هل يمكن أن نكون في علاقة عادية مع الفلسطيني؟

السبت 21 مايو 202211:46 ص

"كان الفلسطيني وسيظل أيقونة الانتماء في أفق أنفسنا المعاصرة: اللاجئ، الأسير، الشهيد... الإنسان. بيد أنه قد تمت بسرعة أقنمة هذا النوع الجليل من البشر وحرمان الإنسانية من ترتيب علاقة عادية معه".

في سوريا، حُرمنا من إقامة تلك العلاقة التي يشير إليها فتحي المسكيني مع الفلسطينيين لأسباب عديدة، واحد منها أننا لم نكن يوماً كائنات سياسية في ظل النظام: لم نكن مواطنين يتمتعون بحقوق سياسية مدنية، بل كنّا رغم أنفنا رعايا لحاكم يقدّم للناس الفتات ويأمرهم بالطاعة...

والحق أن الشعوب العربية جميعها لم تُمنح بعدُ حق أن تبني مؤسسات أو أن تستفيد من مصادر نفسها العميقة، أو أن تثير أكثر ما يمكن من إمكانات التفكير التي تتوفر عليها ثقافتها.

بتحويلهم إلى كائنات "تحت-سياسية" حرم النظام السوري السوريين وفلسطينيي سوريا من ترتيب "علاقة عادية" مع أنفسهم ومع بعضهم البعض. وعندما يحرم نظام أمني شعباً بكامله أو بمعظمه من السياسة أو يقصيه عنها، سيعيش ذلك الشعب ضروباً متعددة من البؤس وسيتحول إلى حشود مأسورة، ولا يتطلب الأمر سنوات كثيرة كي يتحول بكامله إلى الأسر، أو كي يصبح أي فرد فيه شهيداً أو معتقلاً.

ولكن ما معنى أن نكون في علاقة عادية مع الفلسطيني وكيف لنا أن نصبح كذلك؟ مَن منّا نحن والفلسطينيون يمكن اعتباره عادياً؟

الأسر واللجوء والاستشهاد أحوال سالبة تثير البؤس، لكن الفلسطيني أو السوري إذ يحملها متفرقة أو مجتمعة في نفسه لا يجعل من نفسه مجرد ضحية، فهو بالرغم من ذلك وبسببه يقاوم هذا البؤس، بل هو يذهب أبعد من ذلك إلى تحويل هذا النمط المخصوص من السَلب إلى أسباب تجعله قوياً وفخوراً، إذ لا تدخل هذه الأمور عنده في خانة السَلب دائماً، بل في خانة موجبة أيضاً، أي أنه يستخرج من ظروف حياته السلبية أسباباً للحياة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. لنتذكر مثلاً علامات الفخر على الوجوه المبتسمة وهي تتعرض للاعتقال في حي الشيخ جراح.

"ما معنى أن نكون في علاقة عادية مع الفلسطيني وكيف لنا أن نصبح كذلك؟ مَن منّا نحن والفلسطينيون يمكن اعتباره عادياً؟"

أن نكون على علاقة عادية مع الفلسطيني قد يعني أولاً أو بداية ألا يكون الفلسطيني لاجئاً أو أسيراً أو شهيداً، أن يكون إنساناً لا يعاني من هذه الأمور الموحشة، ألا تحلّ عليه هذه اللعنات...

ربما ما تشير عبارة المسكيني إليه هو نوع من الاستحالة في العلاقة مع الفلسطيني، إذ ومنذ الاحتلال الإسرائيلي أصبح الفلسطيني لاجئاً أو أسيراً أو شهيداً، وكثيراً ما جمع كل هذه الصفات معاً. إسرائيل فرضت تغييراً في نمط الكينونة لدى الفلسطيني، فأصبح كل فلسطيني يحمل في نفسه هذه الإمكانات الثلاثة بشكل مريع.

السوريون بدورهم أيضاً أصبحوا يحملون هذه الإمكانات أو الصفات الثلاث، أي أن العلاقة العادية أصبحت مستحيلة لسببين: الأول يخص الإنسان الفلسطينيي الذي طال احتماله لنمط الكينونة المتمثل بكونه "اللاجئ/ الأسير/ الشهيد"؛ والثاني يخص الإنسان السوري الذي أصبح يشارك الفلسطيني في كل ذلك، أي أننا أمام استحالة مضاعفة.

"لأنه ‘نوع جليل من البشر’، يعيش الفلسطيني في مقام عظيم، ويستطيع وهو في مكانه أن يعبر الحدود أو أن يخترقها، وأن يرتحل ويعود ويقيم في فلسطين بطرق مختلفة حتى إذا كان خارجها"

لا سبيل إلى إقامة "علاقات عادية" في أفق الأنظمة القمعية والاحتلالات، وكل علاقة مع الفلسطينيين خصوصاً محكومة بهذا البؤس الثلاثي (اللجوء والأسر والشهادة) الذي ألحقته بهم إسرائيل، لذلك فإن علاقاتنا مع الفلسطينيين لن تخلو من بؤس أو حزن عميق أو غير مرئي.

لكن كل ذلك لا يعني أن علاقاتنا مع الفلسطينيين هي فقط علاقات يخترقها البؤس والحزن والقهر. الفلسطيني بوصفه "أيقونة الانتماء في أفق أنفسنا المعاصرة" يجعل من عالمنا أكثر ألفة أينما حلّ، فهو يحمل بلاده معه أينما ذهب. ونحن، إذ نحمل بلادنا معنا أيضاً، نشاركه في نمط الانتماء المتعدد ولكن الوفي دائماً إلى الأرض المسلوبة... ولأنه "نوع جليل من البشر"، يعيش الفلسطيني في مقام عظيم، ويستطيع وهو في مكانه أن يعبر الحدود أو أن يخترقها، وأن يرتحل ويعود ويقيم في فلسطين بطرق مختلفة حتى إذا كان خارجها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard