"عار" الأرض المحرمة على المستكشفين... صحراء الربع الخالي

الثلاثاء 7 يونيو 202211:00 ص

ليس سهلاً المرور بها، ولا الخروج منها.

هي كالمتاهة، لا يعرف خباياها إلا أبناؤها الذين ولدوا من رحم رمالها، وهي تعانق شمساً قاسية؛ مملكة رملية مخادعة، تستطيع أن تسحر الناظرين، وتخلق لهم واحات وأشجاراً، ثم ترجعهم عطاشى.

عندما نراها، ونقرأ عنها، تستدعي الذاكرة "عزيز" الذي أفاق بعد مئة عام ليجد القرية، التي هلكت وعمّ فيها الخراب، قد عادت إلى سيرتها الأولى، مزدهرة، وتضجّ فيها الحياة.

هي صحراء الربع الخالي في جزيرة العرب، تتشاركها أربع دول السعودية، عمان، اليمن والإمارات.

لا يخلو الحديث عن الربع الخالي من ذكر الحكايات الشعبية عن الجن، فتلك الصحراء الشاسعة التي يصدح فيها صوت العواصف والرياح وهي تنثر الرمال، قادرة على خلق الخرافة. يحكى عن أصوات دق الطبول في تلك المساحات الخالية من البشر، كأن الجان يقيمون طقوسهم ورقصاتهم الخاصة، وصرخات الجنيات تملأ المكان، وتفزع عابري الطرق، كما يتردد اسم "حمدة" كثيراً، التي يقال إنها جنية تهوى مشاكسة العابرين، وتصدر أصواتاً ترعبهم، ومن المعروف أن حركة الكثبان الرملية مع الرياح تصدر أصواتاً يطلق عليها البعض "عزف الرمال"، إلا أن هناك من يؤمن أن تلك هي أصوات الجان.

ليست كل حكايا اختفاء المدن والقرى من الزمن الغابر، فالرمال كالبحار لا تعرف الأصدقاء.

قبل أكثر من ثلاثين عاماً، في قرية وادي المُرّ في سلطنة عُمان، وتحديداً ولاية جعلان بني بو علي، في تلك المنطقة المعزولة، دُفنت قرية تحت الرمال عام 1991 بعدما اجتاحتها عاصفة رملية، وجرفت سيولاً من الرمال نحو المنازل إلى أن طمرتها وأخفت آثارها، ما دفع أهالي القرية إلى هجرتها، فصاروا يعودون في كل عام ليطلعوا على أطلال منازلهم، وآثار القرية التي أصبحت مزاراً شاهداً على غضب الرمال.

ويبقى التساؤل دائماً: هل هي صحراء قاحلة منذ أن بدأ التاريخ أم أنها كانت جنة خضراء، تشطرها الأنهر والمسطحات المائية؟

تساؤل حيّر الباحثين، فلطالما صاغت صحراء الربع الخالي ذلك الغموض حول أصلها، كما حاول مستكشفون فكّ ألغازها، كيف تحولت الجنة إلى بحر من الرمال؟

"الماء كان يغمر الربع الخالي قبل مليون عام تقريباً، ووجدنا سناً لفرس النهر في غرب الربع الخالي، إضافة إلى وجود بقايا لنيازك ضربت أجزاء من الربع الخالي، ومن أشهرها نيزك فيلبي أو الحديدة، الذي سقط قبل 290 عاماً"، يقول الدكتور عبد العزيز بن عبد الله بن لعبون، أحد أعضاء الفريق العلمي الزائر للربع الخالي.

 يحكى عن أصوات دق الطبول في تلك المساحات الخالية من البشر، كأن الجان يقيمون طقوسهم ورقصاتهم الخاصة، وصرخات الجنيات تملأ المكان، وتفزع عابري الطرق، كما يتردد اسم "حمدة" كثيراً، التي يقال إنها جنية تهوى مشاكسة العابرين، وتصدر أصواتاً ترعبهم

يأخذنا ذلك إلى ما يؤمن به مسلمون حول "علامات الساعة الصغرى"، ويرددون حديثاً منسوباً إلى نبي الإسلام: "لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً". والحقيقة أن غنى تلك المنطقة بالنفط يثبت إيمانهم الديني بالمقولة، فالنفط كما يعرف، هو وقود أحفوري يعود أصله إلى مستحاثّات عضوية عتيقة، مثل العوالق الحيوانية والطحالب.

يذهب البعض إلى أن سبب تحول الجنة إلى صحراء هو عقاب رباني، ويشيرون إلى قصة النبي هود، المبعوث إلى قوم عاد، إحدى القبائل العربية البائدة التي وردت في القرآن، أهلكوا بريح عاصفة، أخذتهم ومبانيهم الشاهقة.

رحالة يكتشف الربع الخالي

كتب الرحالة الانكليزي برترام توماس، (أول مستشرق يعبر صحراء الربع الخالي) في كتابه "البلاد السعيدة": "استطاع الإنسـان أن يكتشـف المناطق النائية للكرة الأرضية، بقطبيها الشمالي والجنوبي، كما استطاع أن يكتشف منابع نهر الأمازون، ومجاهل وأصقاع قارتي إفريقيا وآسيا، غير أن الربع الخـالي ظل البقعة المجهولة الوحيدة، لاسيما وأن الجزيرة العربية كانت مهد حضارة عريقة، تلامس حدودها حضارتين قديمتين، هما حضارة مصر وحضـارة بابـل. مع ذلك فقد بقيت جزيرة العرب الأرض المحرمة على المستكشفين، ولم يقدر لأكثر من عشرين مكتشفاً أوروبياً أن ينفذوا الى بعض المناطق غير المأهولة".

وعلة تمنّع تلك المنطقة الصحراوية على استكشافات الأوروبيين، أرجعها توماس إلى عاملين:

الأول: قلة هطول الأمطار فيها، وقسوة الحرارة، لم تسمحا إلا بوجود جماعات من البدو الرحل، تجتاحهم حروب دائمة، تحرمهم من الاحساس بالأمن والاستقرار.

الثاني: تعصب سكان تلك المنطقة لعقيدتهم الدينية.

استطاع توماس أن يكسب احترام وودّ سكان المنطقة الجنوبية الشرقية من الجزيرة العربية، بعدما عُين مستشاراً في مجلس وزراء سلطان عمان.

وتساءل حول شبه الجزيرة العربية بشكل عام، وتعادل مساحتها نصف القارة الأوربية، كيف تُركت معزولة عن العالم، وغير مدرجة في الخرائط؟

ويذكر في كتابه من بين الذين استهوتهم جزيرة العرب، ريتشارد بيرتون، الذي عرض خدماته على الجمعية الجغرافية الملكية عام 1852 من أجل ما سمّاه "عملية محو هذا العار" من تاريخ المغامرة الحديثة، إلا أن آماله ذهبت ضحية العراقيل الرسمية.

ربما تتساءل ما الذي ميز توماس، وأهّله ليكون المستشرق الأول الذي يشق طريقه إلى أعماق الربع الخالي؟

الحقيقة أن عمله لثلاثة عشر عاماً في السلك السياسي بعد الحرب العالمية الأولى في ثلاث جهات من الجزيرة العربية، وإتقانه اللهجات المحلية للقبائل، ومعرفته عن كثب بالعادات العربية، وتأقلمه معها، كانت أسباباً رئيسية في نجاح رحلاته، التي امتدت من عام 1927 حتى 1930، مرتدياً في كل المناسبات الزي البدوي.

كتب توماس: "كنت أتحدث باللهجة المحلية الدارجة، كذلك كنت أعيش كما يعيش أهل هذه المنطقة، وامتنعت عن شرب الكحول والتدخين، في محاولة للتظاهر بالالتزام بعادات أهل المنطقة، الأمر الذي كان يسهّل من مهمتي في اجتياز منطقـة الصحراء الكبرى".

"البدو يسيرون عراة الرؤوس، والضفائر الضخمة تتدلى خلف رؤوسهم، وهي تقيهم حرارة الشمس، وأحياناً عندما يمتطون الجمال، يستلون خناجرهم، ويحكون بها ضفائرهم من غير حياء أو خجل"، على حد تعبيره.

ولاحظ توماس خصوصية ثقافة السلاح في الصحراء، فالبدوي عموماً يحمل بندقيته في إحدى يديه عند الركوب، أما قبائل الرواشد فإنهم يحملون بنادقهم في أكياسها، وعند قبائل مرة، تتدلى البندقية من الكتف الى الجنب، كما تطرز كعوب البنادق بخيوط مزركشة تتدلى منهـا.

أوبار المدينة الضائعة

بين عامي 1930 و 1953 لم تتوقف البعثات لاكتشاف منطقة الربع الخالي، واتجه جل التركيز حيال مدينة ضائعة ومطمورة تحت كثبان الرمال، يُحكى عنها أساطير كثيرة، ويعتقد البعض أنها "إرم ذات العماد" المذكورة في القرآن. إنها "أوبار".

في عام 1981، أسرت تلك الأسطورة عن المدينة المدفونة الكاتب ومخرج الأفلام الوثائقية، نيكولاس كلاب، الذي بحث بين أقدم الخرائط المتوفرة عن المنطقة وأسرارها.

 في تلك المنطقة المعزولة، دُفنت قرية تحت الرمال عام 1991 بعدما اجتاحتها عاصفة رملية، وجرفت سيولاً من الرمال نحو المنازل إلى أن طمرتها وأخفت آثارها، ما دفع أهالي القرية إلى هجرتها، وصاروا يعودون في كل عام ليطلعوا على أطلال منازلهم، وآثار القرية التي أصبحت مزاراً شاهداً على غضب الرمال

وفي التسعينيات، تواصل نيكولاس مع وكالة ناسا لالتقاط صور لجنوب عُمان، في منطقة "شصر" عبر رادار التصوير "الماكوك"، القادر على تصوير ما لا تراه العين المجردة، فظهرت صور قديمة لطرق قوافل تجارة اللبان، مطمورة تحت الرمال عند ضفاف الربع الخالي.

وأُرسلت بعثة في عام 1990 من الولايات المتحدة وبريطانيا وعمان، واكتشفت البعثة بعد مرور عام أبراجاً وحصناً وغرفاً وأدوات، تعود إلى ألفي سنة قبل الميلاد، ويرجح أن تكون المدينة قد اختفت عام 300 ميلادي، عقب انهيار سقف المغارة التي بني فوقها حصن "أوبار".

جمع كلاب كل تلك المعلومات والبحوث التي استغرقته عامان، في كتاب "الطريق إلى أوبار" أو "The road to Ubar".

قديماً، ذُكرت "وبار" في عدد من الأشعار، التي تعود إلى العصر الجاهلي، ويعتقد أنه تحريف لاسم "أوبار". يقول ميمون بن قيس الملقب بـ"الأعشى": وأهلُ جوّ أتى عليهم/ فأفسدت عيشَهم فباروا/ ومرّ دهرٌ على وبار/ فهلكتْ جهرةً وبارُ.

ويلفت النابغة الذبياني"النظر، وهو يصف نخيل وبار، قائلاً: فتحملوا رحلاً كأن حمولهم/دومٌ ببيشة أو نخيلُ وبارِ.

بينما يقول بشر بن أبي خازم الأسدي: وأنزل خوفنا سعداً بأرضٍ/هنالك إذ نجير ولا نجارُ/وأدنى عامر حياً إلينا/عقيل بالمرانة والوبارِ. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard