عن الموت والقتل في أفق الشعب السوري

الجمعة 27 مايو 202202:57 م

هل من السوريين مَن لديه رغبة بسماع حديث عن الموت أو القتل بعد كل ما حدث وكل ما كُتب؟ هل من كاتب لم يكتب عن الموت أو القتل ولو لمرة واحدة على الأقل؟ ولكن، لأن موضوع الموت والقتل لا يُستنفد ولا يُقال فيه قول أخير، نستطيع أن نتحدث عنه أو نكتب تحت تأثيره إلى ما لا نهاية.

هل يغيّر الموت من ماهيته؟ هل ما زال الموت موتاً في أفق السوريين؟

الكائن المائت

نستطيع ألا نقتل ولكن لا نستطيع ألا نموت. الموت حدث لا يعرف الاستثناء، لا يعرف التفريق أو التمييز، يشتهي الجميع ويجمع بينه وبينهم موعدٌ مؤجل في كل لحظة. هذا الكائن المائت، الذي هو نحن، يدرك أن الموت لا يغيّر من نفسه، وحدها دلالاته أو معانيه هي التي تتغير من ثقافة إلى أخرى أو من عصر أو أفق إلى آخر. أما الموت، بما هو الإمكان الأقصى في الكيان الإنساني، فيبقى "هو هو" في كل مرة. الموت هو الموت دائماً وأبداً.

عندما يدرك هذا الكائن "المحكوم بالموت" أن الموت آتٍ لا محالة، يقضي عمره في تحمّل انتظار الموت في كل وهلة من الزمن... الإمعان في أثر الموت، الهلع من أن الموت آتٍ لا محالة، الزمن الكثيف الذي ينعدم في انخطافة فجائية، الثقل الذي لا يُحتمل، كل ذلك يدخل في عذابات النفس، بينما يقف الموت هناك في دواخلنا، منتظراً محدّقاً.

فليتمهل الموت، تقول الكائنات الفانية التي تقضي عمرها مترقبة له، خائفة منه، إلا أن الموت في أفق الشعب السوري كاد أن يخلي الساحة للقتل، فأن يموت إنسان سوري ميتة طبيعية أصبح أمراً مستبعداً أو غريباً. فحتى عندما يموت السوري دون أن يقتله أحد فإن لديه في نفسه ما يكفي من أسباب القتل أو الموت قهراً. والحال أن الموت قهراً أو عجزاً يمكن أن يُعتبر قتلاً وليس مجرد موت.

الكائن المقتول

الموت إشكالية لا تخصّ شعباً بعينه بل تخص الإنسان في أي زمان ومكان. أما إشكالية القتل، فتحمل راهنية غير مسبوقة في تاريخ سوريا المعاصر والقديم، إذ لم يسبق للسوريين أن قُتِلوا على يد السوريين بهذا الشكل، وهذا بحد ذاته إشكال لم ندرك بعد كل الآثار النفسية التي خلّفها في أفق أنفسنا.

"هل من كاتب لم يكتب عن الموت أو القتل ولو لمرة واحدة على الأقل؟ ولكن، لأن موضوع الموت والقتل لا يُستنفد ولا يُقال فيه قول أخير، نستطيع أن نتحدث عنه أو نكتب تحت تأثيره إلى ما لا نهاية"

ربما ما خلّفه القتل الذي انتهجه النظام السوري منذ أول أمره غير قابل للشفاء، والحال أن السوريين أصبحوا يعيشون نوعاً من حداد عميق على النفس، ولا أحد منهم يعرف متى يستطيع أن يفك حداده، والسوري إذا لم يكن في حداد على أحد يعرفه فهو في حداد على نفسه على أقل تقدير.

يعلم كل مَن يعيش تحت حكم النظام السوري أن القتل أسهل الطرق وأحبّها على قلبه، وأن الإنسان السوري مهدور الدم حتى إذا وقف على "الحياد" أو ناصر النظام، فالسوري كيفما عاش في سوريا يدرك جيداً أنه كائن قابل للقتل وأن لا ضمان لحياته... السوري إذن كائن مقتول قبل أن يُقتل، أو هو في أحسن الأحوال قتيل محتمل.

ليس جديداً أو مفارقاً القول إن النظام يمتهن القتل، لكن هذا الكلام رغم تكراره يغيب عن ذهن البعض عندما تُكشف مجزرة جديدة من مجازره. فما حدث من ضجة إعلامية بعد كشف مجزرة التضامن، تضمن نوعاً من الانبهار من أن إنساناً ما يستطيع أن يفعل ما يفعله جنود الجيش السوري وشبيحته! والحال أن هذه الأفعال ليست غريبة عن النظام بل هي من طبيعته...

"حتى عندما يموت السوري دون أن يقتله أحد فإن لديه في نفسه ما يكفي من أسباب القتل أو الموت قهراً. والحال أن الموت قهراً أو عجزاً يمكن أن يُعتبر قتلاً وليس مجرد موت"

ما لم نرَه من مجازر النظام ليس أقل قسوة من مجزرة التضامن، وما فعله كَشْف هذه المجزرة ليس وضع الملح على الجرح أو فتح جرح ملتئم، فالجراح لم تلتئم بعد والملح مسكوب على الجراح منذ البداية.

إذا كان الذي يموت يترك إمضاءً في عالم الأحياء، فإن مَن يُقتل يترك إمضاء مكتوباً بالدم، وإذا كان "الميّت يمسك بتلابيب الحي" كما يقول كارل ماركس، فإن المقتول يكاد يقتل الحي حزناً وقهراً قبل أن يموت أو أن يُقتل.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard