"مرتزقة" سوريون يوضّبون حقائبهم بانتظار أمر التوجه إلى أوكرانيا

الثلاثاء 15 مارس 202210:26 ص
Read in English:

Syrian mercenaries ready for Ukraine

"وامتزجت الدماء السورية بالدماء الروسية. نزفّ لكم نبأ استشهاد البطل المغوار مضر عبد العزيز علي، أول شهيد سوري على الأراضي الأوكرانية، والذي نال الشهادة أثناء تأدية واجبه في محور (دونباس)، لروحك الرحمة ولاسمك الخلود".

هذا نص منشور نشره الإعلامي السوري المعروف رفيق لطف على صفحته على فيسبوك، وهو إعلامي معروف في الداخل السوري، محسوب بشراسة على المخابرات التي لطالما تولّت مهمة تسريب معلومات له، خاصة في سنوات الأزمة الأولى، وعلى وجه الخصوص في ملف بابا عمرو، في حمص، حين تولى إعداد سلسلة وثائقيات عن الحيّ، وكان لفترة غير قصيرة بطل "قناة الدنيا" (قناة "سما" لاحقاً)، قبل أن يخفت بريقه الإعلامي في السنوات اللاحقة.

المنشور المذكور اجتاح السوشال ميديا السورية، حتى خرج أهل الشخص الظاهر في الصورة ليوضحوا أنّ الصورة لابنهم الذي كان ضابطاً في الجيش السوري وقضى قبل سنوات في معارك داخل البلاد، وليتبين أنّ اسمه مقداد حسين خليل، وهو مهندس برتبة نقيب من ريف طرطوس، قضى في إدلب، عام 2015.

رغم تبيّن زيف منشور لطف، إلا أنه لم يحذفه. ويقدِّر البعض أنه كان يعرف مسبقاً أنه يقدّم معلومة خاطئة، وهدفه قراءة مزاج الشارع على خبر كهذا، خبر يبدو أنه قريباً سيكون حاضراً بكثرة على صفحات الموقع الأزرق.

ويلكام تو نيو سيريا"

باتت سوريا تصدّر المرتزقة "البروفشنال" إلى أنحاء المعمورة. هؤلاء قاتلوا في ليبيا، وفي إقليم ناغورني كاراباخ، ويُنتظر قريباً وصولهم إلى أوكرانيا. حملوا "خبرتهم" في القتال وتوجهوا إلى ساحات خارجية، بعضهم ليقاتل في حروب روسيا وبعضهم لخوض حروب تركيا الخارجية.

أتذكر أنّه قبل عامين ونيف، عقب إرسال سوريين للقتال في ليبيا، قال لي صديق: "بلاك واتر لاتاكيا أند أليبو... ويلكام تو نيو سيريا".

في تجنيد المقاتلين الموالين للنظام يبرز اسم شركة "فاغنر" الروسية العسكرية الخاصة، والتي تمتلك عقداً خاصاً مع وزارة الدفاع السورية لتقاتل داخل سوريا.

ولتجنيد سوريين بغرض إرسالهم إلى الخارج، تنسّق الشركة مع سلطات مطار حميميم، قاعدة العمليات الروسية في سوريا. مقاولو "فاغنر" لا يظهرون على الساحة بوضوح، بل يعملون عبر واجهة تتألف من سوريين تستقطب الراغبين.

ومنذ أن بدأت الحرب الروسية على أوكرانيا، في الأسبوع الأخير من شباط/ فبراير 2022، تداعى كثيرون من مؤسسات وأشخاص وجهات واتجاهات ليقولوا "نحن معك يا روسيا". هؤلاء كانوا صدى للموقف السوري الرسمي الذي يقف مع روسيا حتى النخاع، وهو موقف مفهوم في السياق السياسي العام، فلا أحد يتوقع أن يقف النظام السوري ضد حليفته الدولية.

ولكن أن تصل الأمور إلى مسألة إرسال "مرتزقة" للقتال في شوارع المدن الأوكرانية فهذا أمر آخر مختلف تماماً. ويبدو أن لعاب المقاتلين الذين يدورون في فلك النظام السوري والقوى المؤيدة له سال مجدداً على الدولارات التي يوفّرها لهم عملهم كـ"مرتزقة" (يُسمّون "متطوعين")، كما حدث عند توجه الآلاف لمؤازرة روسيا في مواجهة الأتراك في ليبيا. كيف لا والـ700 دولار شهرياً التي تقاضوها في ليبيا صارت بحدود الألف دولار؟

"تعاقدتُ مع مطار حميميم للقتال في أوكرانيا مع إخوتنا الروس بتسمية مقاتل وبراتب ألف دولار شهرياً. مع إجازة عودتي بعد سبعة أشهر، أستلم المبلغ عن كل الأشهر وفوقه راتب شهر إضافي"

قبل أيام، وبالتحديد في 11 آذار/ مارس، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنّ موسكو تنشر مرتزقة سوريين في بلاده.

روسيا لم تؤكد هذه المعلومات رسمياً، ولكن وزير دفاعها سيرغي شويغو أفاد بأن 16 ألف "متطوع" من الشرق الأوسط مستعدون للقتال بجانب حلفاء روسيا في منطقة دونباس، شرقي أوكرانيا. وتطرق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى هؤلاء وقال إنهم يريدون المشاركة "بمحض إراداتهم وليس من أجل المال"، مضيفاً: "يجب أن نمنحهم ما يريدون ونساعدهم على الوصول إلى منطقة الصراع".

مقاتلون من الشرق الأوسط؟ لا يمكن قراءة "الشرق الأوسط" هنا إلا على أنه سوريا، فهي المكان الوحيد الذي يمتلك فيه الروس "حلفاء" مستعدون لخوض مغامرة "الارتزاق" بسبب التقارب السياسي وبسبب الظروف الصعبة التي خلقتها الحرب السورية للناس. وأيضاً سوريا هي المكان الوحيد الذي يمكن أن يُنقَل منه مقاتلون إلى روسيا، لوجستياً، عبر مطار حميميم.

يحزمون حقائبهم

ماجد، اسم مستعار لشاب سوري يبلغ من العمر 28 عاماً ويقيم في مدينة حمص، حزم أمتعته تحضيراً للسفر والقتال، في دونباس مبدئياً. يقول: "أنا مقاتل سابق في مجموعة مقاتلة تابعة للقوات الرديفة في منطقة القلمون، تم حلها عام 2017"، ويقصد مجموعة درع القلمون، وهي مجموعة عسكرية رديفة، أي قوة غير تابعة للجيش النظامي ولكنها تقاتل بجانبه، مثل قوات الدفاع الوطني وجمعية البستان وقوات درع القلمون ومجموعات النمر (لقب الضابط سهيل الحسن).

يروي ماجد أنه توجه إلى ليبيا أواخر عام 2020 وقاتل هناك على فترتين، كل فترة خمسة أشهر، وبين الفترتين عاد إلى سوريا لثلاثة أشهر. يقول: "الآن تعاقدتُ مع مطار حميميم للقتال في أوكرانيا مع إخوتنا الروس بتسمية مقاتل وبراتب ألف دولار شهرياً، لا أستلم الراتب وأنا على رأس عملي، بل مع إجازة عودتي بعد سبعة أشهر، أستلم مبلغاً عن كل الأشهر وفوقه راتب شهر إضافي". يحاول ماجد في حديثه أن يغلّف الملف بلبوس وطني وقومي وعقائدي ومبدئي، ولكن القضية تتعلق بالبطالة واعتياد حمل السلاح.

بدوره، تعاقد الشاب سامي (اسم مستعار) مع ما يُسمّى "الحملة"، وهي عبارة عن أشخاص يجمعون الشباب لتسفيرهم إلى الخارج، عبر مركز استُحدث في حمص، يقول عنه إنّه غير علني، وفي ذات الوقت ليس مخفياً، فمَن يريده سيصل إليه بسهولة.

سامي مقاتل سابق في قوات الدفاع الوطني، وجد نفسه بلا عمل، بعيد تدخّل روسيا في الحرب عام 2015، والاستغناء عن خدمات فرقته. لا شيء لديه يستثمر فيه إلا قوة ذراعه وإتقانه استخدام قاذف B7.

بدأ سامي حديثه بضرورة مساندة "الأشقاء" الروس وردّ الدين لهم والوقوف معهم، إلخ. سألناه بغتةً: "هل برأيك روسيا كانت مصيبة في ضم القرم؟". بدا من ملامحه أنّه متفاجئ بالسؤال ولا يعلم أي شيء عن الموضوع، أجاب: "ما هي القرم؟". الرجل لا يعرف شيئاً عن "أشقائه"، ولكنه يريد مال القتال بجانبهم.

بدأ سامي حديثه بضرورة مساندة "الأشقاء" الروس وردّ الدين لهم والوقوف معهم، إلخ. سألناه بغتةً: "هل برأيك روسيا كانت مصيبة في ضم القرم؟". بدا من ملامحه أنّه متفاجئ بالسؤال ولا يعلم أي شيء عن الموضوع. أجاب: "ما هي القرم؟"

يتحدث مقاتل سابق في "الفيلق الخامس – اقتحام"، وهو فيلق استُحدث عام 2016 بصورة رسمية، بعد أشهر على التدخل الروسي في سوريا، وكان الهدف منه ضبط الميليشات المقاتلة إلى جانب النظام، عبر تأطيرهم في إطار عسكري، برواتب مغرية، عن أحوال مقاتلي هذا الفيلق.

يقول: "هذا الفيلق استُحدث في حماة بقيادة روسية قبل سنوات، وهو سيكون عماد الحملة المتجهة إلى أوكرانيا. المقاتل في الفيلق حصراً دوناً عن الجيش، يتقاضى مئتي دولار شهرياً، وفي حملة روسيا سينال أضعافاً مضاعفة والمغريات كبيرة، طعام وشراب وراتب كبير".

ويضيف: "إرسالنا أيضاً مؤمَّن عبر مطار حميميم، ويُشترط في المتطوعين أن يكونوا ذوي خبرة وقوة في القتال ومهارة في استخدام السلاح. لا يريدون أناساً يموتون بشكل مجاني".

عن نفسه لم يتخذ قراره بعد. يقول: "أنا أفكر بالأمر حتى الآن".

ابحثوا عن الفقر!

وحده الفقر الذي يئن تحت وطأته مئات آلاف السوريين يدفع الشباب السوريين نحو هذه الخيارات. هؤلاء يتلقفهم بسهولة وسطاء مهمتهم ربط الراغبين بمطار حميميم، مقابل تقاضيهم من كل مقاتل مبالغ مالية يُتّفَق عليها مسبقاً، وعادةً ما تكون بقيمة راتب شهر واحد أو نصف شهر. هو "بيزنس" يحصل الآن تماماً كما حصل في ملف التسفير إلى ليبيا.

مصادر متقاطعة متابعة للملف يوصل حديثها إلى خلاصة مفادها أن نحو ثلاثين ألف شاب سجّلوا أسماءهم "للتطوع"، أبرزها ضابط سوري على صلة بمطار حميميم الذي ينسّق مع الأجهزة السورية ويطلب منها البحث في سجلات المسافرين الجنائية قبل قبولهم. ويتحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن "أكثر من 40 ألفاً".

ولكن ليس كل مَن سجّل اسمه سيُقبل، فهناك معايير واشتراطات تلعب دورها. فالروس، ولغرابة الأمر، لا يقبلون تجنيد مَن ارتكبوا جرائم خطيرة، أو المطلوبين لخدمة العلم. ولكن مَن يدري، قد تتغير كل هذه القواعد فجأة تحت ضغط العسكرة في أوكرانيا.

يقول العقد الأولي الذي شرح سامي مضمونه لرصيف22 إنّ مَن يسقط قتيلاً لن يتم التعامل معه في بلده كشهيد، بل سيتم تعويض عائلته بمبلغ مالي، لا يحدد العقد قيمته.

وينص العقد على بند كان موجوداً في عقود المرتزقة الذين أرسلوا إلى ليبيا، وهو منع الإجازة أو العودة إلى الوطن في الأشهر السبعة الأولى. فهل يمكن الاستنتاج هنا أن الروس يخططون لحرب طويلة الأمد وقودها "متطوعو" منطقة "الشرق الأوسط"؟

في المقلب الآخر للصورة، ذكر المرصد السوري أن بجانب حملات تجنيد مقاتلين لصالح روسيا، "رفعت قيادات وعناصر من المرتزقة الذين قاتلوا في ليبيا وأذربيجان قوائم أسماء مئات الأشخاص، تحضيراً لخوض العمليات العسكرية في أوكرانيا ضد روسيا"، وتحدث عن "مرتبات شهرية تتجاوز الـ2000 دولار أمريكي".

وأشار المرصد إلى أن "الفصائل الموالية لتركيا جهزت قوائم بأعداد كبيرة، بأمر من الاستخبارات التركية"، ولكن لم يغادر أي مقاتل إلى أوكرانيا حتى الآن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard