف مكانة الأزهر وأهميته على الصعيد السياسي، قام بتأسيس "ديوان القاهرة" ليساعده على حكم البلاد، وعيّن فيه مجموعة من كبار شيوخ الأزهر من أمثال الشيخ عبد الله الشرقاوي.

العلاقة الهادئة بين الفرنسيين وأساتذة الأزهر لم تظل منعقدة لأكثر من بضعة أشهر، إذ شارك العديد من هؤلاء الأساتذة في ثورة القاهرة الأولى التي اندلعت في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 1798، وقُتل عدد كبير منهم بمدافع وبنادق الفرنسيين التي لم تفرّق بين الأزهريين وبين غيرهم. كما اقتحم الفرنسيون الجامع الأزهر بخيولهم، واقتيد عدد من مشايخه إلى محاكمات عسكرية سريعة، وصدرت الأحكام بإعدام ستة منهم، فضُربت أعناقهم ثم دُفنت جثامينهم في مكان غير معلوم.

ورغم فشل الثورة، فقد استمر الأزهر في معارضته للفرنسيين، فشارك شيوخه في ثورة القاهرة الثانية، كما قام أحد طلبته، وهو سليمان الحلبي بعد ذلك، باغتيال الجنرال جان باتيست كليبر خليفة بونابرت على مصر.

المدارس الديوبندية... مهد حركة طالبان

في منتصف القرن الـ19 الميلادي، عرفت شبه القارة الهندية تأسيس واحدة من أهم المدارس الدينية الإسلامية في العصر الحديث، ألا وهي المدارس الديوبندية، والتي عُرفت باسم أزهر الهند.

يمكن القول إن تلك المدارس، ممثلةً في أساتذتها وطلبتها، ارتبطت بشكل وثيق بالسياسة منذ لحظة تأسيسها وحتى اليوم. بحسب ما هو معروف، فإن علماء الهند المسلمين، ومنهم على سبيل المثال محمد قاسم النانوتوي (ت. 1297هـ)، شاركوا في أحداث الثورة الهندية عام 1857م. ورغم الفشل الذي لحق بتلك الثورة في نهاية الأمر، تمكنت مجموعة من هؤلاء العلماء من تأسيس مدرسة دار العلوم الشهيرة في ديوبند، والتي اشتهر أمرها في ما بعد، وافتتحت لها الكثير من الفروع في شتى أنحاء الهند وباكستان وأفغانستان، حسبما يذكر مولاي حفيظ الله حقاني في كتابه "طالبان أفغانستان: من حلم الملا إلى إمارة المؤمنين".

بحسب حقاني، المدارس الديوبندية هي مدارس مستقلة غير تابعة للدولة، تدرَّس فيها علوم المذهب الحنفي والعقيدة الماتريدية، وتُدار بواسطة مجموعة من الشخصيات الدينية المعروفة والمشهورة، كما إنها تشهد تدريس ما يُعرف باسم "منهج الدرس النظامي" نسبةً إلى الشيخ نظام الدين بن قطب الدين السهالوي (ت. 1161هـ)، ومنهجها الدراسي يقوم على تعليم القرآن والحديث والفقه والشمائل المحمدية من خلال مجموعة من الكتب المنتقاة والتي لا يُحاد عنها، كما أنها تنتهج النهج التقليدي الجامد في كل شيء، بدءاً بالزي ومروراً بالمنهج الدراسي وانتهاء بالفكر، فترى العمامة جزءاً لازماً من الزي التقليدي للطلبة، خاصةً في أفغانستان وإقليم بلوشستان الباكستاني.

ويذكر حقاني أنه توجد مجموعة من المراتب العلمية في تلك المدارس، أولها طالب، وتُطلق على جميع مَن التحق بالدراسة في المدارس الدينية، وثانيها رتبة المُلا، وتطلق على كل مَن قطع شوطاً في الدراسة وإنْ لم يتممها. أما المرتبة الثالثة فهي مولوي، وتُطلق على كل مَن تمكن من اجتياز الدراسة، ووضع على رأسه العمامة، وحصل على إجازة في التدريس.

تأثير المدارس الديوبندية في السياسة في العالم المعاصر سيتضح إذا عرفنا أن الأغلبية الغالبة من أعضاء حركة طالبان، كانوا بالأساس من بين الطلبة الذين درسوا في تلك المدارس، وذلك في الفترة الواقعة ما بين تسعينيات القرن العشرين وحتى اللحظة الحالية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard