أبي الخميني وأمي عشرة شيفات وأنا الوَزَغ الوردي

السبت 28 مايو 202201:41 م

حياكة الكلام


أبي

الوحيد في هذا العالم، الذي لم ينشغل بتخليد ذكراه، أو تغيير العالم، أو ترك بصمته، هو والدي، والدي العزيز، العزيز للغاية، للغاية التي كنت أشعر معها أنه الله، بلحيته البيضاء المنتظمة الكثيفة، وصوته الرخيم العميق الطيب، وابتسامته التي لم يوجد مثلها في البلاد، وسترته الزرقاء البسيطة الأنيقة، وعمله الأشد بساطة وأناقة، والدجاجة الكاملة التي وضعها للكلبة الحبلى أسفل شرفتنا، وصوت شخيره وهو يفترش الأرض العارية الرطبة في ليالي الصيف، وقوامته على أربعة صبية وأربع فتيات، كأنه من قرر أن ينجبهم هكذا، بتواتر عجيب، ولد بنت، ولد بنت، حتى يكتمل النصاب، الوحيد الذي انشغل بحاضره في هذا العالم هو أبي.

الفقر؛ أحد الأسباب الرئيسة لسحق الروح، سحق الكبرياء، سحق الآدمية، ولأنني معني بفقرنا منذ طفولتي، كان يأتيني الفقر بمناماتي على هيئة غول مهيب، يطاردني بزراعات الذرة التي تقترب من بيتنا، بيده اليمنى التي تشبه منجلاً حاداً هائل النصل، ينقذني من ضرباته الساحقة قصر قامتي، وأنا أتوجه نحو أشجار النخيل، لا أعرف لماذا أتوجه لأشجار النخيل، ربما تحميني جذوعها الضخمة الباسقة من منجل الغول، ربما لأنني أحب أشجار النخيل، وقبل أن أصل لها يواجهني أبي بجلبابه الأبيض ولحيته البيضاء وغطاء رأسه الأبيض، ينتصب أبي بمواجهة الريح فيبدو كشخصية خيالية بفيلم رسوم متحركة. ألتفّ حول قدمه اليسرى وأحتمي بها، يربت بكفه اليسرى الضخمة القوية الحنونة على رأسي ويقرّبني من ساقه، ويتبادل والغول نظرات حادة حاسمة، يصرخ بعدها الغول من الغضب ويلتف ويعود، لا يحمل أبي سلاحاً ولا يفعل أي شيء ليخيف الغول إلى هذا الحد، ويحملني برفق كأنني حمامة، ويحتضني ويضع رأسي فوق كتفه، تهدأ أنفاسي المضطربة وأسقط في سبات عميق، وأبي وأنا نختفي بين أجمة أشجار النخيل.

لوالدي قدرة مذهلة على صناعة كل شيء؛ أتذكره الآن كأنه نيو بفيلم "ماتريكس" وهو يحمل برامج الأعمال بفمتو ثانية في عقله، فتطلب منه جدتي وهو رجل المدينة أن يصنع لها فرناً طينياً فيفعل، رغم أنه لم يبن فرناً طينياً بحياته. يقدر أبي مساحة الفرن، ويحدد مكانه بالقرب من طاقة تعلو الجدار، والطاقة هي نافذة صغيرة كانت توجد بغرف الأفران لخروج الحرارة والأبخرة منها، ويصنع أبي قاعدة مستديرة من الطوب الطيني، تضيق كلما صعدت لأعلى، ويضع بوسطها شريحة معدنية ثقيلة أو "صاجة" كما كانوا يطلقون عليها، يفعل أبي كل ذلك في غضون الساعتين، ويتصبب منه عرق غزير تمسحه بطرف ردائها أمي، ليستقر بالنهاية بناء مقوس من الطين، أقرب للقبة السماوية في عمق زاوية البيت، بناء يصنعونه الآن بمطاعم البيتزا العملاقة ويطلقون عليه اسم "فرن تقليدي"، ذلك الفرن التقليدي الذي صنعه أبي أمام عيني بغمضة عين.

الوحيد في هذا العالم، الذي لم ينشغل بتخليد ذكراه، أو تغيير العالم، أو ترك بصمته. والدي العزيز، العزيز للغاية، للغاية التي كنت أشعر معها أنه الله، بلحيته البيضاء المنتظمة الكثيفة، وصوته الرخيم العميق الطيب، وابتسامته التي لم يوجد مثلها في البلاد، والدجاجة الكاملة التي وضعها للكلبة الحبلى أسفل شرفتنا... مجاز

كنت أتساءل دوماً: لماذا ليس للدجاجة ثلاثة صدور وثلاث سيقان؟ نحن عشرة، ومن العدل أن يحصل أبي على صدر كامل وتحصل أمي على ساق كاملة، ليس من الضرورة أن يؤثرانا على نفسيهما، ويتناولا الرؤوس أو الأقدام أو الأجنحة أو الأعناق، أو ألا يتناولا شيئاً على الإطلاق، بدافع من حب شديد وزهد أشد، وأنا كبير الآن أتذكر والدي ووالدتي، وأشعر أنه ليس للأمر علاقة بالتوفير أو الفقر على الإطلاق، كان يمكن لأبي أن يحضر عشر دجاجات، ولكنه يشعر مثلي الآن، أن المعدة بيت الشرور، وأنه أكل حتى شبع، وأن الحشو المفرط للحوم يليق بنا نحن الصغار، حيث لازالت أجسادنا بطور النمو، وحيث لا مناص من اللحوم لأجسادنا، فالعقل السليم في الجسد السليم حقاً، ويدرك أبي ذلك ويحرص عليه، ولا يحرمنا من شيء تقريباً، كأنه محمد فريد خميس أو أخصائي تغذية عتيد.

كنت على هشاشتي لصعوبة ولادتي أتمتع بجسد صلب، يتحمل اللعب طوال النهار بالشارع ويحمل آثار النزاعات، والآن فقط أفهم كيف كنت أحتمل الصراعات الدامية التي كنت أخوضها كل يوم بشفاه مقطوعة أو قدم دامية دون حتى أن أشعر أن هناك خطباً بي، كان أبي يصممنا لمواجهة الحياة بدنياً وذهنياً، حيث أنه راحل عن العالم لا محالة، وحيث لا مكان للضعفاء أو الأغبياء، وها أنا الآن، لازلت أكتب بعد عشر سنوات من الجوع، معتمداً على دجاج أبي منذ 46 عاماً.

أمي

كانت أمي بالثانية والأربعين وهي تحملني بأحشائها كالخطيئة الأولى؛ المرأة بالأحياء الشعبية لا ينبغي لها أن تنجب بهذا العمر. هذا عيب، عيب فاضح، وللتخلص من هذا العيب والعبء، حاولت أمي التخلص مني بشتى الطرق الشائعة حينها، فشربت ملحاً إنجليزياً متصورة أنني مغص ما، ووضعت مرتبة قطنية سميكة وطلبت من أخوتي الأوغاد أن يتقافزوا فوقها بهمة حقيقية، وفعل الأوغاد ما طلبت بشرٍّ حميم غير قابل للنقاش، وقفزت من فوق السرير عدة مرات على غرار ميرفت أمين بفيلم "الحفيد".

سلكت أمي كل الطرق للخلاص مني، والخلاص من بطنها المنتفخة، وسط ثقافة شعبية همجية لا تفهم أو ترحم، ورغم ذلك أتيت إلى العالم على يد القابلة الرسمية للمناطق العشوائية. ويبدو أنها جذبتني من أنفي، لأنني تمتعت بأنف ضخم لا أجد له مغزى، وشعر أكرت لم أجد له مغزى أيضاً، وبنية هشة للغاية، أقرب لبنية وزغ جائع، كان خروجي إلى العالم دوناً عن إرادة أمي أحد أغرب أسباب تمسّكي بالعالم، ورغم هشاشتي المفرطة كنت الأذكى والأكثر نشاطاً بين أبنائها الثمانية.

كانت أمي تصف أبي بالخميني، والحقيقة أن أمي هي الدافع الحقيقي وراء تحول أبي إلى الخميني، حين أقسمت عليه يوماً أن يتخلص من لحيته التي كان يتكاسل أحياناً عن حلاقتها، والتي كانت هي أحياناً من تقوم بحلاقتها

كان لأمي مركز عمليات يدعى "المنور"، كانت تعمل به منفردة بقدرة عشر نساء، فتنظف السمك، ثم تتبله، ثم تصنع له حساء الشرش، وحساء الشرش هو مياه دافئة يختلط بها الملح والثوم والكمون والكسبرة الخضراء، لتضع بها أمي السمك بعد شوائه، فيكتسب نكهة البهارات ويصبح لحمه ليناً.

كنت أربض بجانبها في مركز العمليات هذا، أراقب السماء من فوقنا أحياناً، وأراقبها وهي تعمل بهمة عشرة شيفات، أساعدها أحياناً بإحضار الجاز للوابور، أو شراء سلكة لتسليك فونيا الوابور، أو لإبعاد القطط المتربصة بالأسماك. كانت أمي سيدة نساء العالم وهي تضع للقطط نصيباً وللجيران نصيباً وتطلب مني أن أوزع الأنصبة.

بصحن المنزل؛ أو الصالة كما كنا ندعوها، تلك الصالة التي لم تكن تتجاوز مساحتها أربعة أمتار في أربعة أمتار، كانت أمي تنشر الطعام على الطاولة المتوسطة لصحن البيت، كقائد حلف الناتو وهو ينشر قواته. أصناف من الطعام تتخطى ميزانية شهر كل يوم، وضيوف أعزاء من كل حدب وصوب، وبوابة خشبية مطعمة بالزجاج لا توصد أبداً.

كانت أمي تصف أبي بالخميني، والحقيقة أن أمي هي الدافع الحقيقي وراء تحول أبي إلى الخميني، حين أقسمت عليه يوماً أن يتخلص من لحيته التي كان يتكاسل أحياناً عن حلاقتها، والتي كانت هي أحياناً من تقوم بحلاقتها.

قسماً على قسم، أقسم أبي ألا يحلق لحيته أبداً، وهكذا؛ من رجل أربعيني ناعم الوجه دوماً، إلى رجل أربعيني بلحية كثيفة منتظمة، يختلط فيها الشعر الأسود بالمشيب، وتزين وجه أبي المستطيل كأحد آلهة الإغريق، وتحول وجهه ذو البأس الشديد إلى صورة طبق الأصل من الزعيم الروحي الشيعي آية الله الخميني، بل وتحول مسار حياة أبي بالكلية إلى رجل دين وأمام مسجد المدينة، بوقاره الشديد، وعزوفه تماماً عن الرغبة بالإمامة، ذلك العزوف العجيب الذي دفع بالجميع لاختياره للإمامة.

كانت أسئلتي الكثيرة تدعو لخنقي أو شنقي أو حرقي على أرحم تقدير، وربما لاح لأمي العزيزة أن تلقيني بمصرف القرية عدة مرات، ولكنها تراجعت لأسباب لا تمت لعاطفة الأمومة بصلة، حيث لن تجد عندها كائناً ثرثاراً يقصر عليها طريق العودة الطويل... مجاز

كانت زيارات أمي لجدتي بالريف رحلات مكوكية أعشقها للغاية؛ وتحرص أمي دون إلحاح مني على اصطحابي بتلك الرحلات، بدافع من وجود كائن لحوح، لزج، كثير الكلام، يقصر عليها الطريق. كانت أسئلتي كثيرة دوماً وأنا صغير، وكانت أمي تنتقي ما يحلو لها للإجابة عليه، ضاربه بعرض الحائط شغفي بالمعرفة وإجابات باقي الأسئلة. وكانت بالحقيقة محقة، فأنا كنت بحاجه للجام وأنا صغير للصمت بعض الوقت، حيث إن أسئلتي الكثيرة تدعو لخنقي أو شنقي أو حرقي على أرحم تقدير، وربما لاح لأمي العزيزة أن تلقيني بمصرف القرية عدة مرات، ولكنها تراجعت لأسباب لا تمت لعاطفة الأمومة بصلة، حيث لن تجد عندها كائناً ثرثاراً يقصر عليها طريق العودة الطويل.

أنا

مدينة النور؛ هي مسقط رأسي. مدينة النور بقعة ضئيلة للغاية على خارطة العالم، ربما لن تلحظها إن دققت جيداً بالخارطة، لأنني أنا أيضاً لا ألحظها حين أدقق بالعالم. مدينة النور مدينة متاخمة لحي الزاوية الحمراء العتيق، ذلك الحي الشعبي الشهير بالعشوائية والجريمة، والذي يتميز سكانه المساكين بعاطفة طيبة قوية، وشائعات ليس لها أصل من الصحة. النور اسم ارتبط بدخول الكهرباء لبيوتنا، حيث كانت بيوتنا تشع بالإضاءة الحكومية السحرية، فتسبح ليلاً في بحيرة من النور الذهبي، لا تشاركها به بقية الزاوية الحمراء، الحمراء من لون الخيمة الأحمر الذي عاش به سكان الزاوية الأصليون مؤقتاً، حين تهدمت منازلهم بفضل جشع المقاولين بعد انفتاح السادات.

مدينة النور كانت عالمي الخاص، حيث لا عالم آخر بالخارج، حتى أنني كنت أكتب فوق صفحات كراساتي: "بعد تلك الحدود لا يوجد شيء". ستة عشرة عاماً وأنا أعيش بمنأى عن العالم، كتوم هانكس بفيلم "المُبعد". ستة عشرة عاماً من السعادة الخالصة بين البيت والمسجد والمدرسة وسيقان الفتيات، ستة عشرة عاماً من الحياة فوق جزيرة ضوء ذهبية.

عكس كل الأطفال بمجتمعنا الطيب الفقير، كنت أميل للحفاظ على حياة الحيوانات، مهما بلغت ضآلتها أو فزع الآخرين منها، كنت أرى في الوَزَغ كائناً دقيقاً للغاية، أنيقاً للغاية، جميلاً للغاية. الوَزَغ هو البرص بلغتنا العامية، ذلك الكائن الدقيق للغاية الذي كان يرعب أخواتي البنات، لحسن الحظ، كان أخوتي الصبية لا مبالين للغاية بالحيوانات المنزلية الدخيلة، وربما صنعوا منها حساء وراحوا يشربونه وهم يضحكون.

الوَزَغ صنعة إلهية معجزة، ككل صناعات الله المعجزة، ببشرته الوردية المرقطة بحمرة، وكف يديه ذي الخمسة أصابع التي تنتهي بنهايات دائرية، وخوفه الغريزي من العمالقة الذين يتقافزون حوله كالقرود، كنت أحمل الوَزَغ برفق من منتصف جسده، أتأمله بروية شديدة، وأشعر بخوفه الشديد، فأربّت على جسده الصغير حتى يطمئن، وأخرج به بعيداً للغاية عن البيت، وأضعه برفق بين الزراعات القريبة، وأتمنى ألا تلاحقه الضفادع أو القطط، فمن حقه أيضاً أن يعيش. كان الوَزَغ ينتظر قليلاً بعد أن أطلق سراحه، ينظر يمنه ويسرة وكأنه يمتن لي، ثم يبتعد مسرعاً لا يلوي على شيء، وأعود محملاً بمشاعر ملحمية، كأنني والت ديزني القرن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard